توقف المراقبون ملياً خلال الساعات الماضية عند الكلمة التي ألقاها النائب باسم السبع أمام مؤتمر المعارضة في "البريستول" أول من أمس، والتي بدت للوهلة الأولى خارج النسق العام لكلمات المعارضين الآخرين عندما دعا المعارضة الى كسر حلقة التصادم مع سوريا ودعا سوريا الى القيام بالمثل أيضاً.
انقسم المراقبون حيال كلمة السبع الى رأيين. الأول يعتبر أصحابه ان عضو "اللقاء الديموقراطي" أخذ في الشكل بداية مسافة عن المعارضة فبدا وكأنه يخاطبها كصديق ناصح وليس كعضو مؤسس فيها، وانه في المضمون حمّل هذه المعارضة الشطر الأكبر من المسؤولية عن أزمة العلاقة بسوريا ولذلك طالبها بـ"المبادرة". وفيما ظن به بعض المعارضين من أصحاب هذا الرأي واتهموه ضمناً بالتراجع عن خطابه لاسيما ما أدلى به في مجلس النواب أثناء جلسة الثقة بالحكومة الحالية، فسّروا المعادلة التي أحاطت بكلام السبع في "الشكل" وفي "المضمون" على انها مؤسسة من قبله على ان ثمة آفاقاً مفتوحة لمعالجة أزمة العلاقة بين "المجتمع السياسي المعارض" والقيادة السورية، يجب المسارعة الى التكيّف معها والتقاط هذه "اللحظة". ولذلك تعامل أصحاب هذا الرأي مع كلمة السبع على انها تتضمن انتكاسة في الموقف السياسي.
كلام السبع يكشف "جهنم"
أما الرأي الثاني وعكَسه أركان في المعارضة فقد قرأ أصحابه مداخلة النائب السبع قراءة مختلفة، مركبة إذا جاز التعبير، وحدّد في هذا المجال زوايا نظر عدة:
1 ـ ان ما قدمه السبع يقع تماماً في صميم المعارضة وليس خارجها، وهو إذ بدا وكأنه أخذ مسافة معينة، فإنما كان يفعل من أجل حسن التعبير عمّا يطرحه من غير الاندماج في مصطلحات الإطار المعارض، لا بل ان ما قدمه يصح اعتباره صياغة أخرى للخطاب المعارض بالمضمون نفسه.
2 ـ وما يقدمه السبع ينطلق من خوف كبير لم يتردد في الافصاح عنه، من أن تكون "السلطة" في وارد استدراج "جهنم ثانية" على أبواب الانتخابات النيابية أو أن تكون في صدد التخطيط لها.. أي انه يخشى من أن تكون البلاد ذاهبة بفعل الاستقطاب "المتساوي" بين "السلطة" والمعارضة الى "طقّة" خطيرة تسبق الانتخابات فتحولها من محطة ديموقراطية الى محطة تفجيرية، ولانه مقتنع بأن هذه "السلطة" لا تتصرف بحكمة ومسؤولية فإنه خاطب "ضمير" المعارضة.
3 ـ وما يقدمه السبع يصدر عن شعور بأن الصراع السياسي بلغ الذروة، وبعدها فإن الاحتمالات كلها مفتوحة، فلماذا لا تكون محاولة تجنيب البلاد على قاعدة التوازن العام، شرور ما تدفع السلطة باتجاهه إذا كان ذلك ممكناً؟
..وهو في ملعب سوريا
4 ـ وما يطرحه السبع، بصياغة مختلفة، لا يخرج عن سياق مضمون ما تطرحه المعارضة في الجوهر، وبالتحديد ما يقول به رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وزعيم المعارضة النائب وليد جنبلاط، لجهة ضرورة التوصل الى تسوية لبنانية ـ لبنانية وثانية لبنانية ـ سورية، وهذا ما يعنيه السبع "الجنبلاطي" بكلامه عن "كسر حلقة التصادم" بين المعارضة ودمشق.
