8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط مستهدَف ليس لأنه "يطوٍش" بل بالضبط لأنه "يصيب"

قبل الحديث عن إزالة أعمدة الحماية الأمنية من أمام منزل رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط وحوله، وعما تهدف إليه هذه الخطوة الاستفزازية، تتوقف الأوساط السياسية بداية عند محاولة الإجابة عن سؤال مركزي هو: ما الذي يزعج "السلطة" في وليد جنبلاط؟
الثوابت التسووية
عن هذا السؤال، تجيب الأوساط محددة العناوين الرئيسية الآتية:
أولاً ـ مبكراً جداً وقبل شهور من التمديد لرئيس الجمهورية، أعطى الزعيم الاشتراكي إشارات سياسية واضحة الى أن بقاء الوضع على ما هو عليه سيُفضي عاجلاً الى نتائج كارثية سواء بالنسبة الى لبنان أو بالنسبة الى سوريا والعلاقات اللبنانية ـ السورية، وذلك على الصعد السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية.
إذاً، لم ينتقل جنبلاط الى المعارضة بعد التمديد أو لدى اتخاذ قرار التمديد. أعلن اعتراضه ومعارضته قبل ذلك عندما جهرَ بأنه لن يعود الى الحكم بعد الاستحقاق الرئاسي، وزاده التمديد اقتناعاً بالمعارضة لأنه عنى أن البلاد سوف تدار في المرحلة المقبلة بطريقة تقود الى انهيار على المستويات كافة. وعندما كان جنبلاط يقول إن خيار التمديد غير شعبي لكنه في المقابل مستعدّ لمسايرة سوريا إذا كان التمديد خيارها، كان يقرن ذلك بالقول إنه سينتقل رسمياً بعد ذلك الى المعارضة أي عدم المشاركة في الحكومة. لكن الأهم هو أن جنبلاط كان بمواقفه وتصريحاته يقدّم لسوريا "نصيحة" بعدم تمديد ولاية إميل لحود أو تجديدها لئلاّ تضع سوريا نفسها في موقع يصعب برأيه الدفاع عنه.
لم يغدُر بدمشق
ثانياً ـ لم "يغدر" وليد جنبلاط بدمشق إذاً، فهو لم يعط القيادة السورية وعداً ثم انقلب عليه فجأة. بل أكثر من ذلك عندما حاول تصديق أن ثمة رغبة في ما سمّي آنذاك "لبننة الاستحقاق الرئاسي"، لم يكتف الزعيم الوطني بالمجاهرة برفض التمديد، وكان آنذاك يتهيّأ لشرح حيثيّاته أمام القيادة السورية مباشرة، بل هو عمَدَ الى صياغة "وثيقة النقاط العشر" التي تبنّاها "اللقاء الديموقراطي" بعد ذلك، وفي هذه الوثيقة وتحت عنوان "اللبننة العربية"، المصطلح الذي أراد به التميّز عن "اللبننة"، خشية فهمه انقلاباً على العلاقة بسوريا، قدّم جنبلاط مشروع تسوية هي نفسها التي يدافع عنها اليوم على الرغم من الأزمة بينه وبين دمشق، وقوام مشروع التسوية هذا، نقاط رئيسية عدة: تصحيح العلاقة بسوريا بتحريرها من المداخلات الأمنية التي انتقلت بهذه العلاقة الى "ما دون السياسة" و"المصالح الاستراتيجية" أولاً، ومنع اكتمال تشكّل النظام الأمني في "أحشاء" العلاقة بسوريا ثانياً، ونشوء وضعية شبّهها وليد جنبلاط بـ"الحكم الذاتي" تارة وبالتجربة الشهابية مع مصر عبدالناصر تارة أخرى ثالثاً، وحماية المقاومة في جنوب لبنان بوصفها عامل ردع دفاعي في وجه إسرائيل رابعاً.. وأخيراً.
لم "يضرب أحد وليد جنبلاط على يده" كي يخطّ وثيقة التسوية هذه التي استعاد نقاطها حرفاً حرفاً في باريس في مؤتمره الصحافي بعد لقائه الرئيس جاك شيراك الأسبوع الماضي، وليس صحيحاً تالياً أنه يحاول التعامل مع القرار 1559 أو أنه "خاف" فراح يبحث عن استرضاء سوريا ليعيد فتح قنوات الحوار معها. ذلك أن التسوية هذه عُرضت قبل القرار الدولي وقبل "طامة" التمديد.
