8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"أكرَنة" الانتخابات النيابية.. و"ثنائية الاستقلال" بين المختارة وبكركي

في معرض دفاعه عن اعتماد المحافظات الخمس مع النسبية في قانون الانتخابات العتيد، يقدم الرئيس نبيه بري حجتين رئيسيتين. الأولى هي ان اعتماد هذا القانون يجعله هو يخسر عدداً من النواب في عضوية كتلته في مقابل قدرته على تعويض ما يخسره في الجنوب في دوائر أخرى على أساس النسبية. ويقول في هذا المجال أن مراجعته لنتائج انتخابات العام 2000 أفضت الى استنتاج ان النسبية لو اعتمدت آنذاك لوفرت للمعارضة خرقاً بخمسة مقاعد للائحة "أمل" ـ "حزب الله"، وبالتالي ليست الخسارة العددية كبيرة وتستحق أن ينظر فيها والتنازل لحصولها اذا كان المقابل هو استقامة الحياة السياسية ديموقراطياً.
طرح بري الانتخابي وقراءة المعارضة
أما الحجة الثانية الأهم، فهي أن اعتماد النسبية على أساس المحافظات لا يحدث تغييراً "جذرياً" في توازن القوى في المجلس النيابي الجديد، إذ تضمن "الموالاة" أو قوى الخط الحليف لسوريا أكثرية مرتاحة في مقابل الدخول القوي للمعارضة بمختلف تياراتها الى المجلس. ويضيف أن "قوى الخط" ليست بحاجة الى امتلاك ما يزيد عن ثلثي أعضاء المجلس ولا بحاجة الى منع تشكل الثلث المعطل، لأن هذا الأمر لا يكون حاجة الا عندما يكون ثمة بحث في تعديل الدستور، وبما ان ذلك مسألة استثنائية ولا داعي الى تكرار اللجوء اليها إلا متى كان تعديل الدستور مطروحاً لعناوين وفاقية ويمكن تأمين الأكثرية الموصوفة عندئذ، فيكفي أن تكون لـ "الموالاة" أكثرية بين 65 و75 نائباً.
وعندما عُرض هذا الطرح في حلقة لسياسيين معارضين، بدا ثمة اهتمام به من زاوية ما جرى اعتباره الخلفية السياسية للطرح الذي "يغري" المعارضة بأن يكون لها تكتل نيابي كبير في المجلس المقبل. وبرزت في هذا المجال قراءتان، إحداهما تعتبر أن طرح بري ينطوي خاصة عندما يصل الى تحديد النسب بين الموالاة والمعارضة في المجلس الجديد، على فكرة تسوية تحاول إقناع "السلطة" وموالاتها بأن توازن القوى يبقى "تحت السيطرة" من ناحية، وعلى فكرة تسوية مع المعارضة تحاول إقناعها بأنها يمكن أن تحقق مكاسب من خلال حصة كبيرة في الندوة النيابية من ناحية ثانية.. على "أمل" أن تفتح الانتخابات النيابية في الربيع المقبل طريق تسوية تحت سقف توازن قوى "محفوظ". أما القراءة الثانية فيجد أصحابها ان طرح بري مع انه ينطلق من رسم مسبق لتوازن القوى وحدود تنازلات "الموالاة" من ضمنه، فانه لا يستقيم مع السلوك غير التسووي لـ "السلطة"، فضلاً عن أنه لا يمكن السير في انتخابات لا تكون نتائجها "مفتوحة" بما في ذلك على احتمال تغيير حقيقي في التوازن بشرط أن تكون هذه الانتخابات حرة ونزيهة وديموقراطية بالفعل.
اذاً، وفيما طرح الرئيس بري بدا مثيراً للاهتمام من زاوية معانيه ودلالاته السياسية، بدا في المقابل أن طرح المعارضة ينطلق، بصرف النظر عن التقسيم الانتخابي أي قانون الانتخاب في حد ذاته، من اعتبارات سياسية أخرى.