5 ـ تأسيساً على كل هذه المقدمات، يعتبر الأركان في المعارضة أصحاب هذا الرأي ان مداخلة النائب السبع في "البريستول" فضلاً عن كونها تأتي لتبرهن على "التنوع" و"التعدّد" في المعارضة، وإضافة الى كونها مداخلة معارضة بامتياز، فإنّها تضع الكرة ـ ضمناً ـ في الملعب السوري، لأن السبع "الجنبلاطي" مرة اخرى يعرف ان جنبلاط يواجه الوضع القائم بطرح تسووي لا يلقى إلا الصدّ حتى الآن، ويعرف ان المعارضة لا تتحمل المسؤولية عن المحطات الأخيرة من التأزم منذ التمديد وحتى اليوم، وهو من أجل أن يستطيع دعوة سوريا الى "كسر حلقة التصادم" من جانبها كان عليه أن يمر بالمعارضة، كما يعرف ـ ومعه المعارضون ـ ان دعوته هذه ستضاف الى "ملف" المبادرات باتجاه سوريا والتي لم يكتب لها النجاح.
مسعى نصرالله..
واستمرار الأفق مسدوداً
لكن، بين الرأيين حيال مداخلة السبع في "البريستول"، ثمة إشكالية يواجهها أي مسعى الى "كسر حلقة التصادم"، تتمثل في العناوين الآتية:
أولاً ـ كان الرد على جنبلاط ـ والمعارضة ـ حتى الآن برفض كل ما يطرحانه، حتى الطرح التسووي الواضح الذي شدّد عليه جنبلاط في باريس. وأكثر من ذلك تم إبلاغ جنبلاط مباشرة وعبر قنوات عدة ان طريق دمشق تمر في بعبدا تارة وانها تمر في عنجر تارة اخرى، وان المطلوب تالياً "كسر" المعارضة" و"استسلامها". وهذا ما لا يمكن لجنبلاط القبول به تأكيداً لمصداقيته كما قال في البريستول أمس، وبشكل خاص مصداقيته لجهة التمسك بأن يكون الحوار مع سوريا مباشراً مع القيادة السياسية وليس من البوابة الأمنية.
ثانياً ـ ولا يمكن إغفال حقيقة ان ثمة مسعى يقوم به الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله لفتح الطريق بين جنبلاط والقيادة السورية، وان هذا المسعى لم يتوصل الى نتائج، لا بل يعترف قياديون في "حزب الله" بأن المسعى "صعب جداً".
وبعد نحو ثلاثة أشهر من هذا المسعى، لم يتمكن الحزب من عرض ما هو أكثر من لقاء ثلاثي يضم الى نصرالله وجنبلاط رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات العربية السورية العميد الركن رستم غزالي، وهذا ما رفضه جنبلاط معلناً ان المسألة ليست شخصية مع العميد، بل مبدئية لان ما يريده جنبلاط هو حوار سياسي مع القيادة السياسية في سوريا، حوار بين المعارضة والقيادة في دمشق.
سوريا وعبد الناصر ولبنان وعبد الناصر
ثالثاً ـ ولم يكن جنبلاط تصعيدياً عندما ذكّر في كلمته في "البريستول" بتجربة الوحدة والانفصال بين سوريا ومصر الناصرية. وهو غالباً ما يستحضر أيضاً التجربة الشهابية اللبنانية مع مصر عبد الناصر. وإذا كان الزعيم الاشتراكي أراد ايصال رسالة تفيد ان سوريا نفسها عانت من التدخلات الأمنية المصرية ومن ممثلي عبد الناصر لديها الى أن كان الانفصال، ومع انه لم يذكّر بأن عبد الناصر لم يقمع الانفصال مع انه كان قادراً على ذلك "مادياً"، فإن الرسالة الرئيسية التي كان يوجهها هي ان العلاقة اللبنانية ـ السورية يجب أن تكون سياسية.
