8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سمير جعجع من السجن: لا مقايضة لحريّتي بموقفي السياسي

تكشف أوساط سياسية متابعة أن "السلطة" التي تتطّلع من خلال "مغازلة" العماد ميشال عون الى تشتيت المعارضة عشية الانتخابات النيابية، إنما تلعب على فكرة إقناع الجنرال بأنه قوة ثالثة بين الموالاة والمعارضة المتحلّقة تحت سقف التقاطع بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، حول الوثيقة التي أعلنت من "البريستول" قبل أيام.
تحاول "السلطة" المقتنعة بـ"ذكائها" اللعب على هذه الفكرة انطلاقاً من تقديرها أن عون نفسه مقتنع بأنه يمثّل قوة ثالثة بالفعل تقف على مسافة من المعارضة تحت عنوان أنها معارضة مساوِمة بدليل أن وثيقتها لا تتضمن دعوة صريحة الى انسحاب سوري كامل من لبنان وتبنّياً صريحاً أيضاً للقرار الدولي 1559. ولا يخفى في هذا المجال أن "السلطة" مقيمة على قناعة بأن وجود طرف معارض "على يمين" المعارضة ويحمل شعارات ظاهرها راديكالي، "يشلّح" المعارضة في الشارع المسيحي من جهة ويجفّل البيئة المسلمة المعارِضة من جهة ثانية.
لن تتردّد "السلطة" في تقديم كل الإغراءات الى الجنرال بهدف الوصول الى هذا الغرض الذي إن تحقّق تأمل في أن يسمح بقلب المعادلات الإنتخابية. على أن ما تلفت الأوساط المتابعة إليه، هو أنه ما كانت هذه المحاولة السلطوية المأذونة على المستوى الإقليمي لتستمر لو أن عون أغلق الباب في وجهها بإحكام.
أداء عون و"التيار" والباب نصف المقفل
وتقول الأوساط إن عون الذي لا يرقى الشكّ الى كونه معارضاً للواقع القائم، لم يقفل الباب بكلام حاسم يجعل "السلطة" تدرك أنها أمام طريق مسدود. وبصرف النظر عن النوايا التي لا يريد أحد الشك بصدقها، فإن عون من دعوته الى مؤتمر للحوار اللبناني ـ السوري لبحث ما سمّاه الخروج السوري المشرّف من لبنان، الى اتصالات "التيار الوطني الحر" في بيروت التي شملت أطرافاً في "السلطة"، الى اشتراطه ما سمّاه وقف الاعتداء عليه والاعتذار منه كي يدير حواراً مع "السلطة"، وصولاً الى إعلان أن بيته مفتوح لأي كان إذا كان الهدف إنهاء "الاحتلال"، مروراً بالحضور "المراقب" في مؤتمر البريستول... إن عون بهذه المواقف والمحطّات يعطي الانطباع بأنه لا يمانع في أن يكون قوة ثالثة.
والحال، كما تضيف الأوساط، أن عون بذلك إذ يعتقد ـ ضمناً على الأقل ـ أن مِن شأن جعل نفسه مرغوباً من "السلطة" والمعارضة في آن، أن يجعله في موقع قوة حيال المعارضة، أو أنه يظن ـ ضمناً أيضاً ـ أنه يحسّن شروط علاقته بالمعارضة، إنما يفوّت فرصة الانضمام الى معارضة متراصّة الصفوف تبدأ معركتها السياسية فوراً، ويعطي "السلطة" في المقابل إحساساً بـ"البقاء" في زمن احتضارها.
الجنرال بين نصّ المعارضة وديناميتها
وأكثر من ذلك، فإن الجنرال الذي يعيب على المعارضة "تسوويّتها" أو "مهادنتها" في النصّ الذي اعتمدته في "لقاء البريستول" يخطئ إن لم يدرك أن ما تطلقه المعارضة ليس مجرد نصّ بل دينامية سياسية تقود الى دولة مستقلة ديموقراطية، وأن المعركة المفتوحة لا مجال فيها لـ"قوة ثالثة" وأن مكانه الطبيعي هو في المعارضة المتنوّعة التي تنجح في إدارة تعدّدها. والأهم أن يدرك الجنرال أنه إذ لا يستطيع أمام العالم الخارجي وأمام قواعده أن يتحمّل مسؤولية تاريخية عن إفشال المعارضة، لن يستطيع في مجريات المعركة السياسية المفتوحة أن يدافع عن موقع "القوة الثالثة" الذي سيؤدي الى خسارته سياسياً. وإذا كان "السرّ" يكمن في أنه يجري على نطاق واسع اعتبار أن المعارضة تحت سقف تقاطع جنبلاط ـ البطريرك، فإن انضمام "التيار" الى المعارضة سيعطيه موقعه ضمنها في ظل اعتراف جميع المعارضين بالتيّار رافداً معارضاً رئيسياً. ولعل في إشارة البطريرك الأحد الماضي الى وجوب عدم إضاعة المعارضة هدفها، دعوة غير مباشرة الى عون لتصويب مسار العلاقة بينه وبين المعارضة.
المسألة إذاً سياسية ـ وطنية بالدرجة الأولى وأحجام الجميع ملحوظة، والمهم أن يقول الجنرال "لا" عالية في وجه "السلطة"، وأن لا يذهب الى الحج والناس عائدون منه، ولا يحتمل الظرف كلاماً "مفتوحاً" وأبواباً نصف مفتوحة أو نصف مغلقة. والمعارضة لا تتعامل مع "التيار" إلاّ على أساس كونه شريكاً لا هي تحاول أن تحشره ولا تقبل أن تُحشر في المقابل.