الحكومة الحيادية
1 ـ ان الانتخابات النيابية المقبلة هي المفصل السياسي الرئيس خلال الفترة القريبة المقبلة، كونها من جهة مطروحة من قبل "السلطة" وموالاتها على أنها محطة لـ"تأبيد" الوضع القائم، ومن جهة ثانية مقابلة، تمثل بالنسبة الى المعارضة محطة للتغيير وتصحيح الوضع القائم. ومن هنا "لا شيء وراءنا" لا بالنسبة الى "السلطة" وموالاتها ولا خصوصاً بالنسبة الى المعارضة.
2 ـ ان الانتخابات النيابية كي تكون محطة فاصلة بالمعنى المشار اليه، لا بد أن يحكمها قانون انتخاب عصري وديموقراطي يحقق صحة التمثيل، لكن الأهم أن تكون تحت اشراف حكومة محايدة، على أساس أن الحكومة الحالية منحازة وغير نزيهة. ويقول أركان في المعارضة ان قيام حكومة محايدة يقتضي موافقة الطرفين على تشكيلها، الموالاة والمعارضة معاً. ومن جهتها، فإنّ المعارضة مصممة على تحقيق مطلبها بتشكيل الحكومة المحايدة التي تتولى إعداد قانون الانتخاب والإشراف على العملية الانتخابية ومنع أي تلاعب بالنتائج، ما يقتضي منع تدخل الأجهزة في المسار الانتخابي ككل.
على ان أبرز ما تلفت المعارضة اليه، هو ان مطلب الحكومة المحايدة بعد أن انكشف أداء الحكومة الحالية منذ اللحظةالأولى لتشكيلها، يشكل (المطلب) محكاً لإمكان سلوك الوضع السياسي اللبناني طريق التسوية، وهذه المرة ليست تحت سقف توازن قوى مرسوم سلفاً، بل تسوية تفتح الطريق أمام ديموقراطية فعلية.
.. أو التدويل!
3 ـ وتعتبر المعارضة ان عدم موافقة "السلطة" وموالاتها على قيام الحكومة المحايدة، سيعني استدراجاً لتدويل الانتخابات النيابية اللبنانية على الطريق الأوكرانية. فليس خافياً أن المجتمع الدولي الذي يراقب عدم تنفيذ القرار 1559، يعتبر الانتخابات النيابية محكاً للالتزام بالقرار 1559 ولن يقبل بمسار انتخابي في لبنان يفضي الى "ذبح" المعارضة، تماماً كما المعارضة لن تقبل بالوصول الى يوم الانتخاب لـ "تفترسها" السلطة بكل الوسائل وفي مقدمها التدخلات. والمجتمع الدولي لن ينتظر على ما تؤكد المعلومات، حصول الانتخابات ليقول كلمته، بل ان ذهاب الدول الكبرى المعنية بالقرار 1559 الى مجلس الأمن لن ينتظر موعد تقديم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان لتقريره، وستدخل الانتخابات عندئذ في التدويل وتكون الانتخابات النيابية قد "تأكرنت".
جنبلاط وشيراك والحوار حول سوريا والـ 1559
4 ـ وفيما تبدو المعارضة ذاهبة الى "النهاية" في مطالبتها بحكومة محايدة، ومصممة على انتخابات حرة بكل معنى الكلمة، يلفت بعض أركانها الى أن الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط لم يكتف في باريس خلال لقائه الرئيس الفرنسي جاك شيراك وبعده في مؤتمره الصحافي في العاصمة الفرنسية، بعرض تسويته البديلة من التدويل أي البديلة من القرار 1559، بل هو اقترح السير فيها مباشرة وقبل الانتخابات كي لا تكون الانتخابات محطة "كسر".. لا بل هو أراد القول إن تسويته مطروحة أياً تكن نتائج الانتخابات، حتى لو حققت فيها المعارضة انتصاراً ساحقاً، وأراد القول إن تسويته تضبط ايقاع كل التيارات المعارضة.
