8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

دعاية الحكم عن الاستجابة للبطريرك مزحة ثقيلة

ترافق الإعلان أول من أمس عن اتفاق الرؤساء إميل لحود ونبيه بري وعمر كرامي والوزير سليمان فرنجية على اعتماد القضاء دائرة انتخابية في كل لبنان وتقسيم العاصمة الى ثلاث دوائر، مع حملة دعاية عامة تحت عناوين شتى من بينها أن هذا المشروع أتى إرضاء للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير وبمباركته، ومنها أن المعارضة التي طالبت باعتماد قانون العام 1960 أسقط في يدها.
أما الحقيقة فهي في أمكنة أخرى تماماً، وتحرص المعارضة على تفنيدها نقطة نقطة.
اولاً ـ ان خروج الرئيس نبيه برّي امس بتأكيد انه لم يغيّر موقفه من اعتماد المحافظة دائرة انتخابية مقرونة بالنسبية، أتى ليلقي ظلالاً من الشك حول جدية الكلام عن توافق حول القضاء.
ثانياً ـ ان البطريرك صفير لم يؤخذ بالدعاية السلطوية، ويؤكد المقربون منه ان في كلام "السلطة" مناورة بقصد تنفيس الاجواء المصاحبة لزيارة سيد بكركي الى باريس، او بقصد المقايضة مع المعارضة عبر البطريرك بين القضاء وقضايا اخرى.
ثالثاً ـ لكن على افتراض ان الأمر سلك طريق الجدية، وإذا أخذ في الاعتبار أن المصالح الانتخابية لبعض المجتمعين في بعبدا أول من أمس لا تتوافق مع اعتماد القضاء، فإن ذلك يعني أن "طاقية الإخفاء"، أي القرارالسوري يكون بالتوجه نحو القضاء.
الفشل في إيجاد قانون يضرب المعارضة
رابعاً ـ لم يعد ممكناً منذ أن طالبت المعارضة خصوصاً بتياراتها المنضوية في "لقاء البريستول" باعتماد القضاء على أساس قانون 1960، ولا سيما بعد أن درست "السلطة" كل المشاريع الممكنة لتهميش المعارضة أو إسقاطها ولم تجد المشروع المناسب لذلك والملتزم بوحدة المعيار في آن، لم يعد ممكناً إلاّ التوجه نحو القضاء دائرة انتخابية. وغنيّ عن القول في هذا المجال أن المراقبة الدولية اللصيقة للمسار الانتخابي من محطّته الأولى أي القانون الى محطّته الأخيرة أي النتائج، سيجعل "السلطة" عاجزة عن التلاعب بقانون الانتخاب.
خامساً ـ في ضوء ذلك، من الواضح أن التوجه نحو القضاء اذا صدق الكلام عن ذلك سيكون توجهاً اضطرارياً في ظلّ المراقبة الدولية من جهة أولى، وعدم توافر أي مشروع يحقّق ضرب المعارضة من جهة ثانية، وحقيقة أنه لا بد من التسليم بقوة المعارضة ومحاولة تشليحها أحد أسلحتها في المعركة السياسية التي تخوض من جهة ثالثة. وبهذا المعنى، فإن التوجه نحو القضاء سيكون انتصاراً للمعارضة.
الاستجابة لمطلب البطريرك!
سادساً ـ والمضحك في هذا السياق كله أن يجري تصوير الامر على انه استجابة لمطلب البطريرك صفير، حتى لو أن "الإخراج" تعمّد إظهار البطريرك في "الصورة" قبل الإعلان عن التوافق على القضاء، وحتى لو أن "الإخراج" قضى بـ"تسليف" الرئيس لحود والوزير فرنجية "ورقة" القدرة على "بيع" قانون القضاء الى المسيحيين و"ورقة" العلاقة بالمسيحيين من مدخل البطريركية المارونية في انتظار محاولة المساومة معهم. والمضحك مثلاً أن البطريرك كان فوّض الى الرئيس رفيق الحريري في آخر لقاء لهما في بكركي خلال الأعياد أن يعلن باسمه أنه ليس مع تقسيم بيروت الى دوائر مذهبية وأنه على العكس يؤيّد دوائر مختلطة في العاصمة، فلماذا لا يؤخذ بطلب البطريرك في هذا الموضوع أيضاً؟ ولماذا لا يتمّ الأخذ بمطالب البطريرك الأخرى مما تضمّنه النداء الخامس لمجلس المطارنة الموارنة في الأول من أيلول الماضي مثلاً؟
سابعاً ـ على أي حال، وفي انتظار صدور مشروع القانون بصيغته النهائية، تعتبر المعارضة أن المجال لا يزال مفتوحاً أمام "السلطة" للتلاعب سواء في تحديد القضاء أو في إلحاق بلدات معينة بقضاء معين بدلاً من أن تتبع البلدة قضاء آخر، وهذا احتمال لا تسقطه المعارضة من حسابها.
أين يمكن أن تخطئ المعارضة؟
في ضوء هذه المقدّمات جميعاً التي تردّ مباشرة على حملة الدعاية السلطوية، والتي تضع النقاط على الحروف من زاوية أن التوجه نحو القضاء لن يكون الا اضطرارياً تفرضه عوامل محلية ودولية، لا بد من تسجيل مجموعة من العناوين التي تخطئ المعارضة إن هي وقعت في فخّها.
1 ـ تخطئ المعارضة خطأ جسيماً إن هي استسلمت أمام الحرب الدعائية السلطوية التي تصوّر أن اعتماد القضاء هدية الى البطريرك الماروني واستجابة له.
