لا توفر "السلطة" وموالاتها فرصة في محاولة لشق صفوف المعارضة وذلك في مسعى الى تمهيد المسرح السياسي للانتخابات النيابية التي جعلتها التطورات المفصل بين مرحلة ومرحلة. وفي هذه المحاولات التي تبذلها "السلطة" استعادة لأساليب قديمة لم تُجدِ نفعاً في حينها، ومن الواضح انها لا تجدي نفعاً اليوم.
1 ـ لم تنقطع محاولة الفصل بين البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من جهة والمعارضة المسيحية المقربة منه في إطار "لقاء قرنة شهوان" من جهة ثانية. وتحاول "السلطة" وموالاتها أن تقولا ان لكل من بكركي و"القرنة" خطه السياسي ولا يلتقيان. وان البطريرك واقعيّ ويتعامل مع الوقائع التي أفرزها التمديد بينما "القرنة" تبتعد عن الخط البطريركي الواقعي في كل المفاصل. والحال هنا ان "السلطة" تبني على سراب، على اعتبار ان البطريرك والمعارضة المسيحية المقربة منه يعبّران عن خط واحد، كل على طريقته نظراً الى اختلاف الموقع، لا بل لم تتمكن "القرنة" من بلوغ السقف الذي بلغه بيان مجلس المطارنة الموارنة في الأول من أيلول الماضي قبيل جلسة مجلس النواب للتمديد، وقد جرت صياغة "النداء" على شكل "مضبطة" اتهامية لمرحلة تاريخية تمتد منذ اتفاق الطائف. والأهم انه كلّما روّج أهل "السلطة" ان المسافة تبتعد بين بكركي والمعارضة، يفاجئهم البطريرك بموقف "عالٍ"، كما جرى قبل أيام عندما انتقد بقوة "مسيرة المليون" والمسار الانتخابي على حد سواء.
ولم تنجح محاولات ثني البطريرك عن مواقفه المبدئية من قانون الانتخاب وضرورة إخضاع الانتخابات لرقابة دولية تؤمن نزاهتها، على الرغم من كثرة الموفدين سواء كان الموفد وزيراً حالياً أو أكثر أو وزيراً سابقاً أو باحثاً انتخابياً أو مقرباً من "السلطة".
جنبلاط ـ صفير والحريري ـ جنبلاط
2 ـ ولم تنقطع محاولة الفصل بين البطريرك من ناحية ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط من ناحية ثانية، عبر محاولة تحريض أحدهما على الآخر وتحذير الأول من الثاني، وخلق مخاوف لدى كل منهما، تارة تحت عنوان ان جنبلاط سيأخذ المسيحيين في طريقه وان عينه على إطاحة رئاسة الجمهورية، وتارة بتسريب ان جنبلاط ليس منتبهاً الى ان البطريرك لن يماشيه طويلاً وان المسيحيين (المعارضين) لن يستمروا الى جانبه. والحال هنا أيضاً ان العلاقة بين المختارة وبكركي قطعت أشواطاً كبيرة في ظل التقاطع في المواقف، وقد تكرّس هذا التقاطع في الخلوة بين صفير وجنبلاط في بكركي أول من أمس.
3 ـ وإذ تكتشف "السلطة" أحياناً ان محاولاتها محكومة بالفشل، تحاول تغيير تكتيكها. وفي هذا المجال سرّبت قبل نحو ثلاثة أيام معلومات عن نية "السلطة" وموالاتها التهدئة مع جنبلاط كي لا يتسع التحالف المعارض فيضم الرئيس رفيق الحريري، وعن نية "السلطة" الانتقال من مهاجمة جنبلاط الى مهاجمة الحريري، بعد ان كان التكتيك (الفاشل) يقضي بـ"تحييد" الحريري لمهاجمة جنبلاط. وواقع الأمر ان "طبخة" السلطة هنا من بحص، لان العلاقة بين الحريري وجنبلاط لم تكن في يوم من الأيام أمتن مما هي اليوم.
جعجع و"القوات"
4 ـ وفي سياق محاولة شق المعارضة أيضاً، سرت "شائعات" قبل أيام عن "وعد" أعطي للبطريرك صفير بالافراج "قريباً جداً" عن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وترافقت هذه "الشائعات" مع كلام عن صفقة "سلطوية" مع جعجع "تعطيه" بشري في مقابل التعاون في المناطق الاخرى. وبطبيعة الحال لم يتأخر انكشاف هذه "الشائعات" ومطلقيها عندما تبين أن لا أساس لها وان "القوات" ليست في هذا الوارد. و"الدليل" ان بياناً "مفخخاً" صدر عمّن قيل انهم "طلاب القوات" يتضمن انتقاداً لعدم زيارة النائبين المعارضين نايلة معوض وفارس سعيد لـ"الحكيم" في سجنه في إطار وفد "لجنة حقوق الانسان النيابية" (!)، نشرته "الوكالة الوطنية للإعلام" التي لا تنشر لـ"القوات" شيئاً في العادة، ونفته "القوات" بنفسها.
