لم يتخذ "حزب الله" قراره بعد بشأن مواصلة أمينه العام السيّد حسن نصر الله مساعيه من أجل فتح أبواب العلاقة مجدّداً بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط والقيادة السوريّة. بيد انّ مقدمّات القرار توحي بأنّ السيّد نصر الله في طريقه إلى التوقّف عن هذ المهمة "الشاقّة".
لا يستفيض مسؤولو الحزب كثيراً في الحديث عن هذا الموضوع، وان كانوا يتحدثون بشيء من "الخيبة" ازاء التطورات الاخيرة، لا سيّما ردّ جنبلاط شكلاً ومضموناً على الاتصالات الأخيرة التي جرت معه بخصوص أمنه. فبالنسبة إلى الحزب، لم يكن جنبلاط بحاجة إلى الحديث علناً عن اتصال السيّد به وعن ايفاده معاونه السياسيّ حسين الخليل إلى المختارة ليل السبت ـ الأحد الماضي، ولم يكن بحاجة إلى هذا النوع من "التشهير" أمام مؤتمر المعارضة الذي يحوي أشخاصاً أقربهم إلى جنبلاط أبعد بكثير عنه من "حزب الله"، ولم يكن بحاجة إلى ربط الاتصالات الأمنيّة التي تلقاها بالاتصال السياسيّ الذي تولاّه نصر الله ومعاونه. وإضافة إلى ذلك، فانّ جنبلاط من وجهة نظر الحزب حتّى لو كان له الحقّ في ان يرفض اقتراحاً مطروحاً لـ "تليين" الأجواء وتنفيس الاحتقان، فليس من حقّه ان يكشف تفاصيل عن مفاوضات "سريّة" وأن يبادر إلى التصرف على أساس ان الاقتراح هو آخر ما يمكن التوصّل اليه وليس من بعده اقتراحات أخرى، وأن يبادر إلى الاعلان من طرف واحد عن وقف المساعي أو الايحاء بقطع البحث... حتّى مع "حزب الله" نفسه، وهو الذي يعرف انّ الجهة الوحيدة في ما يمكن تسميته "الموالاة" التي تحتفظ بعلاقة معه هي "حزب الله".
لماذا اضطرّ جنبلاط إلى التوضيح؟
ثمّة خيبة أمل إذاً من شأنها أن تقود نصر الله إلى توقيف مساعيه. غير انّ المسألة من وجهة نظر المعارضة ومن ضمنها أوساط جنبلاط تنظر إلى الموضوع بطريقة مختلفة، وتسجّل في هذا المجال النقاط الآتية:
1 ـ استفاق وليد جنبلاط صباح الأحد الماضي، وقبل اتصال اللواء جميل السيّد به وبعد هذا الاتصال، وقد جرى تعميم انّ الاتصالات التي جرت معه أفضت إلى "تكويعه" عن المعارضة وانّه مرّة أخرى "قطع" رفاقه المعارضين. ووصلت أصداء هذا التعميم المؤسّس على معطيات صحيحة لكنّ الذاهب إلى استنتاجات سياسيّة خاطئة، إلى فريق في المعارضة المسيحيّة، كما جرى تعمدّ ايصاله إلى الرئيس رفيق الحريري أيضاً مع "وعد" بأنّ التطور الايجابي المزعوم مع جنبلاط سيليه الهجوم على الحريري.
2 ـ وإذ علم جنبلاط بما علم به سائر الفرقاء، وقد جرت صياغة "التعميم" بطريقة توحي بالصدقيّة، حيث جرى استخدام اسم السيّد نصر الله بالاشارة إلى انّه نجح في ترتيب لقاء جنبلاطي ـ سوريّ، وجد نفسه معنيّاً بـ "الدفاع" عن موقفه وعن موقعه.
ذلك انّه كان من شأن تجاهل وجود هذا التسميم للأجواء أن يحدث ارتباكاً ضمن المعارضة عشيّة مؤتمرها في "البريستول"، وأن يطلق العنان لأسئلة وتساؤلات، ولكلام عن تبدّل جنبلاط. ولذلك، تعتبر المعارضة انّ الزعيم الاشتراكي لم يخطئ إذ حاول وضع الأمور في نصابها، وانّ جنبلاط لو أبقيت الاتصالات في حدودها ما دون السياسة من قبل "المعممين" لما وجد نفسه مضطراً إلى الكلام بشدّة، خاصة انّ "التعميم" السياسي استظّل مسعى نصر الله نفسه. وعلى كل حال، تلفت الأوساط المعارضة إلى قول أحد الوزراء في معرض هجومه على جنبلاط بعد هدنة لم تدم إلاّ ساعات قليلة انّ "الهدنة مع جنبلاط قامت على فرضيّة انّه عاد الى السرب"، ما يشير بوضوح إلى الأجواء التي جرى تعميمها. ومن هنا، ولأن جنبلاط لا يحتمل أزمة ثقة مع المعارضة، فانّه وجد نفسه أمام "حتميّة" الرد.