واذا كان ما قاله جنبلاط لشيراك سراً، فان ما لم يعد جائزاً بقاؤه في دائرة السرّ، هو ان الزعيم المعارض رفض أمام الرئيس الفرنسي انسحاب الجيش السوري من لبنان بالكامل، مذكراً مضيفه بالطائف الذي يحدد تواجد الجيش السوري في البقاع ونقاط أخرى، وقال له إنه لا يوافق على "كسرة" لسوريا من هذا القبيل من منطلق الحرص على استقرار سوريا ـ ولبنان ـ ونظامها السياسي. لكنه في المقابل شدد على رفض التدخلات الأمنية، منطلقاً من تمسكه بالنظام الديموقراطي اللبناني. وبكلام آخر، لم يقدم جنبلاط ما يتجاوز دعواته المتكررة الى تصحيح العلاقة اللبنانية ـ السورية، المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى بديلاً من التدويل، في مقابل الاصرار الفرنسي على أن تنفيذ سوريا ـ ولبنان ـ للقرار 1559 هو الممر الى استعادة العلاقات الفرنسية ـ السورية، وهذا ما ستترجمه باريس عبر سفيريها الجديدين في لبنان وسوريا، ودور المراقبة اللصيقة الذي سيضطلع به السفير في بيروت برنار ايميه. فهل لأن جنبلاط كان منطقياً ومقنعاً، تواصلت الحملة عليه وخوّنته؟ وهل الدفاع عن استقرار سوريا بتأكيد استقلال لبنان واستقراره وبحماية "حزب الله" من الانكشاف الدولي، يرتب حملة التخوين؟.
جنبلاط ـ صفير: سياق اللقاء والثنائية
5 ـ على أي حال، وفيما تشير كل المعطيات بما في ذلك الحملة على جنبلاط الى ان "السلطة" وموالاتها ماضيتان في "الانغلاق" ومصممتان على دفع الوضع السياسي الى "ممرات كسر"، يكتسب لقاء زعيم الجبل بالبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير في الساعات المقبلة بعداً استثنائياً.
يقدر جنبلاط دور البطريرك ويثني عليه ويقدر ان علاقتهما لا تحمي الجبل فقط بل تشكل ضمانة وطنية ايضاً. وأدرك في باريس ان الرئيس شيراك الذي ليست له أطماع امبراطورية، يكنّ شديد الاحترام للبطريرك صفير وقد وجه له دعوة مفتوحة وحريص على العلاقة الاسلامية ـ المسيحية والدرزية ـ المسيحية. ولذلك، عندما يعود جنبلاط من فرنسا حيث حمل خطاباً مركّباً، جانبه الرئيسي استقلال لبنان وقراره الوطني بالعلاقة الصحيحة مع سوريا وبالديموقراطية، وعندما يلتقي البطريرك فانه يقابل الزعيم الروحي للمعارضة و"مرشدها"، أي الشخصية التي تتقاطع مع جنبلاط بافكاره، لا سيما أن سيد بكركي يكرر منذ فترة ليس فقط التركيز على المسألة الانتخابية ونزاهة الانتخابات، بل يرفع الصوت ضد سياسة "الانغلاق" التي تمارسها "السلطة" أيضاً، ولا "يؤخذ" بالمغازلات اللفظية التي لا تنتج شيئاً، وليس مستعداً لتقديم تنازلات لقاء خطوات يُروّج انّها ستُتخذ ويعتبرها تحصيل حاصل اذا حصلت.
من هنا، وحتى من دون إعلان، يكتسب لقاء جنبلاط ـ صفير في الساعات المقبلة معنى تاريخياً، لأنه سيكرس "ثنائية استقلالية" لا شك في انها ثنائية مطمئنة للمسيحيين والمسلمين على حد سواء.
غير أن أوساطاً معارضة إذ تلاحظ أن لقاء جنبلاط ـ صفير يسبق إعلان المعارضة عن وثيقتها المشتركة مطلع الأسبوع المقبل، وأن الدعوة الى إعلان الوثيقة تشمل كل التيارات المعارضة، و"التيار الوطني الحر" (العوني) بشكل رئيسي، تقول ان ثنائية المختارة ـ بكركي تشكل سقفاً من المهم الانضباط تحته من قبل المعارضين كافة، لافتة الى أن الحوار المتوقع بين جنبلاط والمعارضة و"التيار" سيركز على هذه المسألة، لخوض معركة معارضة ملتقية على جوامع مشتركة، ولا يخترقها أي التباس ولا تسمح لـ "السلطة" وموالاتها بـ "اللعب" عليها، لأن هذه المعركة لا تحتمل تناقضات ومنافسات فيما تحتمل تعدداً حيوياً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00