5 ـ ودائماً في الموضوع نفسه، أي محاولة شق الصف المعارض، ترددت معلومات عن "تفصيلة" انتخابية معينة في احدى المناطق، لمصلحة نائب معارض على حساب نائب معارض آخر، وهما حليفان في إطار لقاء معارض.
"التيار العوني"
6 ـ كذلك، لفتت طريقة تعاطي بعض "السلطة" وموالاتها مع "التيار الوطني الحر" ودعوته الى مؤتمر للحوار حول الوجود السوري، إذ حاول بعض "السلطة" التعاطي بـ"كلام ناعم"، في وقت لم يكن خافياً ان ما يريده "التيار" من "مبادرته" هو البرهنة على عدم جدية "السلطة" في الحوار، وإعطاء حجة إضافية للمعارضة. وبصرف النظر عن صياغة العونيين لـ"مبادرتهم"، فمن الواضح ان تقدماً تحقق على صعيد العلاقة بين "المعارضة العونية" والمعارضة الاخرى التي تلتقي تياراتها على وثيقة مشتركة تعلنها الاثنين المقبل.
إرتباك.. ومأزق
ويمكن الاسترسال أكثر فأكثر في عرض المحاولات "السلطوية" الفاشلة لشق "الصف المعارض"، غير ان ما تم استعراضه آنفاً يكفي للوصول الى استنتاجات سياسية رئيسية:
أ ـ ان فشل "السلطة" وموالاتها في تحقيق أي خرق على صعيد العلاقة بين البطريرك وجنبلاط، وبين البطريرك والمعارضة في إطار "القرنة"، وبين الحريري وجنبلاط، وبين التيارات المعارضة نفسها، هو تعبير عن ارتباك "السلطة" وموالاتها لا بل هو تعبير عن مأزق من يحاول بأي طريقة توفير شروط حماية وضعه ولا ينجح.
ب ـ على ان الفشل في تحقيق أي خرق على صعيد المعارضة ليس سوى "مظهر" من مظاهر هذين الارتباك والمأزق، لأن الأصل فيهما هو انكشاف هذه "السلطة" سياسياً في الداخل والخارج معاً، وهو أزمتها مع المجتمع السياسي اللبناني من جهة ومع المجتمع الدولي من جهة اخرى.
بري واقتراحه الانتخابي
ج ـ وحده رئيس مجلس النواب نبيه بري من ضمن "لوحة الموالاة"، يبدو واعياً بعمق لطبيعة المرحلة، والاقتراح الذي يطرحه باعتماد المحافظات الخمس مع النسبية هو انعكاس لهذا الوعي، خاصة عندما يقدم بري حيثيات اقتراحه وفيها ان المحافظات مع النسبية "قد" تؤسس لـ"تسوية" على أساس "السيطرة" على توازن قوى المجلس النيابي المقبل بأكثريته المطلقة وبزيادة قليلة، في مقابل دخول المعارضة بقوة الى المجلس. فالرئيس بري "يقرأ" بدون شك ان التوازن السياسي العام في البلاد لم يعد كما كان عشية انتخابات العام 2000 مثلاً، أي ان البلد لم يعد كما كان فيه أكثرية ـ محدلة ونتوءات معارضة مبعثرة يمكن أن تُحدل، بل ان المعارضة تستطيع اليوم أن تكون لها محدلتها، ولذلك يحاول بري إنقاذ "السلطة". لكن لا شك ان اقتراح بري الذي لا يبدو ان ثمة آذاناً صاغية له على مستوى "السلطة" ومركز قرارها، ليس ما تريده المعارضة التي لا تنجذب الى اقتراح يحدد سقفاً مسبقاً لتوازن القوى، التوازن الذي ترى المعارضة ان انتخابات حرة بمرجعية حيادية من شأنها أن تفتحه ( التوازن) على احتمال آخر.
المشهد السياسي.. معسكران
د ـ في ضوء كل ما تقدم، لا شك في ان المشهد السياسي اللبناني الراهن يفيد ان ثمة معسكرين: معسكر "السلطة" وموالاتها مرتبك وبالكاد يستطيع تحصين دفاعاته، ومعسكر المعارضة السائر الى مزيد من التماسك.. والتوحد انتخابياً، وهذا مشهد لم يكن موجوداً منذ انتخابات العام 1992 لأسباب شتى، ولذلك لا تستطيع "السلطة" إعطاء إشارات قوة ولا تستطيع إدعاء ان وضعها مرتاح.. و"محسوم"، خاصة ان المعارضة تضم في ما تضم "أكثريات" مناطقية وطائفية وسياسية في مقابل موالاة ينحصر نفوذها "الأكثري" في "أمكنة" قليلة والباقي منها "أقليات".. طبعاً في مجال الحديث هنا عن "بلوكات" تلعب دورها في الانتخابات.
هـ ـ ولا شك أخيراً ان استمرار "السلطة" وموالاتها في مهاجمة المعارضة والمحاولات الفاشلة لشق صفوفها والأخطاء الثمينة التي ترتكبها، في مقابل المنعطف في تاريخ المعارضة في عهد الطائف، لا شك في ان ذلك كله الذي سيزيد المعركة السياسية احتداماً خلال الأسابيع المقبلة، سوف يرسم خارطة سياسية مختلفة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.