انطلاقاً من اعتبار انّ الانتخابات "مناخ سياسيّ" قبل أن تكون قانوناً ومساراً عملياً، تعرب أوساط سياسيّة عدّة عن اعتقادها انّ الفترة المقبلة الفاصلة عن الانتخابات ستشهد صراعاً محتدماً بين "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها التي ستسعى إلى تأكيد انّ "المناخ السياسيّ" لا يزال كما هو ولم يتغيّر، وبين المعارضة التي ستسعى من ناحيتها إلى البرهنة على انّ هذا "المناخ" تغيّر بالفعل. وبكلام آخر، اذا كان الصراع يدور في الظاهر حول قانون الانتخاب، فانّه في العمق صراع على المناخ العام بين "سلطة" تحاول تأكيد انّ قبضتها وهيبتها مستمرتان ومعارضة تحاول القول انّها حققت اختراقات جديّة لقبضة "السلطة" وهيبتها، أي انّ كلاً منهما بحاجة إلى "انتصار" يحمله إلى الانتخابات.
على خلفيّة مسألة المناخ هذه، تلفت الأوساط السياسيّة المتعدّدة إلى عددٍ من العناوين الرئيسية شرحاً لأبعاد الصراع السياسيّ المتوقّع احتدامه في الفترة القريبة المقبلة.
"السلطة" واستخفافها بالمتغيّرات الداخليّة والدوليّة
أولاً ـ من جانب "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها، ترى الأوساط انّها كانت حتّى الآن أو إلى ما قبل فترة وجيزة تتعامل بقدر من "الاستخفاف" مع المتغيّرات الدوليّة المتمثلة بالقرار 1559 بصورة رئيسيّة، وذلك بـ"التشاطر" على ما يتضمنّه من مطالب أميركيّة وفرنسيّة تبنّاها المجتمع الدوليّ بأعلى هيئة فيه تارةً، وبـ "الرهان" على غرق الولايات المتحدة في "الوحول العراقية"، بما يؤخر انصرافها إلى أمكنة أخرى تارة ثانية، وبـ"المراهنة" على خسارة الرئيس الأميركي جورج بوش وإدارته في الانتخابات الأميركية تارة ثالثة، وبمحاولة كسب الوقت في كلّ الأحيان.
غير انّ كلّ هذه المراهنات اصطدمت وتصطدم بالوقائع التي تفيد انّ القرار 1559 بما يفترضه من ضغوط دوليّة متزايدة سيجري تصعيد السير الدولي فيه، وانّ مجيء مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن في الشهر المقبل إلى بيروت للاشراف على تنفيذه يشكل محطة في هذا التصعيد، فضلاً عمّا يحكى عن عقوبات سيتمّ تطبيقها اعتباراً من كانون الثاني وشباط المقبلين. وهذا ما سوف يجعل "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها في وضع "مضغوط" أكثر من ذي قبل.
ثانياً ـ ومن جانب "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها أيضاً، فانّ الأوساط الآنفة تعتبر انّها تعاملت بقدر من "الاستخفاف" مع المتغيّرات التي شهدها توازن القوى الداخلي، وبصورة خاصّة منذ ما بعد التمديد. والدليل على ذلك انّها كانت إلى ما قبل أيّام قليلة تراهن على عودة الزعيم الاشتراكيّ وليد جنبلاط إلى "الصف" وكانت تظنّ انّه لن يذهب في معارضته إلى النهاية ما يجعل فكّه من المعارضة ممكناً، ومارست حياله الترهيب ومحاولات "الاستيعاب" مداورة. ولم يكن خافياً أيضاً انّ هذه "السلطة" راهنت على "تجميد" فعالية الرئيس رفيق الحريري وطاقته وراهنت على استمرار تحييده عن وليد جنبلاط بدرجة رئيسية، وهي ـ أي "السلطة" ـ مستمرة في محاولاتها، اضافة الى سعيها إلى اختراق المعارضة المسيحيّة.
ثالثاً ـ واذا كانت الأوساط السياسيّة تسجل اقتناعها بأن "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها فشلت في كسب أيّ من رهاناتها داخلياً ـ في لبنان ـ وخارجياً على المستوى الدوليّ والاقليميّ، في وقت يتضح فيه أكثر فأكثر انّ "الشرعيّة الدولية" لا تفتح مجالاً لأي صفقات حول لبنان، فانّها (الأوساط) "تحذر" من استنتاج انّ "السلطة" في وضع كهذا ستسير بسرعة نحو التسليم بالوقائع، بل لعلّها حيال هذه الوقائع قد تندفع نحو "الاستشراس".
