8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"التغزّل" بالبطريرك بعد عون دليل ضعف وارتباك

لم تقتنع "السلطة" بعد على ما يبدو بأنها باتت "أعجز" من أن تخرق المعارضة فتصيبها بالتفكك وبأنها استخدمت كل الوسائل لتحقيق هذا الهدف ولم تحصد إلاّ الفشل.
فبعدَ "التغزّل" المكشوف بالعماد ميشال عون والذي حصل بـ"أمر عمليات"، والذي يكاد مفعوله أن يكون انتهى قبل أن يبدأ في ظلّ كشف عون لغاياته، عادت "السلطة" من جديد الى محاولة التغزّل بالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، فجرى تقديم إعادة انتشار المفارز الأمنية السورية في مطار بيروت والضاحية الجنوبية والبترون على أنها هدية الى بكركي تماماً كما حصل بمناسبة عمليات إعادة انتشار سابقة.
"السلطة" تتوهّم.. كيف؟
وفي هذا المجال تؤكد أوساط مقرّبة من البطريرك على عدد من النقاط الرئيسية:
1 ـ من الطبيعي جداً عندما يبلّغ البطريرك مسبقاً بوجود نيّة للقيام بخطوة إعادة انتشار، تتضمن هذه المرة وبشكل رسمي سحب مفارز أمنية من مناطق لبنانية معيّنة، أن يرحّب بهذه الخطوة بما تجسّده من "رمزية" محدّدة طالما أنها تتعلق بالجانب الأمني (الاستخباري) وليس فقط بالقوات العسكرية كما كانت الحال في المرات السابقة.
2 ـ وإذا كان البطريرك لا يمانع حصافة منه في أن يجري اختياره لتقديم الهدية إليه، فإنه لا يخفى عليه في المقابل أن هذه الخطوة بمثابة رسالة سياسية موزّعة في اتجاهات عدة وأملتها ظروف داخلية ـ خارجية متداخلة، لا بل هي رسالة تفيد أن ثمة "بداية" تنفيذ لما هو مطلوب دولياً من جهة ولما تدعو إليه المعارضة من جهة ثانية. وبكلام آخر، كان يمكن للخطوة أن تُهدى الى المعارضة وعبرها الى اللبنانيين، لكن اختيار البطريرك لا يغيّر في واقع الأمر شيئاً، كونه يقف على رأس المطالبين بتنفيذ اتفاق الطائف ولو "شقفة شقفة".
3 ـ وتعلم "السلطة" علم اليقين أن سيد بكركي وإن كان يرى في الخطوة بداية تحرّك في الاتجاه الصحيح، فهو لا يعتبر أنها يجب أن تبقى ضمن الحدود الجزئية الراهنة، بل يجب أن تستكمل الى "النهاية" تحقيقاً للطائف ولإقامة دولة لبنانية مستقلة. وهنا تذكّر الأوساط المقرّبة من البطريرك بكلام له قبل أيام أمام وفد مهني ينتمي الى "القوات اللبنانية"، عندما اعتبر أن إطلاق الدكتور سمير جعجع على أهميته كـ"حقّ" له، ليس سوى خطوة جزئية إذا تحقّق، لأن "المطلوب ليس تحرير جعجع من سجنه بل تحرير لبنان من السجن".
البطريرك بين حصافة الاستماع وتوقيت الردّ
4 ـ لطالما أوحت "السلطة" بوجود اتصالات مع البطريرك أو مداولات معه، وعمّمت أجواء متفائلة بنت عليها لشنّ حملة على المعارضة التي "لا تلتزم خط البطريرك ونهجه" على حد زعمها، ثم تبيّن أن الاتصالات لا تحمل شيئاً ملموساً، فيعمد سيد بكركي الى "الانقضاض" من جديد بوتيرة يقرّرها بنفسه. ألم تقل "السلطة" إن البطريرك سيسير في التمديد؟ ألم تقل إنه وضع التمديد وراءه؟.. فكان أن تعاطى مع التمديد بوصفه المحطة الأخطر في الأزمة السياسية، وكان في مقدّم الذين اعتبروا أن الانتخابات هي المفصل الرئيسي أمام اللبنانيين ليحققوا التغيير، وفي طليعة من صوّبوا على مسألة نزاهة الانتخابات داعياً الى استقدام مراقبين دوليين.
باختصار، وتأسيساً على قراءة الأوساط المقرّبة من البطريرك الماروني، ترى مصادر بارزة في المعارضة أن محاولة "تحييد" البطريرك عن المعارضة، محاولة يائسة تستخدم تميّز بكركي في الأسلوب والأداء لتركيب وهم قاتل بوجود تمايز سياسي في العمق. وفي رأي المصادر البارزة هذه أن "السلطة" الساعية الى الهرب من "الرمضاء الى النار" في محاولتها الاحتماء من المعارضة ببكركي، إنما تكشف ارتباكها الشديد بشكل مدوٍّ. وأكثر من ذلك، تلفت المصادر نفسها الى أن اعتقاد "السلطة" أن سلاحها المتبقّي هو محاولة شقّ المعارضة، ليس سوى دليل على خسارة هذه "السلطة" المعركة السياسية ـ الإعلامية سلفاً.
