استوقف كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الداعي الى خفض سنّ الاقتراع الى ثمانية عشر عاماً أوساطاً معارضة عدة، لا سيما المعارضة المسيحية المقرّبة من بكركي، وذلك من زوايا نظر عديدة. وسجّلت هذه المعارضة مجموعة من الملاحظات على هذا الطرح.
أولاً ـ تعتبر المعارضة، أن تقدم نصرالله بأي اقتراح هو حق بديهي من حقوقه، ويمكن إجراء حوار موضوعي بشأنه خاصة أن ليس لهذه المعارضة موقف رافض بالمطلق لخفض سنّ الاقتراع، الذي يشكّل مطلباً ديموقراطياً إذا جاء تطبيقه من ضمن سياق معيّن فيما يؤدي تطبيقه الى العكس في سياق آخر.
اقتراح "ضدّ الآخر"
ثانياً ـ بيدَ أن ما يحوّل الحوار في هذا الاقتراح عن سياقه الموضوعي، هو أن السيد نصرالله يطرحه بـ"الضدّ" من فئة لبنانية أخرى، وهذا ما تجلّى في إعلانه "عدم جواز مصادرة رأي الشباب اللبناني المسلم والمسيحي على حدّ سواء إرضاء لمرجعية معيّنة (..)"، كما تجلّى في "تهديده" بأن "المرحلة لا تحتمل أي مجاملة" وبأنه سيضطر الى "قول الحقيقة كما هي".
ثالثاً ـ ولا يخفى في نظر المعارضة، المسيحية خصوصاً، أن اقتراح السيد وقد سبقه كشف وزير الداخلية سليمان فرنجية قبل أيام لأرقام تظهر الفارق العددي الشاسع بين عدد الشباب المسلم في سنّ الـ18 وعدد الشباب المسيحي في هذه السنّ، هو اقتراح يضمر العودة الى "لعبة" الأكثرية العددية، وإعمال "منطق" الأكثرية العددية في كل المناسبات والاستحقاقات.
رابعاً ـ وتعتبر المعارضة أن ما يطرحه نصرالله يتضمّن إمكان استغلاله من قبل "السلطة" في معرض بحثها عن قانون انتخاب يناسبها وتقسيمات مناسبة لها، بمعنى إنتاج دوائر انتخابية ذات أكثريات مذهبية معيّنة. وهكذا، بينما يؤكد الطائف والدستور على أن عدد النواب المسلمين والمسيحيين متساو بصرف النظر عن الأكثرية العددية، يغدو نوعاً من الالتفاف عبر تحكيم الأكثرية العددية في قانون الانتخاب وتقسيماته، طالما أن تغيير النسبة في المجلس النيابي القائمة على المناصفة، متعذّرة الآن.
المطلب عندما يتحوّل الى عكسه
خامساً ـ وإذ تسجّل هذه المعارضة أن تقديم نصرالله لاقتراحه بـ"الضدّ" من جهة معيّنة لا يخفى أنها المرجعية المسيحية، هو ما يثير كل الالتباسات السابق ذكرها، تعتبر أن فيه خروجاً عن "روح الطائف". وترى أن الآلية التي تقود الى عدم الخوف من وجود أكثرية لطائفة معيّنة أو لمذهب معيّن، يجب أن تكون موضع حوار وطني، سواء تعلّق الأمر بالمراحل التي يجب قطعها على طريق إلغاء الطائفية السياسية أو تعلّق بـ"علمانية الدولة" أو اتصل بمشاركة الاغتراب في التصويت أو غيرها من النقاط.
ذلك أن أوساط هذه المعارضة تعتبر أن إلغاء الطائفية السياسية الآن لن يلغيها فعلاً وهو سينتج طائفية سياسية أخرى، الأمر الذي يطرح قيام التكتّلات السياسية المختلطة، التي مع رسوخها يمكن الارتقاء عندئذ الى نظام انتخابي أكثر تطوراً وديموقراطية.
سادساً ـ ان طرح نصرالله، الملتبس بـ"قرينة" توجيهه "ضدّ آخر" من وجهة نظر الأوساط نفسها، يقود المعارضة عموماً، والمسيحية منها على وجه الخصوص، الى التمسك بالدائرة الصغرى وبالقضاء تحديداً في قانون الانتخاب، على أساس ان اقتراح نصرالله يضيف سبباً موجباً الى الأسباب المرفقة بالدائرة الصغرى بشأن صحة التمثيل، وهذا السبب هو عدم إغراق المسألة الديموقراطية بأكثريات محسومة مسبقاً في تقسيمات ملائمة.
الربط بين المجلس منبراً للحوار والأكثرية العددية
سابعاً ـ وتعبّر أوساط المعارضة عن "استغرابها" لانتقال السيد حسن من الحديث عن كيفية جعل المجلس النيابي منبراً للحوار الدائم بين اللبنانيين الى ربط هذه الآلية المقترحة منه تحت عنوان "حلّ الخلافات بين اللبنانيين" بخفض سنّ الاقتراع اعتباراً من الانتخابات النيابية في الربيع المقبل بما ينطوي عليه من محاذير لاديموقراطية ومخاطر تشكّل غلبة طائفية ومذهبية، إلا إذا كان اقتراح نصرالله يضمر تقسيمات انتخابية طائفية خالصة تحت سقف المناصفة في المجلس النيابي.
