أثار قرار القيادة السوريّة ترقية السفير وليد المعلّم إلى منصب نائب لوزير الخارجية وايفاده الى بيروت لمناقشة توجهات سياسية سوريّة جديدة حيال لبنان، نقاشاً واسعاً في الأوساط المعارضة خلال الساعات الماضية، تركّز حول طبيعة هذه الخطوة وأبعادها واحتمالاتها بالنسبة الى المرحلة المقبلة.
وفي هذا المجال سجّل عدد من الأوساط المعارضة الملاحظات "الانطباعيّة" الآتية:
أولاً: ـ ليست المرة الأولى التي يكلف فيها مسؤول مدني سوريّ بمهمة تتصل بما يسمى في دمشق "الملف اللبناني"، اذ سبق في مراحل سابقة ان توكّل نائب الرئيس السوريّ عبد الحليم خدام بهذا "الملف" كما سبق لوزير الخارجيّة فاروق الشرع ان كلفّ بجانب منه، وآخر تكليف له تمثل بالزيارة "الشهيرة" التي قام بها الى بعبدا قبل أيّام من التمديد حيث ابلغ الرئيس اميل لحود "قرار" التمديد.
مهمة المعلم في سياق محدد
ثانياً ـ غير انّ ما يعطي قرار ايفاد المعلم بمهمة إلى لبنان معنى خاصاً هذه المرة، هو انه يبدو مستندا إلى المعطيات الأربعة الرئيسيّة الآتية:
1 ـ إنّه يأتي في ظلّ إعادة هيكلة لوزارة الخارجيّة السوريّة من جهة وسط معلومات تفيد انّ الوزير الشرع ليس في وضع يمكنّه من حمل توجّهات جديدة وهو الذي كانت له مواقف في المسألة اللبنانيّة شكّلت سبباً في اشكاليّات عدّة من جهة ثانية.
2 ـ انّه يأتي في وقت انسدت معظم قنوات الحوار بين القيادة الأمنيّة السوريّة والقوى والشخصيّات والتيارات السياسيّة في البلاد، في ضوء الاعتراضات المسجلة من معظم المجتمع السياسي على وضع العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة في عهدة القيادة الامنية.
3 ـ ويأتي تكليف المعلم بمهمة في لبنان، بعد فترة طويلة من حصر العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة في الدائرة الأمنيّة، ليعيد الاعتبار بشكل او بآخر إلى الطابع السياسيّ الأشمل لهذه العلاقات ولـ "يرفعها" من جديد إلى المرتبة السياسيّة.
4 ـ وما يدفع الأوساط نفسها الى الاعتقاد انّ تكليف نائب وزير الخارجيّة السوريّ بمهمة في لبنان ينطوي على ايجابيّة، ان في برنامجه بعد اداء اليمين امام الرئيس بشار الاسد، عقد لقاءات مع الاطراف المعارضة والمعترضة في البلاد، وان ثمّة من يعتبر انّ هذا التكليف جاء بعد رسالتي الرئيسين حسين الحسيني وسليم الحصّ الى سوريّا، الأمر الذي اذا تأكّد يعطي العلاقات بعداً اوسع من بعدها "الرسمي"، لا سيما في مثل الظروف التي يجتازها لبنان الان والمرحلة الانتقالية التي يشهدها. لهذه الاعتبارات جميعا، تعتبر الاوساط المعارضة انّ تكليف المعلّم بمهمة في لبنان يمثل "اشارة" ايجابيّة أوليّة. بيد انّ المعارضة تضع هذه الخطوة السوريّة في اطار احتمالين رئيسيين: الاحتمال "الاستيعابي" من ناحية والاحتمال "التسووي" الجدّي من ناحية أخرى.
الاحتمال الاستيعابي" وحيثياته
أ ـ ترى المعارضة انّ الاحتمال "الاستيعابي" يرِد لعدة أسباب منها انّ ميزان القوى الداخلي اللبنانيّ يميل اكثر فأكثر بعد التمديد الذي اطلق ديناميّة معارضة واعتراض واسعة، باتجاه المعارضة، ومنها انّ التوازن الخارجي ليس في صالح "السلطة" ومركز قرارها وموالاتها، ومنها انّ لبنان امام محطة انتخابات مفصلية "قد" تغير جذرياً في المشهد السياسي اللبناني. ولهذه الاسباب وغيرها، قد تكون خطوة تكليف المعلم تحت عنوان طرح توجهات سورية جديدة، "استيعابية" لامتصاص الاعتراض وبمثابة "خطوة الى الوراء من اجل خطوتين الى الامام" كما تقول الاوساط المعارضة التي تعتبر ان ثمة ما يعزز هذا "الاحتمال الاستيعابي" يتعلق بواقع انّ سوريا لم تعط حتى الان الاشارات التي تفيد بتعاط مختلف حيال المرحلة الاقليمية ـ الدولية الجديدة، وانها (سوريا) توحي بـ "تصلب" في تعاملها مع "المطالب" الاميركية والفرنسية والدولية، وانها لا تزال في دائرة "اللعب" على الوقت. وهذا ما توحي به على سبيل المثال لا الحصر العمليّة الأخيرة للمقاومة في مزارع شبعا منظوراً اليها في جانبها الاقليميّ الرئيسيّ.
