8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ومغازي كلّ حركة تخطوها دمشق بين الخارج الدوليّ والداخل اللبناني معركة المناخ السياسيّ للانتخابات تسبق معركة الانتخابات وتحدّد آفاقها

بالعودة الى الاشارات المتناقضة الصادرة عن دمشق في الآونة الأخيرة، تبدي الأوساط السياسية اللبنانية حذراً شديداً من ترجيح احتمال على آخر بالنسبة إلى التطورات المقبلة في لبنان. وفي هذا السياق تخوض الأوساط في "الكلمات المتقاطعة" السوريّة مسجلة الجانب المتناقض ظاهريا منها من ناحية ومقلّبة الامور على وجوهها المختلفة من ناحية ثانية.
أوّلاً ـ بعد زيارة نائب وزير الخارجيّة الاميركي ريتشارد ارميتاج إلى سوريا، عبرت العاصمة السورية على طريقتها عما دار في المباحثات، نافية ان يكون جرى التطرق الى القرار 1559 إلا عرضاً، فكان ان كلف السفير الاميركي في بيروت جيفري فيلتمان بكشف ما جرى خلال المحادثات السورية ـ الاميركية فأصدر بيانه "الشهير" بعد لقائه رئيس الجمهورية اميل لحود قبل ايام، وفيه ان ارميتاج شدد على "التطبيق الكامل" للقرارالدوليّ وانه ابلغ الى القيادة السورية ان واشنطن وشركاءها "سيراقبون الانتخابات اللبنانية عن قرب".
هذه الاشارة الأولى تفيد انّ التأزم في العلاقة السورية ـ الاميركية قائم فعلاً ويشتد، وان دمشق "تواجه" اميركا وترفض تقديم تنازلات، لا سيما في فترة يتصاعد التأزم السوري ـ الأميركي انطلاقا من المسألة العراقية.
اشارات سورية الى الداخل اللبناني
ثانياً ـ في المقابل وفي ما يتناقض مع الاشارة الأولى، برزت اشارات اخرى تفيد بالعكس، وتجلت في ما يأتي:
أ ـ عشية زيارة ارميتاج الى دمشق، عُممت معلومة مفادها انّ سوريا مقبلة على عملية اعادة انتشار واسعة نحو البقاع بين منتصف كانون الثاني الجاري ونهايته، لا بل أُبلغت هذه المعلومة الى مراجع لبنانية كثيرة من بينها البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير.
ب ـ كلام سوري علني في بعض الاعلام وآخر منقول عن مرجعيات سورية، بشأن خطة سورية جديدة في لبنان مبنية على تقويم للمرحلة السابقة وعلى اعادة نظر جذرية في الادارة السورية للوضع اللبناني ووسائطه.
ج ـ رسائل واتصالات مباشرة من قبل السوريين باتجاه رئيس "اللقاء الديموقراطي" والركن الابرز في المعارضة وليد جنبلاط، وباتجاه الرئيس رفيق الحريري، بهدف استئناف العلاقة بهما وبأفق فتح حوار بينهما وبين القيادة السورية.
د ـ رسالتا الرئيسين حسين الحسيني وسليم الحص، اللتان قرأهما الوسط السياسيّ على انهما "منسّقتان" مع دمشق، وان كانت رسالة الحسيني تدعو الرئيس بشار الاسد الى "التدخل" لإقرار قانون انتخاب عادل، فيما تدعو رسالة الحص الى اعادة انتشار وعدم تدخل سوري.
مروحة الاحتمالات: تنازلات للخارج أو للداخل أو "مناورات"؟
ثالثاً ـ حيال هذه الإشارات المتناقضة، تعرب الأوساط السياسية اللبنانية عن اعتقادها ان ثمة مروحة واسعة من الاحتمالات بالنسبة الى الأداء السوري في المرحلة المقبلة:
1 ـ الاحتمال الأول هو أن تكون دمشق أدركت "أخيراً" ان الضغوط الأميركية الى تصاعد وان الموقف الأميركي سائر الى تشدّد مفتوح على احتمالات شتى، وان الموقف الفرنسي يزداد تصلباً إزاء الانسحاب السوري من لبنان، وانها (أي دمشق) تمهد لتنازلات في إطار تنفيذ القرار 1559 ولو لم تقدّم هذه التنازلات في حينها على أساس تنفيذ الـ1559، خصوصاً ان النصف الثاني من الشهر الجاري سيشهد مزيداً من الخطوات الدولية لفرض تطبيق هذا القرار.
2 ـ الاحتمال الثاني هو أن تكون دمشق تحت وطأة الضغوط، اختارت أن تقدم التنازلات الاضطرارية لـ"الداخل" اللبناني بعد أن أيقنت ان أفق صفقة مع الولايات المتحدة مسدود في ضوء ما أكده ارميتاج في محادثاته مع القيادة السورية.