"المصدر المسؤول" يردّ على ماذا؟
رابعاً ـ لم تكد ساعات قليلة تمضي على نهاية "لقاء البريستول"، حتى رد "مصدر مسؤول" على جنبلاط، زعم ان الاتصالات التي جرت مع رئيس "التقدمي" كانت لطمأنته بعد أن "استجار بنا" بخصوص أمنه. والحال ان جنبلاط لم يكن في تصريحه السبت الماضي "يستجير" بأحد بل كان يحمّل مسؤولية ما قد يحصل له للأجهزة الأمنية. والحال أيضاً انه عندما أعلن رفضه اي "حوار أمني" وعندما شدد على رفض مقايضة أمنه الشخصي بموقفه السياسيّ لم يكن يستقوي على أحد أو يتحدى أحداً. واللافت انّ رد "المصدر المسؤول" جاء في وقت كان جنبلاط "يستفتي" الاصدقاء حول كلمته في "البريستول" والتي كان مقتنعا باعتدالها صياغة ومضمونا. ولم يعد واضحا ما اذا كان رد "المصدر المسؤول" الذي كشف "عمليا" ان الاتصالات كانت بغاية تفشيل لقاء المعارضة، رداً على كلمة هادئة للزعيم الاشتراكي او رداً على اعلان تمسكه بالصداقة الشخصية والسياسية مع الرئيس رفيق الحريري، وتعبيرا عن شعور بفشل محاولة زرع الشك بين اطراف المعارضة والفشل في فك عرى العلاقة بين جنبلاط والحريري.
اذا، على الرغم من المضمون "المعتدل" لكلمة جنبلاط حيث تمسك بمواقفه الرئيسية وأبدى استعداده لحوار سياسي مع القيادة السياسية السورية ومع "الحكم اللبناني اذا اراد" على اساس وثيقة المعارضة، وعلى قاعدة الطرح التسووي الذي ما دونه يصبح الامر استسلاماً من قبل المعارضة وإلغاءً لها في وقت لا ترى انها ضعيفة، جاء الرد ثانية بالصدّ.
"الطقة" مرغوبة من "السلطة"
وهنا، يقول الاركان في المعارضة اذ يستعيدون مداخلة السبع انّ ما طرحه جدي جدا، ولا يتناقض مع جنبلاط، غير ان "مأساة" هذا الطرح تكمن بالضبط في ان ثمة انغلاقا مقابلا على المعارضة ومواقفها، ولا نية حتى الآن لـ"كسر حلقة التصادم" بل امعان في النهج نفسه. وبهذا المعنى، جيد ان يخرج من صفوف المعارضة صوت صادق كصوت السبع، وان كانت نتيجته الوحيدة حتى الان، البرهنة على ان مصدر "الاغلاق" في مكان آخر وليس عند المعارضة.. لا بل اكثر من ذلك، تخشى المعارضة من ان لا يكون في نية "السلطة" إلا احداث "طقة" خطيرة في الوضع السياسي، لكنها من ناحيتها مصممة على متابعة معركتها السياسية ديموقراطياً، وقد نجحت في ادارة تنوعها والتوصل الى وثيقة مشتركة يسجل لها انها الوثيقة الأولى التي تلحظ في النص نقاط الاختلاف، وقد قررت ايضا التوحد في المعركة الانتخابية، الامر الذي يعني التمسك بالديموقراطية سبيلا الى التغيير، خلافا لمزاعم "السلطة" وموالاتها بأن المعارضة انقلابية. واذا كان السبع قد اراد تذكير المعارضة بأنها "ليست انقلابا" ومع اشادة الاركان المعارضين بتخصيصه المعارضة المسيحية لدى دعوته سوريا الى الانفتاح عليها، فإن المعارضة تؤكد ان مشروعها ليس انقلابيا لا على الطائف ولا على سوريا حتى لو كانت المعارضة مدعوة من "السلطة" الى انهاء نفسها بنفسها... والاهم في نظر الاركان ان المعارضة نجحت في احداث تغيير في توازن القوى، وبعض هذا التغيير ناجم عن اخطاء "السلطة" ومركز قرارها وادارتها السياسية، وهو توازن لا ترغب في استثماره لغير صالح التسوية المنشودة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.