كان الرئيس رفيق الحريري منشرحاً جداً أول من أمس بعد عودته من لقاء البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير في بكركي. وعندما سئل تفسير انشراحه هذا، تحدث عن "مبادرة" حملها معه الى الصرح البطريركي، قال انه طلب موعداً من صفير لعرضها عليه.
يعتبر الرئيس الحريري انه في ظل شعور البيئة المسيحية بأن ثمة غبناً لحق بالتمثيل السياسي المسيحي بفعل قوانين الانتخاب منذ العام 1992 وحتى اليوم، وفي ظل اقتناع هذه البيئة وعلى رأسها البطريرك بأن الانتخابات النيابية المقبلة ينبغي أن تشكل فرصة لتصحيح التمثيل، ووسط ما ينقل عن سيد بكركي من انه يفضّل الدوائر الانتخابية الصغرى التي تجعل قدرة التواصل بين المرشح والناخب أكبر ثم قدرة محاسبة المواطن لنائبه فعلية أكثر، كان لا بد للزعامة المسلمة من أن تبادر باتجاه القول للبطريرك بما ومن يمثل ان هواجسه هواجسها وان ما يريحه يريحها وان العيش المشترك الذي يرى الرئيس الحريري انه يتوطد أكثر فأكثر، يستحق أن تقدم لأجله "التنازلات" الضرورية.
لماذا القضاء؟
ويضيف الحريري انه كان ولا يزال مقتنعاً بأن فكرة اتفاق الطائف لا بل نصّه يفرضان اعتماد المحافظة دائرة انتخابية، لكن ولأن الطائف الذي يتحدث عن إعادة النظر في التقسيمات الإدارية لتحديد المحافظات لم يطبق على الرغم من مضي خمسة عشر عاماً على الطائف، فلم تقرّ اللامركزية الإدارية، وُجد من يقول محقاً ان تركيب الدوائر الانتخابية عشوائياً يخالف الطائف وميثاق العيش المشترك، وان العودة الى نظام الدوائر ـ الأقضية تشكل مرحلة انتقالية نحو "استعادة" الطائف بكل ما ينصّ عليه من بنود "إصلاحية". وعلى هذا الأساس "ذهبتُ الى بكركي وسألت غبطة البطريرك أي قانون انتخاب يفضّل فلم يخفِ تفضيله القضاء"، كما يقول الحريري الذي يؤكد انه أبلغ صفير عندئذٍ موافقته على اعتماد القضاء دائرة انتخابية فـ"سُرّ البطريرك سروراً كبيراً".
صفير وبيروت
ويلفت الرئيس الحريري الى انه إذ كان يدرك تماماً ان الموافقة على القضاء دائرة انتخابية تعني الموافقة على تقسيم بيروت، وانه إذ كان يعلم ان العودة الى نظام القضاء تعني تقسيم بيروت الى ثلاث دوائر انتخابية كما كانت الحال في انتخابات ما قبل الطائف، سأل البطريرك: هل تريد تقسيم بيروت بما يؤدي الى استحداث دوائر طائفية أو ترى ان تقسيمها يجب أن يراعي العيش المشترك أي ألا تكون دوائر صافية مذهبياً بل دوائر مختلطة؟. ويقول الحريري ان البطريرك لم يتردد في الاجابة بانه مع تقسيم يراعي العيش المشترك، فاستأذن الحريري صفير بأن يعلن ذلك فوافق الثاني من دون تأخير.
اعتماد القضاء لا يقود إلى انقلاب سياسي
وإذ يعتبر الرئيس الحريري ان مبادرته تجاه بكركي من موقعه كزعيم مسلم حققت هدفها الرئيس لجهة التوافق على قانون انتخاب يراعي الهواجس كافة ولا يحدث انقساماً بل يعزز الوحدة الوطنية، ويؤكد بالمناسبة ان توطيد الوحدة الوطنية يقتضي "تنازلات" من مختلف الفئات، يعرب عن اعتقاده ان اعتماد قانون انتخاب يريح الجميع ممكن تماماً، خاصة في ظل قناعته الراسخة بأن جميع اللبنانيين متمسكون بالوحدة الوطنية والعيش المشترك، وبأن لا انقسام بين اللبنانيين حول الأساسيات ومن ضمنها مبدأ العلاقة المميزة بين لبنان وسوريا. ولذلك لا يتردد الحريري في القول ان اعتماد القضاء دائرة انتخابية لن يحدث تغييرات تُذكر في "سياسة" المجلس النيابي المقبل، وان نائباً بالناقص هنا أو نائباً بالزائد هناك أمر لا يغيّر في ما يتوافق عليه اللبنانيون، وإن كان من شأنه أن يعدل نسبياً في تركيبة التمثيل ضمن البرلمان الجديد.
وما يجعل الحريري مرتاحاً الى نتائج مبادرته تجاه بكركي، فوق كل ما جرى ذكره حتى الآن، هو انه يمكن بكل بساطة اثبات ان مراعاة المسيحيين لا تعني كسر المسلمين والعكس بالعكس عندما يكون ثمة توجه وطني، بدليل الأصداء الايجابية التي تصله من البيئة المسلمة حيال توافقه مع البطريرك على القضاء وعدم تقسيم بيروت مذهبياً، وهي أصداء تؤكد في ما تؤكد اقتناع البيئة المسلمة بأن الحريري يملك قدرة على إدارة معادلة الوفاق الوطني من موقع الاعتراف بأن هذا الوفاق شراكة وطنية ويُصنع بالشراكة الوطنية.
