يلاحظ المتابعون ان ثمة في الآونة الأخيرة بطئاً في حركة المعارضة وتحركها، يصعب تصديق انه ضروري أو اضطراري في مرحلة استثنائية كالتي يمرّ فيها الوضع اللبناني حيث تشكل الانتخابات النيابية المقبلة محطة بالغة الأهمية، على الأقل لناحية تظهير ميزان القوى السياسي.
والمفارقة الكبيرة على هذا الصعيد، هي ان المعارضة لا تبدو مقبلة بسرعة على استثمار عاملين رئيسيين لصالحها والاستفادة منهما.
العامل الأول هو من دون شك الخلافات العاصفة بين أهل "السلطة" انطلاقاً من قانون الانتخاب، حيث يسعى كل واحد في السلطة الى مشروع يناسبه انتخابياً، وحيث دُرست كافة الصيغ فتبين لـ"السلطة" ان أياً منها لا يحقق الهدف المتمثل بإسقاط المعارضة أو تهميشها، وان أياً منها لا يأتي الى المجلس النيابي الجديد بأكثرية موالية موصوفة، وذلك تماماً لأن "السلطة" لا تستطيع، بمشروع يلتزم وحدة المعيار، أن تصل الى هذه النتيجة. وفي المحصلة فإن "السلطة" محشورة، ومن دلائل هذه الحشرة ان التأجيل كان مصير مشروع قانون الانتخاب حتى نهاية الشهر الجاري.. على أقل تقدير.
اما العامل الثاني في المفارقة، فهو ان الهوة تتسع بين الايقاع البطيء للمعارضة داخلياً من جهة وبين الايقاع المتسارع والمتصاعد على المستوى الدولي كما تجسده الحركة الديبلوماسية الأميركية والفرنسية والغربية من جهة ثانية.
المفارقة، إذاً، هي ان ثمة "لحظة" مؤاتية أكثر من أي وقت بعد التمديد، يبدو ان المعارضة تجيد قراءتها "نظرياً" لكنها لا ترتب على هذه القراءة دينامية متجددة تستكمل بها الدينامية التي قادت الى تحقيق قيام التجمع المعارض المتعدد الملتقي على توجهات سياسية محددة.
"النشاطية" لا تطعم طحيناً
كيف يتجلى ذلك؟
أولاً ـ على الرغم من "النشاطية" الظاهرة، سواء من خلال اجتماعات لجنة متابعة "لقاء البريستول" أو من خلال اجتماعات فصائل المعارضة كل فصيل على حدة أو ثنائياً أو ثلاثياً، فإن المراقبين المتابعين يلاحظون انه بعد مرور شهر ونصف الشهر على انعقاد "لقاء البريستول" لم يتم التصديق على خطة التحرك المعارض، الأمر المحال الى الاجتماع الموسع لقادة المعارضة الأسبوع المقبل.
ثانياً ـ وعلى الرغم من تلك "النشاطية" الظاهرة، فإن أطراف المعارضة ليست موحدة النظرة الى "الحلقة المركزية" التي منها يجب أن تنطلق المعركة السياسية، الأمر الذي ينعكس على تشكيل "آلة" المعارضة أو ماكينتها المشتركة في المجالات كافة. فهل تنتظر المعارضة إقرار الحكومة لمشروع قانون الانتخاب لتباشر تحركها أم ستتحرك بصرف النظر عن القانون، وقد أعلنت سابقاً ان مرجعية الإشراف على الانتخابات تهمها بالقدر نفسه الذي يهمها قانون الانتخاب وربما أكثر؟
"العقلية الانتخابية"
ثالثاً ـ يبدو في بعض "الأماكن" المعارضة ان السائد لديها هو "العقلية" الانتخابية وليس "العقلية" السياسية في حين ان معركة المعارضة انتخابية ـ سياسية متكاملة. و"العقلية" الانتخابية تعني ان بعض الفرقاء يضعون مسألة الأحجام الانتخابية في المقدمة وينظرون الى المعركة من زاوية ما ستعطيهم من أحجام، وأكثر من ذلك هؤلاء الفرقاء يصبحون أكثر ميلاً الى تجاوز الآخرين وحتى محاولة إلغاء أدوارهم التي لولاها لما تقدمت المعارضة الى حيث تقف اليوم. والحال ان تحديد المعركة على انها انتخابية ـ سياسية يفترض عدم الاستخفاف بالجوانب "النضالية" من المعركة والتي تساهم في تشكيل المناخ السياسي للانتخابات، ويفترض عدم التعاطي مع الانتخابات على نحو "تقليدي" بالاكتفاء بالتعامل مع "المفاتيح" والأنصار، ويفترض وعي ان المعارضة يجب أن تنجح معاً، ويفترض أخيراً "التضحية" أي التخلي عن مكتسبات لأجل تأمين مشاركة الجميع في اللوائح. وهذه النقطة الأخيرة "التضحية" هي ما ركّز عليه الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط في أحد اجتماعات المعارضة، وهي النقطة التي يأخذ بها في توجهه الى الانتخابات.
رسالة البطريرك ودقة جنبلاط
رابعاً ـ ان ملاحظة البطء في حركة المعارضة وتحركها في الآونة الأخيرة، لا تجعل المراقبين المتابعين غافلين عن طبيعة الإشكاليات داخل أي فريق من فرقاء المعارضة وبالعلاقة بينه وبين سائر الفرقاء، لكن المتابعين يعتبرون ان الرسالة التي وجهها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الى "لقاء قرنة شهوان" في اجتماعه الأسبوع الماضي وتلاها راعي "اللقاء" المطران يوسف بشارة في بدايته، أيقظت القلق من البطء ومن الخلل في تماسك المعارضة، إذ طالب بوحدة "القرنة" من ناحية وبوحدة المعارضة من ناحية ثانية، ما يعني انه ملمّ بالأوضاع تماماً، على الرغم من تفسير البعض لهذه الرسالة على انها "زرك" للتيار العوني في جانب رئيسي منها.