عون لا يستطيع تحمّل مسؤولية إفشال المعارضة
وسوء فهم "السلطة" للبطريرك ينطبق على سوء فهمها للجنرال عون أيضاً. ذلك أنه وبصرف النظر عن النوايا لدى عون و"التيار الوطني الحر"، لا مفرّ من أخذ عدد من المعطيات في الاعتبار.
لا يستطيع عون أمام "العالم الخارجي" من ناحية وأمام قواعد "التيار" من ناحية أخرى، أن يجازف بتحمّل مسؤولية إفشال المعارضة في مناطق انتخابية معيّنة، تماماً كما لا تستطيع المعارضة أن تتحمّل مسؤولية عدم بذل الجهد الكافي لتحقيق تحالف مع "التيار".
لا يستطيع عون ذلك في وقت من الواضح أن الانتخابات النيابية المقبلة لم تعد مجرّد محطة دستورية عادية بل اتخذت صفة استثنائية بكل المعايير السياسية والوطنية. وثمة ثلاث سيناريوات "قاتلة" بالنسبة الى "التيار العوني": الأول هو الموافقة على "صفقة" مع "السلطة" تتضمن قضايا ذات علاقة بما سمّي "ملفات" له والتأسيس على ذلك لتعاون انتخابي، والثاني هو إعلان الحياد في الانتخابات والقيام بتبادلات معيّنة "تحت الطاولة"، والثالث هو إعلان الحياد تحت عناوين من مثل أن المعارضة جزء من "منظومة السلطة" أو أن الانتخابات في حدّ ذاتها ليست بالقدر من الأهمية الذي تضفيه المعارضة عليها.
وإذا كانت المصادر البارزة في المعارضة تستبعد إمكان إقدام عون وتياره على السير بأحد السيناريوات الثلاثة الآنفة، فإنها تعتبر أن ثمة الكثير مما ينبغي عمله مع عون لتحقيق تقارب فعلي لأن ليس ثمة خلاف غير قابل للمعالجة معه في ما يتجاوز طبيعة العلاقة وآلياتها، ولأنه من الضروري عدم البقاء في حدود "الصداقة" مِن بعد بين المعارضة ككل وهذا "التيار المعارض"، خصوصاً في ظل أخذ المعارضة بمبدأ التنوّع والتعدّد وإدارتها الناجحة لهما.
المشهد السياسي: "سلطة" في "أيامها الأخيرة"؟
على أي حال، وبالعودة الى المشهد السياسي في البلاد، وإذ ترى المعارضة أن محاولة "التغزّل" بالبطريرك، تعكس يأساً وارتباكاً على مستوى "السلطة"، فإنها تشير الى ما تعتبر أنه بات حقيقة في الواقع السياسي.
وفي هذا المجال، تعرب المصادر المعارضة عن اعتقادها أنه عندما لا يعود في يد "السلطة" سوى "سلاح" محاولة تفكيك المعارضة وهي تعلم أنها ستفشل حتماً، وعندما تمارس "استقتالاً" لتحقيق هدف لن تصل إليه، فمعنى ذلك أنها باتت في "أيامها الأخيرة".
وتلفت هنا الى أن ما قاله الركن الأبرز في المعارضة رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط قبل أيام عن الحوار بين المعارضة ودمشق، واقعي من زاوية أن "السلطة التي يفترض أن تكون قادرة على رعاية حوار بين القوى والتيارات اللبنانية الحية الرئيسية، ليست موجودة بالفعل سوى عبر الشتائم التي يطلقها بعض مَنْ في "السلطة"، فيما بعضها الآخر لا يلوي على شيء، الأمر الذي جعل الصراع يبدو مباشراً بين المعارضة وسوريا بغياب "السلطة"، فيما تتّسع صفوف المعارضة تباعاً لينضمّ إليها بشكل أو بآخر فرقاء لم يكونوا في المعارضة كالتكتّل الطرابلسي مؤخراً... وكل ذلك يعني أن كل أسلحة الترهيب والترغيب لم تعد مجدية في كبح مسار المعارضة نحو الاتساع في مناطق لبنانية عدة خارج الثنائية المارونية الدرزية.
وتختم المصادر البارزة في المعارضة بالتشديد على أن هذا "المشهد السياسي الجديد" يكتسب كل الدلالات السياسية التي تعطي لمعركة المعارضة التي ستحمى بعد رأس السنة الجديدة زخماً إضافياً و"شرعية" سياسية ـ شعبية أقوى من أي وقت مضى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00