2 ـ تخطئ المعارضة خطأ كبيراً إن هي تقرأ احتمال التوجه السلطوي الاضطراري نحو اعتماد القضاء على أنه نهائي وستخطئ إن لم تعتبره انتصاراً أول لها، وأن هذا الانتصار لا بد من استكماله الى النهاية.
3 ـ تخطئ المعارضة، أو بالأصح يخطئ معارضون إن هم دخلوا بعد هذا التطور في "لعبة" التمييز بين واحد وآخر في "السلطة"، وإن هم خفّفوا من حماستهم للمعركة الانتخابية السياسية بكل مضامينها وأبعادها.
الأقضية ليست ممالك
4 ـ يخطئ معارضون إذا هم اعتبروا أن أقضية معيّنة هي ممالك لبعضهم، أو أن اعتماد القضاء يعفيهم من التوحّد مع سائر المعارضين في القضاء، أو أن اعتماد القضاء يسمح لبعضهم بتصفية حسابات معيّنة مع حلفاء ـ خصوم.
5 ـ يخطئ المعارضون إن هم لم يتصرّفوا في الانتخابات في القضاء كما كان يجب أن يكون التصرّف في الدائرة الأوسع، متوسطة كانت أم محافظة أو دائرة واحدة، وأن يستمرّوا في المعركة على أساس أنها معركة في كل لبنان، وان يستمروا في اعتبار ان المعركة في كل لبنان في انتظار انجلاء هذه "المناورة".
6 ـ تخطئ المعارضة إن هي اعتبرت أن معركتها حقّقت "المطلوب" أو أنها أدّت قسطها للعُلى. ذلك أن المعركة التي قرّرتها المعارضة في الأصل هي من شقّين: القانون ومعركته لم تنتهِ بعد ومرجعية الإشراف على العمليات الانتخابية ومعركتها لم تبدأ عملياً، والمعارضة مطالبة بـ"نفَس" طويل.
7 ـ وتخطئ المعارضة إن لم تنتقل فوراً الى "الأرض" وفي حال بقيت أسيرة البحث في هيكليات ولجان فقط، وعليها كما يقول نائب معارض بارز خوض الانتخابات "حبّة حبّة" أي عدم تجاهل أي صوت انتخابي في أي مكان، وعليها أن تُقبل على الانتخابات بثقة بقدرتها على الفوز، لا بل قدرتها على اكتساح أكثرية المجلس النيابي المقبل.
8 ـ وتخطئ المعارضة أيضاً إن هي اعتبرت أن ما رشح عن لقاء بعبدا الرباعي نهائي، خصوصاً إذا انخرط معارضون في عملية "خلط الأوراق" وتغيّرت الخارطة السياسية وقد يكون ذلك ما تريده "السلطة"، وربما هذا ما أشار إليه الوزير فرنجية عندما قال إن موالين سيصبحون معارضين بعد بروز ملامح القانون وإن معارضين سيصبحون موالين. وما يحفّز على التحذير من حصول انتقالات على الرقعة السياسية، هو أن اعتماد القضاء من شأنه أن يؤدي الى سقوط أركان في "السلطة" في أقضيتهم.
وحدة المعركة في كل لبنان
9 ـ وتخطئ المعارضة أيضاً وأيضاً إن لم تحسن أطرافها التفاوض الانتخابي مع بعضها. وفي هذا المجال، لا بد مثلاً للحوار مع العماد ميشال عون وتيّاره أن يتوصّل الى اقتناع مشترك بأن الانتخابات معركة سياسية وانتخابية ضد "السلطة"، وأنه إذا كان مفهوماً أن يعبّر الطرفان "لقاء البريستول" من جهة و"التيار الوطني الحر" من جهة ثانية عن رؤيتيهما السياسيّتين، فليس مفهوماً أو مقبولاً أن يحمل طرف على شركاء في المعارضة والاعتراض، لأن وحدة المعارضة يجب أن تبقى الأولوية المطلقة، وليست لهذه الوحدة صيغة "تنظيمية" وحيدة، لكن الأداء السياسي يمكن ويجب ضبطه.
بيروت
10 ـ وتخطئ المعارضة أخيراً، وبعض المعارضين المسيحيين تحديداً، إن هم اعتبروا أن تقسيم بيروت الى ثلاث دوائر إحداها مسيحية، يحرّر حركتهم الانتخابية من العلاقة بالشريك المسلم، ذلك أن الانتخابات، هذه الانتخابات بالتحديد، ينظر إليها اللبنانيون على أنها معركة تجديد إنتاج الشراكة الإسلامية ـ المسيحية، وعلى أنها معركة ما بعد الانتخابات بدرجة رئيسية لجهة إنتاج حكومة الوفاق الوطني التي ستكون ملفّات أساسية في عهدتها.
المطلوب هو أنه إذا كانت "السلطة" تغشّ نفسها و"ترشّ على السم سُكّر" كما يقال، ألاّ تنغشّ المعارضة، وأن تبقى واعية لحقيقة أنها انتزعت انتصاراً لعبت في حصوله عوامل عدة: أزمة "السلطة" وخوفها وارتباكها، ومحاولة فك عزلتها والإيحاء بـ"الحياد"، ومشكلتها مع المجتمع الدولي... لكن العامل الرئيسي هو تنامي قوة المعارضة الذي جعل بحث "السلطة" عن مشروع يقضي على المعارضة يصل الى حائط مسدود.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00