وتقول الأوساط هنا أن طرح نصرالله جعل البرلمان منبراً للحوار الدائم منطقي، وربما هو الأفضل لمعالجة الخلافات، وتلفت الى أنها تؤيّد هذا التوجه لا سيما في ظلّ مطالبة الأمين العام لـ"حزب الله" بقانون انتخاب يشكّل مفتاحاً لحلّ "الأزمة السياسية". غير أنها تلفت الى أن تحوّل المجلس الى منبر للحوار مرتبط بتمثيل سياسي صحيح بحيث يمكن تشكّل أكثريات وأقليات سياسية لا طائفية، ومرتبط بحصول انتخابات حرة ونزيهة أيضاً. وتبدي تخوّفها من أن يجري استغلال طرح السيد للتهويل والضغط على المعارضة.
ثامناً ـ تبدي الأوساط نفسها استعداد المعارضة لمناقشة هذا الاقتراح وغيره من ضمن مجلس نيابي يمكن له أن يكون فعلاً منبراً للحوار، بالعلاقة مع اقتراحات يؤدي اعتمادها الى تطوير الحياة السياسية في البلاد. وتقول إن الشرط الأول لذلك هو أن يأتي المجلس المقبل مصداقاً لصحّة التمثيل ومتحرّراً من التدخّلات، وأن الشرط الثاني هوألاّ يأتي أي اقتراح مشوباً بالتباسات. وتؤكد أنها لا يمكن "في المبدأ" أن تكون ضد خفض سنّ الاقتراع الى 18 عاماً بصفته عامل جذب للشباب الى الحياة الوطنية، لكن ذلك يقتضي تمهيدات لا بد من الشروع بها بعد الانتخابات ليأتي هذا الأمر في سياق طبيعي، وتعلن أن هذا "المطلب الديموقراطي" في المبدأ يعنيها تماماً لكن الأمر يتعلق بـ"السياق المناسب" لطرحه.
التوقيت بعد استقبال فرنجية وعبد الملك
تاسعاً ـ وتشير الى أن ما "يلفت" في إعلان السيد نصرالله اقتراحه، هو أنه يأتي بعد أربعة أيام فقط من استقباله عضوي "لقاء قرنة شهوان" سمير فرنجية وسمير عبد الملك، حيث كان اللقاء بداية حوار جرى التشديد على متابعته، ولم يكن هذا الموضوع بنداً في الحوار الذي تمّ على مدى ساعتين، في حين كان تركيز وتوافق على أهمية الوصول الى جعل المجلس النيابي مؤتمراً دائماً للحوار.
وهكذا يصبح استقبال نصرالله لفرنجية وعبد الملك واقعاً بين "حدثين" صنعهما "حزب الله": عملية للمقاومة في مزارع شبعا قبل اللقاء، وموقف سياسي ـ انتخابي بعده، ما يجعل هذه "المصادفة" لافتة.
عاشراً ـ وما "يلفت" أخيراً في توقيت الطرح، من وجهة نظر الأوساط نفسها، هو أنه يأتي في ظرف ثمة إجماع فيه على حماية "حزب الله"، وثمة إجماع على النأي عن مساجلته أو إدخاله من قبل المعارضة في الصراع السياسي بدليل أن أحداً لم يعلّق على العملية الأخيرة للحزب في المزارع على الرغم من وجود اعتراضات على "وظيفتها" بما هي رسالة الى الخارج الدولي، وثمة إجماع على التوجه نحوه باعتباره فريقاً عاقلاً يمثّل ما يمثّل في البلد.. أي أن الطرح يأتي في وقت من الواضح أن قنوات الحوار المباشر مفتوحة معه ولا مبرّر لأي التفافات على هذا الحوار.
"النقزة".. والحوار
في ضوء هذه الملاحظات العشر الرئيسية التي تبديها، تؤكد أوساط المعارضة أن توقيت السيد نصرالله لاقتراحه خفض سنّ الاقتراع الآن، وكونه أتى ملتبساً بقرينة توجيهه "ضدّ" مرجعية معيّنة، يجعلان (التوقيت والالتباس) هذا الاقتراح غير بعيد عن مواقف سابقة أخرى، لا سيما الدعوة التي أطلقها نصرالله قبل مدة الى حسم الخلافات بالاستفتاء قبل أن يعود الى مناقشة البدائل التي يرى أنه لا بد من اعتمادها كي لا تبقى الخلافات من دون معالجة وحلّ. وتعتبر أنه بالصيغة التي قدّم بها، انما ينطوي على تجديد استخدام سلاح الأكثرية العددية، في مرحلة ترى المعارضة أن ثمة خطراً دائماً من أن ينقلب الشيء الى ضدّه من ناحية، وفي لحظة لم تتحرّر فيها الحياة السياسية من التدخّلات التي تجعل الآليات الديموقراطية معطّلة من ناحية ثانية.
وتشدّد ختاماً على أن كلام السيد الذي يثير "النقزة"،لن يغيّر مع ذلك في قناعة المعارضة بالحوار مع "حزب الله" توصلاً معه في الوقت المناسب الى تفاهمات، تمرّ بحسن إدارة الاختلافات، وبآليات تقدّم المشترك تدريجاً، ولن يغيّر في قناعة المعارضة بأن الحزب لا بد أن يكون يوماً جزءاً من "مشروع وطني لبناني" عام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.