أقفل العام المنصرم على رسالة مفتوحة وجّهها الرئيس سليم الحصّ الى من سمّاهم "قادة الرأي في لبنان وسوريا" يطالب فيها بإعادة انتشار القوات السورية نحو البقاع سريعاً وبكفّ تدخّل أجهزة المخابرات السورية في الشأن الداخلي اللبناني، ورسالة أخرى وجّهها الرئيس حسين الحسيني الى الرئيس بشار الأسد يناشده فيها التدخّل لتحقيق اتفاق لبناني بشأن قانون الانتخاب. وعلى هاتين الرسالتين، أجابت مصادر سورية موثوقة عبر "الوكالة الوطنية للإعلام" معلنة ترحيب القيادة السورية بالرسالتين.
بين موقع الحصّ وموقع الحسيني
حيال الرسالتين والجواب السوري شبه الرسمي، سجّلت أوساط سياسية محايدة الملاحظات الآتية:
أولاً ـ إذا كان سبق للرئيس الحصّ أن أبدى انتقادات متفرّقة للأداء السوري في لبنان وقارب في مناسبات عدة مسألة التدخّل السوري في وجهه الأمني، وتناول هذا الأمر في الكتاب الذي أصدره بعد خروجه من الحكم في العام 2000، فإن الرئيس الحصّ في المقابل لم يخض خلال المرحلة السابقة بمجملها في شأن العلاقات اللبنانية ـ السورية من بوّاباتها ومداخلها المختلفة، في الوقت الذي اقتصر انتقاده على جوانب جزئية. وعليه فإن رسالته المفتوحة في اليوم قبل الأخير من السنة المنصرمة، تشكّل إطلالته الأولى من نوعها على ملفّ العلاقات اللبنانية ـ السورية من الباب العريض، حيث دعا الى الانسحاب السوري نحو البقاع محدّداً لهذه الخطوة مرجعية الطائف، وطالب باتفاق ثنائي لبناني ـ سوري يحدّد علاقة القوات السورية المتبقيّة مع السلطات اللبنانية ويعيّن الفترة التي ستبقى خلالها هذه القوات موجودة على الأرض اللبنانية، ودعا الى كفّ تدخّل الأجهزة الأمنية السورية.
ثانياً ـ ومع أن الحصّ يخرج للمرة الأولى الى العلن بمطالب محدّدة إزاء الوجود السوري في لبنان والعلاقات اللبنانية ـ السورية، فإنه مهّد لمواقفه هذه بـ"مسافة" أخذها لنفسه في الشهور القليلة الماضية بعد التمديد، من الصراع السياسي الداخلي، حيث كانت له في الأسابيع الأخيرة تعليقات لافتة حول الحملة التي شُنّت على رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، ودعوات الى "تفهّم" ما يطرحه الزعيم الاشتراكي.
ثالثاً ـ في المقابل، استنكف الرئيس الحسيني طيلة المرحلة السابقة عن الخوض في مسألتي الوجود السوري في لبنان والعلاقات اللبنانية ـ السورية، ليطلّ "فجأة" من مدخل مناشدة الرئيس الأسد التدخّل لتمكين اللبنانيين من إقرار قانون للانتخاب، مع العلم أن الحسيني بخلاف الحصّ لم يبدِ أي نسبة من الانفتاح على المعارضة ولم يشأ أن يعلَق باسمه وصف الحيادية ولو النسبية.
الاحتمال الأول: استدراك العلاقة بالمعارضة
من هذه المنطلقات في النظر الى موقعي صاحبي الرسالة والمناشدة من التطورات اللبنانية كما تجلّت خلال الشهور القليلة الماضية، تعتبر الأوساط السياسية المحايدة أن صدور رسالة الحصّ ومناشدة الحسيني في التوقيت الذي صدرا فيه، لافت في حدّ ذاته، ومعبّر عن عدد من الاحتمالات السياسية.