ب ـ واذ تتوقف الاوساط نفسها امام "الاحتمال الاستيعابي" ولا تستبعده، لا تستبعد مع ذلك ان يكون الاداء السوريّ مركباً، بمعنى التصلب" تجاه الخارج الدولي في موازاة "المرونة" مع الداخل اللبناني. لكن الاوساط تلفت في هذا المجال الى امرين: الاول هو انّ السياسة السورية كانت حتى الان تربط "التصلب" تجاه الخارج بـ "التصلب" تجاه الداخل، وانها إن هي مالت نحو "المرونة" فباتجاه الخارج وليس العكس، اما الامر الثاني فهو ان ثمة تناقضاً تراه المعارضة بين "الترييح" الافتراضيّ للداخل وبين الذهاب الى مواجهات مع الخارج ذات كلفة أكيدة على الداخل.
الاحتمال "التسووي" واعتباراته الممكنة
ج ـ أما الاحتمال التسووي" فيرِد أيضاً لعدة أسباب منها: بداية تلمس سوريّا لواقع انّ التوجهات السياسيّة السابقة أدّت إلى نتائج بالغة السلبيّة ومنها خسارتها لما يقارب نصف الاجتماع السياسيّ اللبناني ومن ضمنه حلفاء لها، أو بداية تلمس سوريّا لواقع انّ الضغوط الدوليّة إلى تصاعد ولا بديل الاّ تسوية لبنانيّة ـ سوريّة تؤدي الى اعادة الاعتبار لـ "الداخل اللبناني" من جهة وللطابع السياسي للعلاقات اللبنانية ـ السوريّة، وهذا لو حصل بالفعل، يستدعي تغييرات في لبنان تسبق الانتخابات النيابية لا سيما على المستوى الحكومي.
المعارضة: انفتاح وانتباه
اذاً، وفي انتظار ان تتضح مضامين مهمة وليد المعلم في لبنان، تضع الاوساط المعارضة هذه المهمة في منزلة بين منزلتي "الاستيعاب" و"التسوية" وتعلن انها غير قادرة على ترجيح احداهما على الاخرى. وتؤكد انّ السياق الذي تتم هذه الخطوة من ضمنه يجعلها تتعاطى معها بـ "انفتاح" لكن بـ "انتباه" شديد ايضا. وتعتبر انّ "التسوية" كي تكون حقيقيّة لا بدّ ان تتضمن انسحاباً سوريّاً عسكرياً وأمنياً، وهو امر يجري الحديث كثيراً عنه في الآونة الاخيرة، وهذا مغزى تشديد المعلّم امس على السلبيّة تجاه الـ 1559 في مقابل اتفاق الطائف، ما يعني ان دمشق تريد للانسحاب ان يتم وفقاً للطائف وليس تنفيذاً للقرار الدولي. كما لا بدّ ان تتضمن التسوية محو الاثار "الاخيرة" لسياسة المرحلة السابقة وارساء العلاقات اللبنانية ـ السورية من دولة الى دولة، وتأكيد الطابع الديموقراطي للنظام اللبناني ما يقتضي الشروع في تفكيك "النظام الامني". وتبدو المعارضة متشجعة من "رمزية" اختيار موفد سوريّ إلى لبنان من وزارة الخارجيّة السوريّة، لتطرح بشكل أكثر وضوحاً في ذي قبل اقامة تمثيل ديبلوماسي بين لبنان وسوريّا تأكيداً للعلاقة من دولة الى دولة.
ولا تخفي المعارضة في هذا المجال انها تأمل في ان تكون مهمة المعلم في سياق الاحتمال "التسووي" لأن من شأن ذلك ان يجعل العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة في مرحلة إعادة تأسيس، وان يتيح فرصة تاريخية لتصحيح العلاقات وأدائها من الجانبين، لكن من الجانب السوريّ أساساً. وترى المعارضة انّ وجود توجّهات سياسيّة سوريّة جديدة حيال لبنان، اذا وجدت بالفعل من جهة، ووجود نيّة حوار جدي بشأنها من جهة ثانية، يسمحان بتوافر فرصة سانحة لانتقال لبنان من مرحلة الى أخرى بـ "سلاسة"، فتشكل الانتخابات عندئذ محطة في هذا الانتقال "السلس". وتلفت الاوساط المعارضة إلى انها لا تطرح تسليم المعارضة زمام الامور، بل هي تطرح تمكين اللبنانيين من استعادة زمام بلدهم ونظامه الديموقراطي.
الانتخابات
على انّ ما تشدّد المعارضة عليه اكثر من سواه، هو انّ الاستحقاق الانتخابيّ المقبل يدخل في مسار جديد. فاذا كانت مهمة وليد المعلم أبعد من "الاستيعاب"، فان المسار الانتخابي يكون "أصابه" تعديل جذري يجعله "أسهل" اي يمكنه ان يكون عندئذ محطة في التسوية اللبنانية ـ السوريّة التي تتعهدها حكومة وفاق وطني حقيقية تنبثق في الانتخابات، ومحطة في اعادة تكوين السلطات اللبنانية ديموقراطياً.. أما اذا بقيت الامور على حالها "جوهرياً"، فان الانتخابات مرشحة لأن تبقى على مسارها الحالي، الصراعي الحاد. وأيام، وربما ساعات قليلة فقط، ستسمح بـ "اكتشاف" طبائع الامور على اعتبار انّ المعلم لم يفصح أمس عن الجانب الأساسي من مهمّته، علماً ان "الاحتمال الاستيعابي" سيكون عاملاً من عوامل اتجاه الامور الى التعقيد والسلبيّة كما لا تتمنى الأوساط المعارضة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.