8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحريري لغز محيـّر.. بأي قانون يمكن أن يسير؟

في الوقت الذي تعلن المعارضة في وثيقتها المشتركة اليوم الذهاب إلى معركة سياسية عنوانها استبدال الحكومة الحالية بأخرى محايدة تشرف على الانتخابات من نقطة القانون إلى محطة النتائج وما بينهما، واضعة نصب عينيها خوض الانتخابات موحدة في كل لبنان، وفيما قد يبدو أن المعارضة لا تعير اهتماماً حقيقياً بقانون الانتخاب في حد ذاته، فإن أوساط المعارضة المستظلة تقاطع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير والزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط تؤكد أنها على العكس مما قد يكون منطبعاً في أذهان بعضهم، بدأت نقاش الصيغة الأفضل لقانون الانتخاب لجهة الدوائر الانتخابية، وأنها ستستكمل هذا النقاش قريباً.
بعض الأوساط المعارضة يرى أنه من الضروري جداً في ظل ما تمثله الانتخابات النيابية المقبلة من مفصل سياسي رئيسي في حياة البلد، وفي امتداد إدراك تيارات المعارضة كافة لهذه الحقيقة التي على أساسها اتخذ قرار التوحّد في المعركة، أن تكون المعارضة متفقة على صيغة الدوائر في قانون الانتخاب بحيث تسقط من يد السلطة الحجة القائلة إن المعارضة لا تملك مشروعاً مقابلاً، وإنها تعارض من دون تقديم البديل.
مع الطائف.. لماذا القضاء؟
وفي هذا المجال، يشير بعض أوساط المعارضة الى النقاط الرئيسية الآتية:
أولاً ـ لقد نصّ اتفاق الطائف على أن قانون الانتخاب يقوم على أساس المحافظات بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري، وهذا معناه المباشر أن قانون الانتخاب يتبع التقسيم الإداري، وأن كل تقسيم للدوائر لا يتبع التقسيم الإداري لا يعدو كونه عندئذٍ مجرد تقسيم انتخابي خاضع للحظة السياسية ومصالح فريق أو مجموعة فرقاء.. والأهم هو أن قانون الانتخاب لا يعود قانوناً "طبيعياً" عندما لا يتبع المعيار المحدد في الطائف أي التقسيم الإداري أو البنية الإدارية في البلاد.
ثانياً ـ لم تقم الحكومات اللبنانية ما بعد الطائف بـ"إعادة النظر" في التقسيم الإداري، فلم تتقدم بمشروع قانون يحدد البنية الإدارية للبلاد ـ والدولة ـ بشكل واضح وثابت، ولم يجرِ نقل البلاد الى اللامركزية الإدارية بموجب الطائف أيضاً. وأكثر من ذلك، فقد أنشئت محافظات حتى بلغ عدد المحافظات ثمانية حتى الآن، لكن قيام المحافظات الجديدة تمّ في ظروف لا يمكن معها القول إن الخطوة كانت بأفق ما ينص عليه الطائف لجهة التحديد النهائي للبنية الإدارية، ولا يمكن معها القول إن الوضع الحالي نهائي في وقت يبدو مفتوحاً بالفعل..
ثالثاً ـ ولأن المعارضة لا تتحمل المسؤولية عن التقصير السابق من جهة ولئلا تصبح الآية معكوسة فيتم تحديد الوضع الإداري بمناسبة الانتخابات بدلاً من أن يحدد قانون الانتخاب وفقاً للوضع الإداري من جهة ثانية، ولأن ما تقوم به الحكومة الحالية هو بمثابة "تفصيل" لقانون الانتخاب لا يمتّ بصلة إلى الطائف نصاً وروحاً من جهة ثالثة، فإن هذه الأوساط من المعارضة تعتبر أنه كان يجب ومنذ انتخابات العام 1992 أن يبقى قانون الانتخاب مرتكزاً الى البنية التي كانت قائمة قبل الحرب، أي أن يعتمد قانون الانتخاب الذي عُمل به في دورات 1960 ـ 1964 و1968 و1972,. إلى حين إنجاز ما يطلبه الطائف، أي أن يعتمد القضاء دائرة انتخابية وفقاً لعدد الأقضية ضمن المحافظات القائمة.
رابعاً ـ ويشدّد بعض أوساط المعارضة على أن المطالبة بالعودة إلى القضاء دائرة انتخابية ليس على الإطلاق تراجعاَ من المعارضة عن التمسك بالطائف، لأن المعارضة تسجل في هذا المجال أن قوانين الانتخاب في دورات 1992 و1996 و2000 لم تكن من ضمن الطائف نصاً وروحاً.