خامساً ـ وملاحظة البطء في حركة المعارضة "العامة" مبنية ايضاً على ملاحظة عدم تطلّع أطراف رئيسيين في المعارضة الى اللحاق بما يطرحه وليد جنبلاط وديناميته، بحيث يبدو جنبلاط في معظم الأحيان "ضابطاً بلا عسكر"، باستثناء قلة من المعارضين الذين ينسّقون معه وبحيث يبدو جنبلاط متحركاً على كل الجبهات فيما لا يزال بعض المعارضين يحسبون حساباتهم "على الليبرة" كما يُقال.
والحق يُقال في هذا المجال انه لولا جنبلاط وقلة من المعارضين، لما كانت برهنةٌ على ان المعارضة موحدة في الانتخابات وبعد الانتخابات في مشروع سياسي عنوانه الأبرز استعادة لبنان الى النظام الديموقراطي واستعادة لبنان الى سياق سياسي سيادي، بل لبدَت الانتخابات عادية.
وها هو جنبلاط يخوضها من "الصغيرة" الى "الكبيرة"، فيقوم بـ"مطاردة" كل شاردة وواردة، من الشأن الانتخابي المباشر الى الشأن الوطني العام. وها هو "اللقاء الديموقراطي" في اجتماعه أول من أمس يكوّن "الملف" للسلطة، من مشاريع تقسيم الدوائر الانتخابية الى البطاقات الانتخابية، تحت مظلة خطاب سياسي يحدد موقفاً واضحاً من كل مسألة من المسائل.
الحريري
سادساً ـ ويلاحظ المتابعون ان ثمة في المعارضة من "يفسّر" بطء التحرك أو تباطؤه بانتظار "انضمام" الرئيس رفيق الحريري الى المعارضة، وان ثمة انشغالاً بـ"شكوك" لا أساس لها.
وفي تقدير المراقبين المتابعين هنا ان من الخطأ بمكان عدم حسن قراءة موقع الحريري، وهو خطأ يوازي خطأ "السلطة" في قراءة موقع وليد جنبلاط، فالمرحلة هي مرحلة ما بعد التمديد، والحريري ليس في رئاسة الحكومة أي انه ليس في الحكم، وهو يعلن في كل المناسبات تحالفه مع زعيم المعارضة وليد جنبلاط، والى ذلك يضاف ان الحريري لا يُقرأ من خطابه السياسي بل من حركته لأنّ الرجل لا يرفق "نقلاته" بخطاب سياسيّ معلن في جميع الأحوال، وعليه فانّ الحريري حليف المعارضة إن لم يكن في قلبها موضوعياً، ولا صحّة لمقولة بعض المعارضين انّ ثمة صراعاً "على الحريري" بين المعارضة و"السلطة" بمركز قرارها.
الانتقال إلى "الأرض"
على هذه المقدّمات، يعرب المتابعون عن اعتقادهم ان لا تبرير لهذين البطء والتباطؤ من جانب المعارضة، وانّ عليها استدراكهما بأسرع وقت، وانّها مثلما استطاعت ان تنجح في توسيع صفوفها وفي إفشال محاولات اختراقها، لا بدّ ان تبادر إلى الآتي:
1 ـ إدارة المعركة المركبة بما هي انتخابات من جهة وبما هي معركة سياسيّة من جهة أخرى.
2 ـ الاسراع في بتّ خطّة التحرك لمعارضة موحّدة في كلّ المناطق.
3 ـ الانتقال الى "الارض"، الامر الذي بواسطته وحده يمكن تغيير المناخ السياسي، خاصة في ظلّ الارتباك الذي تعانيه "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها، وبما يترجم مقولة المعارضة انّ الانتخابات محطّة سياسيَّة تغييريّة.
إدارة موحّدة للحوارات
4 ـ إدارة الحوارات مع الفرقاء المأمول ضمهم إلى المعارضة، بفريق معارض موحّد بحيث لا تدور مفاوضات متفرقة. وهذا الأمر يتعلق بشكل خاص بالعلاقة مع العماد ميشال عون و"التيار الوطني الحرّ". ذلك انّه ليس منطقياً أن تكون المفاوضات قطعت شوطاً بين العميد كارلوس ادّه و"الكتلة الوطنية" وبين "التيار" بحيث يبدو انّ تحالفهما بات قائماً فيما علاقة ادّه بأطراف المعارضة الأخرى لا تزال ما دون علاقته بعون مثلاً، كما انّه ليس منطقياً أن يؤدي البطء في بتّ التوجّهات حيال عون إلى انفتاح قنوات ثنائيّة موازية، مع كلّ التفهّم لدوافع هذه القنوات التي ما كانت لتفتح ثنائياً لو انّ ثمة تفاهماً على "استراتيجيّة" التعامل مع "التيار".. كما انّه يجب ان يكون واضحاً انّ التعاطي مع عون افضل بكثير للمعارضة وحتّى لعون وتياره اذا كان التفاوض بين معارضة موحّدة و"التيار".
ويختم المراقبون المتابعون بالتشديد على انّ استدراك المعارضة للبطء لا بدّ ان يتمّ بسرعة، أي في غضون أيّام قليلة فقط لأنّ الفرصة سانحة لترجمة الثقل السياسيّ مزيداً من التعديل في توازن القوى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.