8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

واشنطن ترى أن التغيير السوري بوليد المعلّم سطحي إذا كان مجرّد "نسخة مدنية"

تبدو الديبلوماسية الأميركية المتحركة بـ"قوة" في لبنان في الآونة الأخيرة سعيدة جداً حيال ما تعتبره تطوراً في الوضع اللبناني حيث يشكل القرار 1559 محور البحث السياسي في البلاد، ملاحظة ان مقارنة بسيطة بين واقع لبنان اليوم وواقعه قبل عام تظهر أن الأمور تغيرت، وأن السفير الأميركي في بيروت لم يكن قبل عام قادراً على التعبير عن مواقف الولايات المتحدة كما هو قادر اليوم. و"السعادة" حيال هذا الذي تعتبره الديبلوماسية الأميركية تطوراً أو تغييراً، تنسحب أيضاً على مجالات أخرى حيث الشعور بأن السفير يمثل "قوة طليعية" في تأكيد وضع لبنان تحت المجهر الدولي، يعطي الديبلوماسية الأميركية دينامية إضافية.
بيان السفارة: كي لا يتكرّر ما حصل مع بيرنز
وفي هذا المجال، تروي مصادر ديبلوماسية أميركية "قصة" البيان الشهير للسفارة بعد لقاء السفير جيفري فيلتمان مع رئيس الجمهورية إميل لحود الأسبوع الماضي، فتصفه بأنه بيان "غير عادي". وتقول المصادر انها "لم تكن تريد أن يتكرر ما حصل في أيلول الماضي بعد زيارة مساعد نائب وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد".
ماذا حصل في أيلول الماضي؟، تجيب المصادر "تحدث بيرنز آنذاك عن الخلاف الأميركي مع سوريا في ملفات لبنان والعراق وفلسطين وجدد عرض المطالب الأميركية من سوريا، لكن ما إن غادر العاصمة السورية حتى ظهر إما ان الرسالة لم تصل إلى القيادة السورية كما يجب، وإما ان الجانب السوري تعمد توزيع معلومات خاطئة عن المحادثات".
لكن هذه المرة بعد زيارة نائب وزير الخارجية ريتشارد أرميتاج ومحادثاته مع الأسد ووزير خارجيته فاروق الشرع "كان تقدير بأن الرسالة وصلت بصورة أكثر وضوحاً، لكن تكرّر توزيع معلومات غير دقيقة فطلب فيلتمان لقاء لحود وأبلغه بما حمله أرميتاج من مواقف إلى دمشق لا حاجة إلى تكرارها وقد باتت معروفة". وتضيف انه "لم يكن ثمة مفرّ من إصدار البيان لتوضيح الأمور علناً". وتوضح بالقول "طبعاً كانت المسألة العراقية على رأس أجندة البحث في دمشق لكن ذلك لا يعني ان الموضوع اللبناني لم يأخذ حيزاً كافياً من البحث".
قانون الانتخاب: صنع في لبنان ومتساوٍ
تعتبر الديبلوماسية الأميركية اذاً ان "الرسالة وصلت واضحة"، وتؤكد انها ستراقب التطورات المقبلة، وترى أن الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة ستشكل الاختبار الرئيسي لمدى استيعاب دمشق هذه "الرسالة". وفي هذا الإطار توضح المصادر الديبلوماسية الأميركية النقاط الرئيسية الآتية:
أولاً ـ لن تتخذ واشنطن موقفاً من أمور تفصيلية في قانون الانتخاب اللبناني، وهي لن تحدّد موقفها بناءً على القضاء أو المحافظة أو الدائرة الوسطى، بل ستنظر بالدرجة الأولى إلى مبدأ المساواة بين المناطق في هذا القانون.
ثانياً ـ ترى واشنطن ان المعيار الآخر الذي ستنظر من خلاله هو هل هذا القانون "صنع في لبنان" وبأوسع توافق لبناني، أو هو صنع في دمشق وعنجر، وتعتبر انه ليس صعباً اكتشاف "بلد المنشأ".
الرقابة الدولية
ثالثاً ـ وإذ تعتبر الولايات المتحدة أن لا وجود ضمن القرار 1559 لآلية مراقبة دولية للانتخابات، وأن أحداً لا يمكنه إجبار الحكومة اللبنانية على طلب الرقابة الدولية، تلفت في المقابل إلى ان "الانتخابات الحرة والنزيهة التي تتطلع إلى حصولها في لبنان هي تلك التي تتم من ضمن روحية القرار 1559"، وتشير إلى ان الحكومة إذا كانت شفافة بالفعل فمن مصلحتها طلب مجيء مراقبين دوليين.
رابعاً ـ تؤكد واشنطن ان للبنان "مصلحة في حصول انتخابات نزيهة وشفافة وحرة"، ذلك ان "جعل النتائج عرضة للتشكيك ينال من صدقية المجلس النيابي المقبل والمؤسسات الدستورية المنبثقة منه". وفي إشارة ذات دلالة الى مرحلة ما بعد الانتخابات، تقول المصادر ان "ما حصل في أوكرانيا كان بنتيجة انتخابات لا صدقية لها، أي ان الرقابة الدولية تلت انتخابات مطعون في نزاهتها وبطلب من مجلس التعاون الأوروبي". وتضيف ان الرقابة يمكن أن تحصل على أي حال بوسائط متعددة.