1 ـ الاحتمال الأول، هو أن يكون الرئيسان الحصّ والحسيني قد أدركا في الفترة الأخيرة أن الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده البلاد بين "السلطة" من جهة والمعارضة من جهة ثانية، أطاح في الطريق مقوّمات وجود ما يسمى عادة "القوة الثالثة"، وأيقنا أن المناخ السياسي العام يتجه نحو المعارضة، فأعطيا كل على طريقته الإشارة المناسبة. وبهذا المعنى، يغدو النظر الى الرسالة والمناشدة بصفتهما مؤشراً الى تغيّر في موازين القوى الداخلية.
الاحتمال الثاني: فريق الإخراج
2 ـ الاحتمال الثاني، وهو بالتأكيد ليس منفصلاً عن الأول، هو أن يكون الحصّ والحسيني انطلاقا من إدراكهما للمتغيّرات الحاصلة والمتوقعة، في صدد تقديم "المخرج" سواء لدمشق أو لـ"السلطة" في لبنان، في ظل توقع تنامي توازن القوى الداخلي في مصلحة المعارضة من ناحية وتوقع تنامي الضغوط الدولية منذ الشهر الأول للسنة الجديدة من ناحية أخرى. وبكلام آخر، لا تستبعد الأوساط أن يكون في ذهن رئيسي الحكومة والمجلس السابقين، أن يشكّلا "الفريق" الذي يطرح على نفسه مهمة طرح "المخرج" من الوضع القائم، بحيث تأتي "التنازلات" الممكنة لاحقاً في مسألتي الوجود السوري وقانون الانتخاب، في صيغة استجابة لمطالبة "فريق حكيم"، فلا تكون هذه "التنازلات" مقدّمة لا للمعارضة داخلياً ولا للقوى الدولية خارجياً، وثمة في التاريخ اللبناني خلال العقود الثلاثة الماضية مناشدات غيّرت مجرى الأحداث.
وتضيف الأوساط الى جانب ملاحظتها أن رسالة الحصّ ومناشدة الحسيني تطلقان في الظاهر إشارتين متناقضتين، بين مطالبة الأول بانسحاب سوري ودعوة الثاني الى تدخّل سوري، ان ما يحمل على الظن أن الرجلين قد يكونان في صدد اقتراح "المخرج"، أنهما أصدرا الرسالة والمناشدة بالتزامن في يوم واحد "صدفة"، وان "المصادر الموثوقة" نقلت ترحيباً سورياً معبّراً بهما، وأن معلومات أعقبتهما تحدّثت عن قرب تنفيذ دمشق لعملية إعادة انتشار واسعة نحو البقاع، وقد حدّدت المعلومات منتصف كانون الثاني الجاري موعداً لذلك. ومن هنا، تلفت الأوساط الى أنها لا تستبعد أن يكون تزامن الرسالة والمناشدة معاً ومع المعلومات المشار إليها، منسَّقاً بين الحصّ والحسيني من جهة أولى وبينهما وبين دمشق من جهة ثانية.
3 ـ ومع أن الأوساط الآنفة تبدو من سياق كلامها مرجّحة للاحتمال الثاني أي "المخرج المنسّق"، فإنها لا تستبعد ـ منطقياً ـ احتمال أن يكون طرح الحصّ والحسيني منفصلاً عن أي سياق إقليمي، فيكون تالياً من نتاج تنامي صفوف الاعتراض اللبناني على الوضع القائم حالياً ومن نتاج تنامي التفكك الذي تشهده صفوف "السلطة" وموالاتها.
هل تأخذ "السلطة" بالمخرج المطروح؟
ففي الحالة الأولى، أي أن يكون الطرح منسقاً ليقدّم المخرج، ترى الأوساط نفسها أن هذا المخرج يمكن أن يقوم عندئذ على تنفيذ عملية إعادة انتشار واسعة وسريعة (كما يدعو الحصّ) في مقابل التعويض بدور في قانون الانتخاب (كما يطلب الحسيني) وإن كان تنفيذ الانتشار نحو البقاع يوثّر في الدور في موضوع قانون الانتخاب. أما في الحالة الثانية، أي أن يكون الطرح "ذاتياً"، فترى الأوساط أنه يقدّم المؤشر الإضافي الى ما يشهده توازن القوى من متغيّرات تصبّ في مصلحة المعارضة.