المعارضة والانجازات وقراءة توازن القوى
رابعاً ـ أمّا من جانب المعارضة، فالقناعات مختلفة لا بل متناقضة، ذلك انها تنظر إلى القرار 1559 ليس فقط بجديّة أكبر من نظرة "السلطة" اليه، لكنّها مع تفاوت "علاقة" كلّ طرف من أطراف المعارضة به تلتقي على اعتبار انّ هذا القرار ساهم في كسر "الستاتيكو" الذي فرض على لبنان منذ أكثر من عقد من الزمن، وساهم في تشكيل وقائع إقليمية ودوليّة جديدة حول لبنان، وأبرز هذه الوقائع انّ العين الدوليّة باتت مفتوحة أكثر على ما يجري في البلد، وانّ التوازن الخارجي حول لبنان لم يعد هو نفسه كما كان منذ ما بعد الطائف الذي شكّلت التسوية السوريّة ـ الاميركية رافعته آنذاك.
خامساً ـ ومن جانب المعارضة أيضاً، ثمة اقتناع بأنّ توازن القوى الداخليّ شهد تعديلاً ملموساً. ومن عوامل توازن القوى الجديد، اتساع رقعة المعارضة أولا واكتسابها طابعاً لبنانياً متزايداً بالعلاقة بين المعارضة المسيحيّة ووليد جنبلاط ثانياً، وانفتاح المعارضة على الوسط الاسلاميّ في ظل وقوف الرئيس الحريري على مقربة من المعارضة ثالثاً، واستعصاؤها على الاختراق رابعاً، وانعدام أفق أيّ علاقة ممكنة بين أيّ من أطراف المعارضة وأحد مراكز "السلطة" بمركز قرارها كما حصل في مرات سابقة خامساً.
ديناميّة "المواجهة": الانتخابات محطة
وفي ضوء ما تقدّم، تبدي الأوساط السياسيّة المتعددة اعتقادها ان من شأن الوضع بين "سلطة" ترفض التسليم بالمتغيّرات الداخليّة والخارجيّة ومستعدة بناء على ذلك للاندفاع نحو "الاستشراش" من جهة وبين معارضة تحقق الانجازات خطوة خطوة وتقرأ انّ ميزان القوى يميل إلى مصلحتها من جهة أخرى، انّ من شأن هذا الوضع ان يجعل الصراع على "المناخ السياسيّ" الذي يجب ان يتشكل قبل الانتخابات، صراعاً حادا ذا ديناميّة متسارعة. وبكلام أدق، انّ "المواجهة" التي حصلت حتى الان على "رقعة الشطرنج" مرشحة لان تنتقل الى الصعيد السياسيّ المباشر، وقد تندفع "السلطة" الى استخدام الوسائل كافة لكسر تنامي توازن القوى في غير مصلحتها، عند حلقة ممهّدات الانتخابات.
وفي تقدير الأوساط نفسها انّ التوازن السياسيّ اللبناني مع انّه يميل أكثر نحو المعارضة، وبالرغم من انّ المعارضة تمتعت حتّى الان بقدر عال من "الواقعية" فلم تسجّل في خانتها أخطاء تذكر، ان هذا التوازن القائم الان لا يعني انّ المعركة السياسيّة في لبنان حول التغيير، قد حسمت منذ الان، وعلى المعارضة تاليا ان توطّن نفسها على معركة شرسة أحد وجوه شراستها انّ المعارضة ستكون مدعوة الى التصرف على انّ الانتخابات النيابيّة المقبلة ليست سوى محطة ـ ولو رئيسية ـ في معركة التغيير المفتوحة في مقابل "سلطة" ستتصرف بالتأكيد على أساس انّ هذه الانتخابات هي المحطة الحاسمة لأخذ البلد بالضربة القاضية.
واذا كان ما جرى تقديمه آنفاً لا يمثل بطبيعة الحال دعوة الى المعارضة لتخفيف وتيرة حركتها السياسيّة، فانه في المقابل دعوة الى "وعي" انّ "الصراع على المناخ السياسي" يحتاج الى "نفَس" غير قصير. والرهان هنا منعقد على امور عدة: الأول هو انّ "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها سترتكب اخطاء قاتلة سياسياً من دون ريب، والثاني هو انّ المعارضة مختلطة طائفياً ومناطقياً ما يجعلها ضمانة وطنية، والثالث هو انّ الانقسام في البلد يبدو للمرة الأولى في تاريخ الصراع السياسي في البلد، انقساماً سياسياً، وهو بهذا المعنى "ايجابي".