ثالثاً ـ ولم يتراجع وليد جنبلاط قيد أنملة عن مواقفه هذه بعد القرار 1559، لا بل ظلّ على اقتناع بأن بديله هو تسويتان لبنانية ـ لبنانية ولبنانية ـ سورية، فلم يطلب انسحاب الجيش السوري من لبنان بل طلب خروج الأمن من السياسة، ولم يدعُ الى نزع سلاح المقاومة بل دعا الى حمايتها في وقت لم يكن خافياً حتى على "حزب الله" أن ثمة من يعرضه للمساومة.
التسوية المعتدلة
رابعاً ـ في ضوء ما تقدّم إذاً، قد يقول بعضهم أن ليس ما فيه، في حد ذاته ما يدعو الى هذا المستوى من انزعاج "السلطة" منه، وقد يقول بعضهم أن ليس هذا هو الموضوع لأن المشكلة في مكان آخر أو أن ثمة قطبة مخفيّة في مكان ما. لكن الجواب عن السؤال المطروح، هو أن "السلطة" منزعجة من وليد جنبلاط بالضبط لأنه تسووي، وبالضبط لأنه يقدّم معارضة معتدلة، وبالضبط لأنه يجمع حوله معارضة متعقّلة، وتماماً لأن جنبلاط تسووي ومعتدل ومتعقّل هو مزعج، لأن التسووي والمعتدل والمتعقّل ليس مَن "يطوِش" بل مَن "يصيب"، ووليد جنبلاط يصيب فيما "السلطة" تريد معارضة يمكن "إلقاء القبض" عليها "متلبّسة" أو يمكن أن تقع في "شرّ أفعالها" بنفسها.
جنبلاط "همزة الوصل"
إذاً، وليد جنبلاط مستهدف لأنه "يصيب"، ومستهدف لأنه في ما يقترح قد يبدو "مشاغباً" على مشاريع صفقات بما في ذلك بشأن الـ1559، ولأنه يعتبر أن لبنان يستحق من سوريا أن ترافقه الى برّ الأمان و"تعطيه" انتقالاً سليماً من مرحلة الى مرحلة في مقابل أن "يعطيها" لبنان وفاء وتضامناً وعلاقات "استراتيجية" سليمة.. وكل ذلك في إطار تفاهمات ثنائية "حرّة" أي ليس تحت الضغوط الخارجية، بما يسمح بمواجهة عقلانية لـ"المطالب الدولية" من لبنان وسوريا وبما يؤدي الى تفكيك هذه المطالب.
بيدَ أن زعيم الجبل مزعج لـ"السلطة" لأسباب إضافية أخرى:
1 ـ لا يستنفر وليد جنبلاط أي "عصبية" طائفية أو مذهبية حياله، خصوصاً أنه لا يتقدّم على المسرح السياسي بوصفه زعيم الدروز بل بصفته زعيماً لبنانياً، معزّزاً هذه المرة بأمرين: ثقة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير بعد المصالحة التاريخية في الجبل في آب 2001، والتي لم تعد تنجح معها محاولات استحضار ماض أليم في العلاقة الدرزية ـ المسيحية أولاً، وقدرة استثنائية على المرونة في إدارة التنوّع في المعارضة ثانياً.
2 ـ يشكّل وليد جنبلاط في اللحظة السياسية الحالية "همزة الوصل" بين أطراف عدة. فهو على علاقة بالبطريرك من جهة أولى، وبالمعارضة المسيحية بكل أطيافها من جهة ثانية، وهو على علاقة بالرئيس رفيق الحريري من جهة ثالثة، ولا "يستفز" الوضع السياسي الشيعي من جهة رابعة...