ويتوقف المراقبون عند ما حققته زيارة الحريري الى بكركي، آخذين في الاعتبار شرحه لـ"المبادرة" وأسبابها الموجبة أو "فلسفتها"، ويسجلون في هذا المجال مجموعة من النقاط السياسية الرئيسية:
البطريرك يكشف هواجسه
1 ـ في وقت يُكثر طابخو قانون الانتخاب ومطرّزوه، الحديث عن مراعاة هواجس البطريرك صفير، يكشف سيد بكركي ان اعتماد القضاء في كل لبنان هو "الحل المرحلي"، وإذا كان ثمة من يريد مراعاة هواجسه حقاً فما عليه إلا أن يتعاطى مع موقفه المعلن.
2 ـ وفي وقت يُكثر طابخو قانون الانتخاب وتحت عنوان مراعاة هواجس البطريرك ايضاً، من الحديث عن "إشكاليات مسيحية" لا بد من معالجتها إرضاء لصفير، ويقولون ان بيروت هي الإشكالية الرئيسية، يعلن البطريرك بوضوح أن لا إشكالية مسيحية في بيروت وان العاصمة ليست بحاجة الى دائرة مسيحية خاصة، بينما الإشكاليات الأخرى فحلّها باعتماد القضاء.
3 ـ وإذ يسجل المراقبون ان توافق الحريري والبطريرك يسقط من يد "السلطة" محاولات تسويق قانون انتخاب "مشلّع" لان هذا التوافق يحصل حول قانون انتخاب "طبيعي"، يلفتون الى ان القضاء بات القاسم المشترك بين الأركان في بيئاتهم، أو بكلام أدق "الأكثريات" في بيئاتها، حيث يتقاطع الرئيس الحريري والبطريرك صفير والزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، في وقت لا تعطي التقسيمات السلطوية الطمأنينة الى طوائف أخرى ولا الى الأقليّات السياسية في كل الطوائف، بل تقدم مشروعاً عجيباً غريباً.
الحريري: إضافة نوعية إلى دينامية الوفاق
4 ـ ليس في الاتفاق بين الحريري والبطريرك، إعلان من قبل الأول بالانضمام الى المعارضة، لان البطريرك وإن كان يمثل عباءة للمعارضة انما يمثل ما يتجاوز الأطر السياسية باعتباره الركن الأساسي في الوفاق الوطني. وبهذا المعنى، فانّ الحريري بمبادرته نحو بكركي انما يقدم اضافة الى دينامية الوفاق الوطني، وبما ان المعارضة نفسها تقدم في حركتها فرصة مصالحة ووفاق وطنيين، فإن الحريري من بوابة توافقه مع البطريرك حول قانون الانتخاب، انما يضم موقفه وموقعه الى دينامية سياسية وفاقية بالفعل.
"السلطة" تزداد ارتباكاً
وفي ضوء هذه النقاط الرئيسية التي يسجلها المراقبون، لا يتردد هؤلاء في الإعراب عن اعتقادهم ان "السلطة" المرتبكة أصلاً، سيزيدها التطور الذي تمثله مبادرة الحريري ونتائجها ارتباكاً، خاصة انها لا تستطيع النظر الى أي مبادرة سياسية الا على أساس كونها "مؤامرة" وفي حد أدنى تواطؤاً. وعلى كل حال، لم تتأخر الحملة على هذا الإنجاز، بل هي استبقت زيارة الرئيس الحريري الى بكركي أول من أمس فجعلتها في خانة "القوطبة" على زيارة رئيس الجمهورية الى الصرح غداً في عيد الميلاد، وكانت الحملة قائمة قبل ذلك حول "الحبل السري" الذي يربط الحريري بالمعارضة.
لكن لا بأس يقول المراقبون، ذلك أن الحريري الذي كرر أول من أمس أنه "متريث"، لا يخفي في الوقت نفسه علاقاته بـ"البيئة السياسية الطبيعية" في البلاد، فأكد عراقة علاقته بالبطريرك وأكد أن وليد جنبلاط "صديق وأخ وحليف". وينسى المتذاكون في "السلطة" أن الحريري عندما اعتذر عن تأليف الحكومة انما فعل لسببين رئيسين من بين أسباب أخرى: الأول لأنه لم يوفّق في تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها جنبلاط وممثلون عن المعارضة المسيحية، والثاني أنه رفض بعد ذلك تشكيل حكومة ضد وليد جنبلاط وضد المعارضة المسيحية المستظلة بالبطريرك، وبالتالي فهو منذ مشكلة التمديد يعطي الاشارات الى "البيئة السياسية الطبيعية" التي يتعاطى معها، فكرر أول من أمس ان العلاقة متينة بجنبلاط وأنها الآن "على الخفيف" مع المعارضة الأخرى.
ويختم المراقبون بالتشديد على أن مبادرة الرئيس الحريري باتجاه البطريرك ستشكل من دون أدنى شك مفصلاً في مسار المسألة الانتخابية، ومفصلاً في مسار الدينامية السياسية التي لا شك ان وتيرتها ستعلو أكثر فأكثر بعد رأس السنة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.