"السلطة" وأخطاؤها القاتلة
ولمّا كانت الأوساط نفسها تتوقع ارتكاب "السلطة" للعديد من الاخطاء السياسية القاتلة، فالمتوقع منها اعتماد قانون انتخاب مفصل على قياس هدف اسقاط المعارضة أو تهميشها بالاتكال على حكومة منحازة خاضعة لسلطة الاجهزة والاستخبارات. وفي هذا المجال، تكون المعارضة قد حققت التغيير في "المناخ السياسي" الذي يسبق الذهاب الى صناديق الاقتراع اذا تحقق لها الآتي:
1 ـ استمرار المعركة تحت عنوان اسقاط الحكومة الحاليّة وان لم يتحقق ذلك جعل الحكومة مطوقة بكل صور "الفضائح" التي تطعن بأهليتها على قيادة العمليات الانتخابية.
2 ـ واذا كان ما اعلنه الزعيم وليد جنبلاط قبل يومين لجهة ان لا انتخابات حرة مع النظام الأمنيّ ـ المخابراتيّ صحيحاً مئة في المئة وهو كذلك، واذا كان ما يقوله ضمناً لجهة انّ حكومة حيادية لا تسيطر على الاجهزة الامنية لن تكون قادرة على ادارة المسألة الانتخابية، كلاماً صحيحاً وهو كذلك ايضاً.. فانّ ذلك يجب ألا يستنتج منه أن لا مجال إلا لتأجيل الانتخابات او مقاطعتها. ذلك انّ التأجيل أو المقاطعة يخدم "السلطة" تماماً.
الرقابة او الاشراف الدوليان..
وتأجيل الانتخابات ليس احتمالاً
3 ـ غير انّه من الواضح، انّ انتخابات تقود مقدماتها الى التزوير ضدّ المعارضة، لن يمكن حصولها اصلاً وان هي حصلت وكانت وقائعها مدوية، ستسجل ضد "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها. لا يمكن حصول انتخابات ذات مقدمات تزويرية تحت انظار العالم وفي حضور ممثل كوفي انان في لبنان. واذا كانت السلطة تراهن على ان القرار 1559 لا يتضمن آليات للرقابة الدوليّة أو الاشراف الدولي على الانتخابات اللبنانية، فانها تغامر بدفع الامور نحو "تطوير" القرار 1559 وبالتالي نحو تدويل الانتخابات النيابيّة.
بالامس، قال قائد "التيّار الوطنيّ الحرّ" العماد ميشال عون لـ"المستقبل" انّه يعمل حالياً على تأجيل الانتخابات، وحجته في ذلك ان "لا معنى لانتخابات في ظلّ الاحتلال"، مضيفاً انّ الانتخابات إما ان تجري مسبوقة بانسحاب سوري او تؤجل الى ما بعد الانسحاب السوري. وعلى افتراض انّ العماد عون توجه الى القوى الدولية لجعلها تصدر حكماً مسبقاً على الانتخابات بما يجعل لبنان الرسمي خارج مظلة المجتمع الدولي، فانه سيصادف على الارجح موقفاً دولياً لا يرغب في الغاء هذا الاستحقاق، في الوقت الذي يريد المجتمع الدولي جعل هذا الاستحقاق امتحاناً لـ "السلطة" بمركز قرارها وموالاتها يؤسس لملف مثقل في الامم المتحدة. غير ان المجتمع الدولي قد يجد نفسه في المقابل معنياً بناءً على وقائع تؤشر الى تمهيدات تزويرية للانتخابات، باتخاذ موقف بالاشراف على الانتخابات ومراقبتها، وهذا على كل حال ما يلمح اليه عاملون في الدبلوماسيات الغربية.
4 ـ انّ "الصراع على المناخ السياسي" في سياق التمهيد للانتخابات قد يتضمن اذاً محطة دولية تستدرجها "السلطة" استدراجاً، ولذلك فان المعارضة التي تدعو الى استبدال الحكومة الحالية بحكومة محايدة، تستطيع ان تدرك انّ "المناخ السياسي" الذي تريد ان تظهره متغيراً في البلاد، يستند في احد عوامل تغيّره الى معرفة كيفية "استثمار" أخطاء "السلطة" في وقت قد تعتقد هذه "السلطة" في اندفاعها الى "الاستشراس" انها لا تزال تستطيع ان تفعل في كلّ الازمنة ما كانت تفعله في زمن سابق.
وتختم الأوساط السياسيّة المتعدّدة بالتشديد على انّ ديناميّة الصراع السياسيّ المحتدمة، لا بدّ ان تجعل المعارضة مقيمة على اقتناع بقدرتها على اكتساب مزيد من "أوراق القوة" ان هي واصلت تطوير حركتها السياسيّة بخطوات تراكميّة لأنّ المعركة السياسيّة، هذه المعركة السياسيّة بالتحديد ستكسب بـ "الجولات" وليس بـ "الضربة القاضية" في الجولات الأولى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.