التمديد تفصيل "صغير"
3 ـ و"الألذ" هو أنه فيما يأخذ بعضهم عليه وعلى المعارضة ما يسمى "التراجع" عن مهاجمة التمديد والممدّد له، ولو كان هذا المأخذ مصوغاً بطريقة "لئيمة" تتمثّل بـ"الترحيب بالتراجع"، فإن جنبلاط عندما يرفع والمعارضة شعار تشكيل حكومة حيادية للإشراف على الانتخابات قانوناً وعمليات، إنما "يصيب" النقطة المركزية، أي جعل الانتخابات النيابية المقبلة محطة لـ"التغيير" و"تصحيح الأخطاء" أي استعادة الوضع السياسي الى سياق ديموقراطي طبيعي "متلبنن". وليس في ذلك أي "سرّ" يكشف لأن التمديد غدا بعد كل التطورات مجرّد تفصيل "صغير" و"عابر" إلاّ بالنسبة الى بعضهم.
سياسة "التطفيش" الفاشلة
لكل هذه الاعتبارات مجتمعة، يزعج وليد جنبلاط "السلطة"، ولهذا فإن "السلطة" تسعى الى "شلّ" حركته السياسية التي جعلت منه زعيماً للمعارضة وبـ"قامة" دولية أكدتها زيارته الأخيرة الى فرنسا. ولأن إلغاءه "جسدياً" وسياسياً غير ممكن، وهو "ممنوع"، كانت رسائل عدة وجّهت إليه، من محاولة اغتيال رفيقه النائب مروان حمادة، الى حملات تخوينه، الى محاولة استخدام ما يمكن تسميته اصطلاحاً "إرهاب الشارع" سواء عبر "تظاهرة المليون"(!) في ذهن بعض منظميها أو عبر "مناشير الأزقّة". غير أن الأخطر في ما لجأت إليه "السلطة"، تمثّل في إزالة أعمدة الحماية الأمنية من أمام منزله وحوله، وهذا الإجراء يهدف الى إزعاج جنبلاط عبر الآتي كما يقول العارفون:
أ ـ إشعاره بأن أمنه الشخصي مهدّد لأنه مكشوف، وأن حمايته لا تأتيه إلا من "السلطة".
ب ـ إشعاره نتيجة لذلك أن إقامته في بيروت غير مرغوبة وأن المطلوب "تطفيشه" من العاصمة. وفي هذا المجال تتردّد تسريبات عن كيفية جعل إقامته في بيروت "مستحيلة"، وذلك بتحريك مجموعات موتورة ومحميّة حول منزله بـ"عراضات".
ج ـ وإذا تحقّق لـ"السلطة" ذلك وانتقل جنبلاط الى الإقامة في المختارة، تلاحقه هناك تدابير أمنية تقطع طرقات الجبل عليه، فلا يكون أمامه غير مغادرة البلاد، كما تؤكد معلومات "أمنية" يجري ضخّها.
د ـ والهدف هو قطع التواصل بين المعارضين، لا سيما أن "السلطة" تبدو مذعورة من توصّل المعارضة الى وثيقة مشتركة ستعلن في الساعات المقبلة، ومذعورة أكثر لأنها في الوقت الذي لم تجد صيغة لقانون الانتخاب يلغي المعارضة أو يهمّشها، تخشى تشكيل المعارضة "محدلة" انتخابية.
"السلطة" و"سلاح الفوضى"
بيدَ أن "السطة" التي تستحضر للغايات الآنفة لغة الحرب ومفرداتها وتقف على حافة اللعب بالنار، يجب أن تكون على معرفة بأمرين على الأقل. الأول هو شجاعة وليد جنبلاط الموروثة عن "الجنبلاطية السياسية" تاريخياً، والثاني أن ليس في قدرة "حركات" من هذا النوع أن تغيّر في الواقع السياسي شيئاً، أي أن تفصّل توازن قوى كما تشتهي، لا بل إن هذا الكمّ الهائل من الأخطاء "مفرحٌ" للمعارضة التي مع ذلك تخشى خطراً ليس عليها لكن على البلد، من أن تكون "السلطة" مُقْدِمَة على تجريب "سلاح الفوضى" بدلاً من التسليم بمسار ديموقراطي حقيقي، وهو في النهاية سلاح الضعفاء ولا يدلّ على قوة. فهل يصحو الرئيس عمر كرامي على ما يستدرج الى تغطيته؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00