جعجع يردّ على محاولات "السلطة": في المعارضة
وإذا كان لا بد من الاعتراف بأن لأداء الجنرال وتياره خصوصية معينة، فإن الأوساط نفسها تتوقف عند أداء تيار "القوات اللبنانية" الذي تقوده السيدة ستريدا جعجع بالنيابة عن زوجها السجين الدكتور سمير جعجع.
تحركشت "السلطة" بالقوات خلال الأسابيع الأخيرة وقدّمت إليها عروضاً انتخابية ووعوداً وصولاً الى وعود بإسقاط الحقوق الشخصية في الدعاوى المقامة ضد قائد "القوات".. وكل ذلك على "أمل" أن يتم تحييد هذا التيار عن سائر المعارضة، وفي ظن "السلطة" المتذاكية أنها ستنجح في تحييد قوّتين رئيسيتين في الشارع المسيحي أي "التيار الوطني الحر" و"القوات".
بيدَ أن السيدة جعجع التي وضعت زوجها في صورة "الإغراءات" المعروضة سمعت منه جواباً حاسماً: هو الجواب نفسه الذي نقله عنه النائب نعمة الله أبي نصر عندما زاره في سجنه قبل اسابيع في إطار لجنة حقوق الانسان النيابية: لن أقايض حريّتي بموقفي السياسي، وهو شعار تزامن ربما مصادفة مع ما أعلنه الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط قبل أيام إذ قال: لن أقايض أمني الشخصي بموقفي السياسي. وأعطى سمير ستريدا توجيهاته.
والتوجيهات كما أفيد عنها وكما دلّت عليها ممارسة "القوات" هي الآتية: الالتزام بسقف بكركي ومرجعية البطريرك، والتمسّك بالعمل ضمن إطار "لقاء قرنة شهوان"، وخوض الانتخابات مع المعارضة في كل مكان من لبنان. وليس خافياً في هذا المجال أن الدكتور جعجع الذي رفض المساومة مع "السلطة" على أغلى ما يملك أي حريّته، إنما ينطلق ليس فقط من شجاعة بل من قراءة سياسية دقيقة للظرف الذي لا يسمح لأحد بأن يشتّت المعارضة وهي تخوض معركة سياسية مفصلية، لأي سبب كان. والأهم أن جعجع الذي قال "لا" للفكّ عن المعارضة، كان يدرك أن ما تقدّمه المعارضة اليوم في العمق ليس مجرّد تحالف انتخابي، بل فرصة مصالحة وطنية حقيقية لم تكن قد تحقّقت حتى الآن.
العريضة النيابية: العفو عن جعجع مطلب لبناني
وعلى أي حال، أن التعبير الأفصح عن هذه المصالحة التي تقدّم المعارضة فرصتها الحقيقية، هو العريضة النيابية التي تطالب بإلغاء الاستثناءات في قانون العفو، بحيث يتم الإفراج عن جعجع وفي الطريق أيضاً إنهاء العديد من الملفات المتبقيّة من زمن الحرب، الحرب التي يعلن الجميع في المعارضة استيعاب دروسها وعبرها.
وإذا كانت العريضة النيابية هذه تمثّل تعبيراً عن المصالحة، فإنها تجعل مسألة الإفراج عن جعجع، كما عودة عون من المنفى أيضاً، مسألة لبنانية جامعة، وأبلغ دليل على ذلك أنها موقّعة من نواب مسلمين ومسيحيين، من مختلف الكتل النيابية، الأمر الذي يؤشر في ما يؤشر الى تنامي المعارضة في مختلف المناطق والطوائف.
وهنا، تشير الأوساط السياسية المتابعة الى أن الغرض مِن تقديم أداء كل من "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" ليس المقارنة، ذلك أن لكل منهما ظروفه. ومع ذلك، يبقى الفارق أساسياً في السياسة بين من يوصد الباب أمام "حركشات" السلطة المتذاكية ومن لا يقفلها تماماً، بين مَن يدرك أن المسألة لا تستحق إعطاء الأوكسيجين لسلطة مرتبكة وخائفة، ومن يبقي لها "النباريش".
المعركة السياسية: كسب الصراع
على عون واعتراف الكل بالكل
وبما أن المعركة السياسية مفتوحة وستزداد حماوتها بعيد رأس السنة، وبما أن هذه المعركة هي للتغيير، وبما أن انتظام صفوف المعارضة أمر أساسي في هذه المرحلة، ولأن "السلطة" بدأت تعمّم أجواء التحريض ضد المعارضة بشكل عام وضدّ وليد جنبلاط بشكل خاص، فإن الأوساط المتابعة تختم مشدّدة على ضرورة أن يعي الجميع في المعارضة أنه يخسر إن هو ابتعد عن هذه المعركة، وعلى أهمية أن تكسب المعارضة "الصراع على عون" وأن تبذل الجهود اللازمة لعدم استبقائه في "الموقع الثالث". وأخيراً، سئل عميد حزب معارض قبل أيام رأيه في خطوة إعادة انتشار المفارز الأمنية السورية فأجاب: بدأت جهود الحزب المستمرة منذ 28 عاماً تُثمر. وبصرف النظر عن "الدعابة" في هذا الجواب، فإنه يشير الى أمر لا يجوز أن يكون سائداً، وهو عدم الاعتراف بأدوار الآخرين. وهنا المسألة بالتحديد: على كل معارض أن يعترف للآخر بدوره وألاّ يلغيه، وليس الوقت لأي "مزايدة"، لأنه إذا كان صحيحاً أن البعض بكّر في معارضته فليس بالضرورة أن يكون صحيحاً أنه اختار الزمان الصحّ والشعار الصحّ، وإذا كان صحيحاً أن البعض انضمّ الى المعارضة في وقت متأخر، فالصحيح أن هذا البعض أضفى على المعارضة في الوقت المناسب بعداً وطنياً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00