وتؤكد الأوساط السياسية المحايدة، أنه في الوقت الذي يجب عدم التعاطي مع طرح الحصّ والحسيني بـ"ارتياب" بل بموضوعية، وفيما يؤشر طرح كل منهما الى طبيعة المرحلة، لا شك أن ثمة احتمالاً يبقى قائماً وينبغي عدم إسقاطه نهائياً من الحسبان: أن تستغلّ "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها هذا الطرح ترحيباً به في البداية، لـ"المناورة" و"كسب الوقت"، للانتقال بعد ذلك الى محاولة "الاستشراس". وفي جميع الأحوال، تبدو اليقظة من وجهة نظر الأوساط واجبة، لأن الثابت في كل ما يجري هو التعديل الجدي الذي يشهده التوازن الداخلي.
المعارضة غير بعيدة عن المخرج
بإزاء كل ما تقدّم ومن ضمنه التحليل الآنف للاحتمالات، تبدي أوساط المعارضة من جهتها اقتناعها بعدد من النقاط الرئيسية على النحو الآتي:
أ ـ إذا كان ما اقترحه الرئيس الحصّ في رسالته المفتوحة يمثّل مخرجاً للتنازلات الممكنة باتجاه استعادة البلد الى سياق ديموقراطي طبيعي من ناحية واستعادة العلاقات الصحيحة والصحيّة مع سوريا من ناحية ثانية، فإن المعارضة تعتبر أنها كانت سبّاقة الى تقديم المخرج، في سياق رفضها إغلاق المنافذ أمام "القبض على الأزمة" ومعالجة تداعياتها. وتقول أوساط المعارضة في هذا المجال إن الركن الأبرز في المعارضة الزعيم وليد جنبلاط قدّم في خطابه السياسي في أشد اللحظات توتراً المخرج باقتراحه الانتشار السوري نحو البقاع وفقاً لاتفاق الطائف، وبدعوته الى تفكيك ما يسمّيه دائماً "النظام الأمني ـ الاستخباري"، وعرض للمسافة التي تفصل المعارضة عن القرار 1559. كذلك فإن المعارضة في الوثيقة التي تبنّتها في "لقاء البريستول" لم تدعُ ـ في القاسم المشترك بين أطرافها ـ الى انسحاب سوري فوري من "كلّ لبنان".
ب ـ لذلك، فإن المعارضة ترحّب بدورها بما طرحه الحصّ بصرف النظر عما يحوطه من أسئلة حول التوقيت، وهي في حال شكّل هذا الطرح مقدّمة للتنازلات الممكنة، ستجد نفسها مرحّبة أيضاً بحصولها.
.. وتتمسّك بتغيير الحكومة
ج ـ وستصرّ المعارضة من جانبها على أن تشمل إعادة الانتشار في حال حصولها الجانبين العسكري والأمني (الاستخباري) كي تكون العملية واسعة بالفعل، وستحرص على المطالبة بعد ذلك بـ"جدولة" البقاء العسكري ـ الأمني السوري في منطقة البقاع.
د ـ وتفترض المعارضة أن الحكومة الحالية التي قامت باسم "المواجهة" مع الداخل اللبناني، لا يعود لها أي مبرّر وجود عندما تحصل هذه التطوّرات جميعاً، ولا بدّ عندئذ من قيام حكومة للإشراف على الانتخابات تتمتّع بالقدرة على إدارة المسار الانتخابي، وذلك ما يفترض أن تكون المؤسسات الأمنية تحت سيطرتها بحيث تجري انتخابات نزيهة وديموقراطية فعلاً، تُشكّل بناء على نتائجها حكومة وفاق وطني حقيقية تتولى في جملة مهامها ملفّ مستقبل العلاقات اللبنانية ـ السورية.
هـ ـ وتؤكد المعارضة أنها إذ تتوقع تطوّرات "سريعة" في ظلّ المعطيات المتوافرة، لن تتخلى عن مطالبتها بأن تجري وقائع المرحلة الانتقالية حتى الانتخابات النيابية المقبلة بشكل "سلمي وديموقراطي وشفاف"، وتبدي استعدادها للحوار كمعارضة موحّدة على هذا الأساس.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.