إعادة الأمور إلى نصابها: الحوار السياسيّ المطلوب
3 ـ وتضيف الأوساط المعارضة ومن ضمنها أوساط جنبلاط انّ نصر الله كان على بينة من موقف رئيس "التقدمي"، وهو من شقيّن: الأول رفض الحوار مع سوريّا من البوابة الأمنيّة، والثاني هو الاستعداد لحوار سياسيّ مباشر مع القيادة السياسيّة السوريّة، يفضي إلى ما يعتبره جنبلاط تسوية لبنانية ـ سورية. وعليه فقد اعتبر وليد جنبلاط ان الاقتراح المقدم اليه بلقاء ثلاثي يضمه مع الأمين العام لحزب الله ورئيس جهاز الامن والاستطلاع السوريّ العميد الركن رستم غزالي، انما هو اقتراح يقول عملياً انّ افق الحوار مع سوريّا محصور بالمرجعيّة الأمنيّة السوريّة أو على الأقل انّ هذه المرجعية هي الممّر الاجباري. ولمّا كان الاقتراح متزامناً مع الاتصالات الأمنية وحرصاً على عدم الالتباس، افصح جنبلاط عن موقفه المعروف.
4 ـ وتشير الأوساط المعارضة إلى انّ الزعيم الاشتراكي لم يكن في وارد قطع العلاقة بنصر الله وقد اشاد به وبمساعيه، بل كان يعيد الأمور إلى النقطة التي ما فتئ يشدد عليها، أي الحوار السياسي مع القيادة السياسية السورية، وهو كان وربّما لا يزال يأمل من السيّد نصر الله وله ما له من موقعيّة ان يتوصل إلى تحقيق هذا الهدف، توصلا الى تصحيح العلاقة اللبنانية ـ السوريّة لا سيما على صعيد الداخل اللبناني. أمّا إذا كانت لدى نصر الله أسبابه لتوقيف مساعيه، فيجب الاّ يكون من بينها سلوك جنبلاط حيال التطورات الأخيرة، بل لعلّ السبب الرئيسي يجب أن يكون صعوبة "حلحلة" التشنج لاعتبارات سياسيّة اعمق، علماً انّ المعارضة تطالب نصر الله بالمساهمة في تنقية العلاقات اللبنانية ـ السوريّة بموازاة حرصه على جوانبها "الاستراتيجية".
المعارضة وبكركي وقانون الانتخاب
في غضون ذلك، أي بين "اتهام" الحزب لجنبلاط بالقطع وبـ "تفضيل" تحالفات مستجدة على العلاقة به، وبين اقتناع المعارضة بأنّ ثمة تذرعاً بأسلوب جنبلاط في التعبير عن مواقفه فيما المسألة في مكان آخر في السياسة، واقتناعها بأن "حزب الله" كان ولا يزال قادراً على تشكيل نوع من "قوة الفصل" على الأقل بين جنبلاط و "السلطة" منعاً لأي انزلاقات خطيرة من غير ان يعني ذلك انّ "حزب الله" حيادي في السياسة... في غضون ذلك إذاً، تستعد المعارضة لمواصلة الخطوات التالية بعد "البريستول"، ومن أهمّ الخطوات اعداد مشروع المعارضة لقانون الانتخاب.
في هذا المجال، يقول اركان في المعارضة المسيحية على تواصل دائم مع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، انّ لدى سيد بكركي جملة مفتاحية هذه الأيام هي "حق اللبنانيين في اختيار ممثليهم بحرية"، وهو ينظر إلى الانتخابات النيابية المقبلة قانوناً وإشرافاً تحت سقف هذا العنوان.
يستقبل البطريرك الكثيرين موالاة ومعارضة ويردّد أمامهم هذه الجملة. ويشدّد على المراقبة الدوليّة لنزاهة الانتخابات وحججه في ذلك كثيرة: طالب بداية بحكومة محايدة لادارة المسألة الانتخابية فأجيب من قبل "السلطة" وموالاتها انّ هذا الامر يغدو يوماً بعد يوم أمراً متعذراً كفكرة وكوقت، لا أحد ينجح في إقناعه بأنّ الحكومة الحاليّة نزيهة ومجردة، وهو يردّد انّ الحكومة اذا كانت مقتنعة بأنّها تمثل الأكثرية الشعبية وبان الاكثرية تقف بجانبها فلماذا تخاف المراقبة الدوليّة التي يمكنها ان تشكّل مخرجاً من أزمة الثقة التي ستعمّقها الانتخابات؟
القضاء دائرة انتخابية
وفي اعتقاد البطريرك كما ينقل عنه المقرّبون انّه لا بديل من أحد خيارين امّا الحكومة المحايدة وامّا المراقبة الدولية ان لم يكن الخياران معاً وذلك من أجل تأمين سلامة العمليّة الانتخابية. وفي تقديره انّه على الرغم من كلّ ما يعرض عليه من صيغ لقانون الانتخاب فانّه لا يزال يرى انّ القضاء دائرة انتخابية هو القانون الاسلم، ولا بدّ من العودة اليه، خاصة انّ الطائف الذي يقول باعتماد المحافظة بعد اعادة النظر بالتقسيم الاداري لم يطبق، اذ لم يحصل منذ انتخابات العام 1992 ان جرت اعادة النظر بالتقسيم الاداري بما يؤدي الى إتباع قانون الانتخاب بمستجدات البنية الادارية.
وفي ضوء ذلك، تقترب المعارضة المسيحية ممثلة بتيارها الاقرب الى البطريرك، اي "لقاء قرنة شهوان" من تبني مشروع القضاء دائرة انتخابيّة، الامر الذي يشكّل على الأرجح قاسما مشتركا بين المعارضين بمختلف تياراتهم. كما تتجه الى تصعيد المطالبة بنزاهة الانتخابات، مع تصميم واضح على قيام حكومة محايدة، طاعنة سلفاً بانتخابات لا يضمن قانونها ولا مرجعية الاشراف عليها نزاهتها وديموقراطيتها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.