الانتشار إلى البقاع ليس انسحاباً
وفي وقت تشدّد المصادر الديبلوماسية الأميركية على ان الانتخابات تشكل الاختبار لمدى استيعاب دمشق "الرسالة" الأميركية، تلفت إلى ان ثمة كلاماً كثيراً يبلغ مسامعها عن انسحابات سورية في الربيع، لكنها تسارع إلى القول أن "لا وقائع كافية لتقدير التوجهات السورية، ولا توجد إشارات تحمل على الاعتقاد ان سوريا ستنسحب من لبنان قبل الانتخابات". وقبل أن يتم استيضاحها أكثر تبادر المصادر نفسها إلى تأكيد ان "إعادة الانتشار داخل لبنان أي نحو البقاع، لن تنظر واشنطن إليها ايجاباً لأن المطلوب الانسحاب العسكري ـ الأمني الشامل وفقاً لما ينص عليه القرار 1559".
المعلّم وفرنسا
وفي ردّ فعل أوليّ على تعيين دمشق السفير وليد المعلم نائباً لوزير الخارجية السوري وتكليفه مهمة العلاقة مع لبنان، تشير المصادر الأميركية إلى انه "من المبكر تقويم هذه الخطوة لكن إذا تبين ان المعلّم سيكون النسخة المدنية من التدخل السوري فإن ما يسمّى التغيير يكون سطحياً".
وتعرب عن ارتياحها إلى "التعاون الأميركي ـ الفرنسي والتوافق بين عاصمتي القرار 1559" وتنوّه بـ"التحرك النشط للسفير الفرنسي الجديد بحيث بات السفيران يتناوبان على مهمة التذكير بتطبيق القرار الدولي". بيد ان المصادر تلفت إلى "بعض الاختلافات ولا سيما لجهة التعامل مع حزب الله، إذ بينما تعتبر واشنطن حزب الله إرهابياً لا تضعه باريس في هذه الخانة"، لكن "المهم هو ان ثمة توافقاً على بنود القرار 1559".
"اليونيفيل"
وتختم المصادر الديبلوماسية الأميركية جولتها حول الأوضاع بالحديث عن الوضع في جنوب لبنان. وإذ تؤكد ان "اليونيفيل تلعب دوراً مهماً في الجنوب"، تلفت في المقابل إلى ان "النقاش في التجديد لليونيفيل نهاية الشهر الجاري سينظر في جميع الخيارات". وتوضح ان "التجديد سيناقش من ضمن إطار محدد"، مضيفة ان "هذا الإطار المحدد هو القرار 1559 وروحيته"، وأن "على لبنان أن يتولى مهمة مراقبة حدوده وأن يرسل جيشه إلى الجنوب لهذه الغاية".
هذه الجولة للمصادر الديبلوماسية الأميركية، كانت موضع تداول على نطاق محدود من قبل أوساط سياسية معنية، سجلت في صددها الملاحظات والاستنتاجات الآتية:
سوريّا و "الخيار الأميركي"
1 ـ في وقت تشيد الديبلوماسيّة الأميركيّة بـ"التعاون" مع فرنسا بالتزامن مع انتقادات ضمنيّة لسياستها في المنطقة ومن "حزب الله" على سبيل المثال، ينقل زوار دمشق عن القيادة السوريّة انّ الخيار السوري دولياً لا يزال اميركا، بمعنى الاستعداد للحوار مع واشنطن والتفاهم معها عبر محاولة تقديم التعاون في المسألة العراقية مدخلاً إلى الحدّ من أزمة العلاقات السوريّة ـ الاميركية، فيما لا يسجّل سعي جوهريّ إلى التفاهم مع فرنسا.
تسوية لبنانية ـ سوريّة: مفاوضات الوضع النهائي
2 ـ انّ الكلام الاميركيّ عن المسؤول السوريّ وليد المعلم، والمشكك في أن يكون "نسخة مدنيّة" للتدخّل السوريّ في لبنان، يجب ان يكون حافزاً لدمشق إلى تفويضه بحوار مع كلّ الأطراف اللبنانيين بهدف التوصل إلى تسوية سوريّة ـ لبنانيّة "تامة" و "ناجزة"، بمعنى عدم الذهاب إلى تسويات "جزئية" أو في مجالات محدودة فقط. ذلك انّ المصلحة اللبنانية ـ السوريّة المشتركة تقضي في رأي الأوساط المعنيّة، بأن يتم الانتقال إلى "تسوية الوضع النهائي" دفعة واحدة "بحيث يجتازان معا المرحلة الانتقالية بـ"أمان""، أي ان يتولى المعلّم بإشراف من القيادة السوريّة "مفاوضات الوضع النهائي" التي تنتج تسوية تساهم في تشكيل المناخ السياسيّ قبل الانتخابات، ويتمّ تكريسها بعد الانتخابات بواسطة حكومة وفاق وطني حقيقي في البلاد.
3 ـ انّ الكلام الاميركي والفرنسي المتناسق حول المسار الانتخابي اللبناني، يجعل من الضروري جدا تجنيب لبنان محطة انتخابيّة قاسية، وهذا لا يستقيم مع "تأخير التغيير" الموعود سوريّا باتجاه لبنان أو البطء فيه، كما لا يستقيم مع استمرار ممارسات "السلطة" الغائبة عن الوعي، بما في ذلك ممارسات متوقعة لإفشال مهمة وليد المعلّم حتى في حدودها الاولية فكيف اذا كانت أكثر من مجرد خطوة استيعابيّة إن هي كانت كذلك بالفعل، كما تقول الأوساط المعنيّة ختاماً؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00