وحدة المعارضة
خامساً ـ وتضيف الأوساط نفسها أنها إذا كانت لا تذهب الى التشكيك بـ"شرعية" المجالس النيابية المنبثقة عن قوانين انتخاب غير سليمة، فذلك لا يعني ألا تطالب بتصحيح الخطأ وإجراء الانتخابات على أساس القضاء ينبثق منها مجلس نيابي وحكومة يتعاونان على تطبيق ما نصّ عليه، لأن لا داعي من وجهة نظر هذه الأوساط الى إعادة التذكير بأن الطائف لم يطبق في مجالات عديدة بما في ذلك مجال قانون طبيعي للانتخاب لا يُعمِل واضعوه "المقص" في جسم بنية الدولة الإدارية على قياس المصالح الفئوية.
وإذ تسارع الأوساط المعارضة الآنفة الى القول إنها وبالرغم من اقتناعها بأن القضاء دائرة انتخابية هو الآن أساس القانون الطبيعي، ستسعى الى إقناع المعارضة ككل به، من دون أن تقفل الباب بوجه نقاش يمكن أن يفضي الى "بديل طبيعي" آخر، مع التذكير بأنها لن تتأخر عن إعلان موقفها على الرأي العام في هذا الموضوع، كجزء عضوي من المعركة السياسية التي تخوض.
الحريري لغز...
قياساً إلى مواقف سابقة
غير أن الأوساط التي تؤكدّ على قرار المعارضة التوحد في الانتخابات المقبلة، تتساءل عما يمكن أن يكون موقف الرئيس رفيق الحريري الذي لا يزال يحيط تصوره لقانون الانتخاب بـ"لغز"، مكتفياً بإعلان أنه سيقول كلمته عندما تطرح الحكومة مشروعها، ملوّحاً باعتراضه على قوانين توضع تحت عنوان تحجيم هذا الفريق أو تهميش ذلك.
وتقول الأوساط إن التساؤل عن موقف الرئيس الحريري، مع أن نفَسَه اعتراضي على ما "تحيكه" الحكومة، ينطلق من مجموعة اعتبارات أهمها الآتي:
1 ـ إنّ الأخذ بالقضاء دائرة انتخابية كما في دورات ما قبل الطائف، يعني جعل بيروت ثلاث دوائر انتخابية، الأمر الذي لم يحصل في انتخابات ما بعد الطائف إلا مرة واحدة في العام 2000 وفي ظروف معروفة.
2 ـ إن الرئيس الحريري كان في دورتي 1996 و2000 من دعاة المحافظة، والأهم أنه كان من دعاة اعتماد بيروت كمحافظة دائرة انتخابية، مع العلم أنه لم يكن في العام 2000 رئيساً للحكومة التي وضعت قانون الانتخاب الذي قسّم العاصمة الى ثلاث دوائر، لا بل هو خاض الانتخابات تحت شعار توحيد بيروت عملياً احتجاجاً على تقسيمها على أساس دوائر ثلاث.
3 ـ وتضيف الأوساط المعارضة أن التساؤل عن موقف الحريري يعود أيضاً إلى خشيتها من أن يعتبر المطالبة بالقضاء دائرة انتخابية تطويقاً له من "السلطة" والمعارضة على حدّ سواء، في وقت تحرص المعارضة على ألاّ تتواجه معه في بيروت والمناطق الأخرى.
إذاً، وفي وقت تتهيأ المعارضة لمناقشة الصيغة التي سوف تتبناها في المعركة السياسية التي تبدأ انطلاقة متجددة من البريستول اليوم، وفيما تعتبر أوساط من هذه المعارضة أن القضاء هو الصيغة الأسلم، تشدد على أن النقاش سيكون محكوماً إلى سقف الوحدة، وتحرص إذ تتساءل عن "لغز" موقف الحريري على ألا تحرجه، بينما هي في معرض تركيز المعركة ضد "السلطة" وحكومتها.
وعليه، وفي انتظار تبلور المواقف أكثر فأكثر، لكن في ظل الاعتراض على ما "تفصّله" الحكومة، لا يخفى على المراقبين أن موقف الرئيس الحريري يشكّل بيضة القبّان، وأن المعارضة تبدو للوهلة الأولى قابلة للتوحد خلف قانون يعتمد القضاء دائرة انتخابية. ويبقى السؤال الآتي مطروحاً: لماذا يحيط الحريري موقفه بـ"لغز"، وإلى متى سيستمر محيّراً للآخرين؟ وهل يستطيع البقاء متفرجاً إلى أن تفصّل الحكومة مشروعها؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00