3 ـ الاحتمال الثالث، هو أن تكون دمشق، حتى لو كانت في صدد تقديم التنازلات الاضطرارية، عاكفة على تحديدها أي الحد منها، وذلك بتنفيذ قسم رئيسي منها في مقابل محاولة استيعاب المشهد السياسي الداخلي بحيث لا يميل الى تغيير "كبير" في المعادلات الداخلية، الأمر الذي يقود الى محاولة التقرب من معارضين ومعترضين بهدف الحد من حركتهم واندفاعهم، وجعلهم يقبلون على الانتخابات في مناخ "رمادي". وثمة من يقول هنا ان الدراسات التي أجرتها "السلطة" بشأن قانون الانتخاب أظهرت ان كل التقسيمات الانتخابية التي يمكن أن يتصورها خيال، لا تؤدي الى فوز الموالاة بأكثرية المجلس ولا الى تحجيم المعارضة التي تبدو قوتها واضحة، خاصة إذا جرت الانتخابات بحرية وفي ظل مرجعية إشراف حيادية، وان ذلك كله ما يجعل "التودد" الى معارضين ومعترضين مندرجاً في إطار تحديد حركتهم.
المعارضة لا تقفل الباب أمام تسوية حقيقية
وهنا، تقول الأوساط المتابعة ان الاحتمالات الثلاثةالآنفة هي الأبرز، وتضيف انه إذا كان من الصعب ترجيح أحدها، فإن ثمة ثابتين رئيسيين، أولهما ان ثمة متغيراً خارجياً حول لبنان يتعلق بالتعاطي السوري مع المجتمع الدولي وتوازناته القائمة، وثانيهما ان المشهد السياسي اللبناني الداخلي يتغير لصالح المعارضة المتنامية. بيد ان الأوساط نفسها تسارع الى القول ان الاجتماع السياسي اللبناني، المعارض والمعترض منه بشكل خاص، يفضل أن يكون الاحتمال الثاني هو الراجح، أي أن تكون دمشق في وارد التعاطي مع الداخل اللبناني لتقدم التنازلات الاضطرارية اليه من جهة وتقيم معه تسوية لبنانية ـ سورية أساسها اتفاق الطائف من جهة اخرى.
وفي تقدير الأوساط ان المعارضة لن تقفل الباب في وجه هذا الاحتمال لا بل هو مطلبها لانها من الأساس لم تقفل أبواب التسوية. وتضيف ان رجحان كفة هذا الاحتمال إذا حصل، وهذا ما سوف تبرزه الأيام المقبلة، يجنب البلاد مزيداً من الحدة في الصراع السياسي، ويجنب الانتخابات "قساوة" لا مبرر لتكريسها. وبعض هذه الأوساط يعود بالذاكرة الى الكلمة التي ألقاها النائب باسم السبع في "لقاء البريستول" ودعا فيها الى "كسر حلقة التصادم بين سوريا والمعارضة". ويقول هذا البعض ان الكلمة بدت آنذاك "عزفاً منفرداً" خارج سرب المعارضة، لكن في العمق كانت الكلمة تذكيراً للمعارضة بأنها معنية "ذات يوم" بالتسوية مع سوريا خاصة إذا أقبلت سوريا باتجاهها، وبأنها لا يمكن أن تترجم مطالبها من طرف واحد. ولعل هذا ما أعاد السبع التأكيد عليه أمس بدعوته القيادة السورية "الى مبادرة تاريخية" جديدة حول المسألة اللبنانية
..ولا تلغي استنفارها
وفي معرض استذكار النائب السبع وكلمته، تؤكد الأوساط نفسها انه إذا انفتح أفق التسوية لن يحصل تردد من قبل المعارضة بالتأكيد، لكن المعارضة لا يمكنها الأخذ بـ"اشارات اولية" فقط، ولا تستطيع ان تعتمد هذه الاشارات الاولية لتغيير برنامجها والتعديل في "استنفارها"، لأن المعارضة ستبقى على خشيتها من وجود "افخاخ معينة" كما تقول الاوساط، وستبقى متمسكة بوحدتها.
الوضع يتحرك
وفي ضوء ما تقدم، تعتبر الاوساط المتابعة انه ايا يكن الاحتمال الذي تدفع باتجاهه "شبكة الكلمات المتقاطعة" السورية، فان الاستنتاج الرئيسي هو انّ الوضع "يتحرك". وبهذا المعنى، يكون الوضع السياسي اللبناني قد دخل معركة "مناخ الانتخابات" قبل ان يدخل في الانتخابات نفسها، وهذا "المناخ" سيتقرر في الاسابيع القليلة المقبلة. فاذا كانت الانتخابات ستجري بعد اعادة انتشار سوري تكون "شيئاً"، واذا جرت بدون اعادة انتشار شيء ثان، واذا كانت اعادة الانتشار عسكرية ـ امنية شيء ثالث، واعادة انتشار عسكري شيء رابع، واذا كانت الانتخابات ممهّدة بتسوية سورية ـ لبنانية شيء خامس واذا كانت الاشارات "مناورات" شيء سادس الخ..
المهم ان الاسابيع القليلة المقبلة هي فترة الصراع المحتدم على "المناخ السياسي" للانتخابات، وستخوضه المعارضة لتحقق مرجعية اشراف محايدة وانتخابات حرة قبل الوصول الى الانتخابات نفسها. وتختم الاوساط المتابعة بالتشديد على ضرورة متابعة "الوضع المتحرك" لأن ما سيرسو عليه سيحدد طبيعة هذا "المناخ" لفترة الشهور المقبلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00