عندما وجه "الحزب التقدمي الاشتراكي" الدعوة الى إحياء ذكرى مولد زعيمه المؤسس الراحل كمال جنبلاط بـ"طريقة" مختلفة هذا العام، لم تكن المسيرة التي دعت اليها "الاحزاب والقوى الوطنية والإسلامية" قد حصلت بعد وحتى الدعوة اليها لم يكن قد جرى بتّها. وبكلام آخر، لم يكن الاحتفال الحاشد في المختارة أمس رداً مباشراً على "مسيرة المليون"، ومع ذلك فلم يمتنع المراقبون عن إجراء مقارنة بين مشهد تظاهرة بيروت والمشهد في العرين الجنبلاطي.
وفي هذا المجال، يسجل المراقبون انه بينما كانت تظاهرة الاحزاب استفتاء فاشلاً منظوراً اليها من زوايا عدة لكن من زاوية كونها اختباراً لمكان وقوف الأكثرية في السياسة بالدرجة الأولى، شكل الاحتفال الجماهيري الذي شارك فيه عشرات الآلاف من أبناء الجبل والمناطق استفتاء ناجحاً بالمقاييس والمعايير الآتية:
التجرؤ
1 ـ لقد دل الاحتشاد الشعبي الكبير في المختارة على انه ثمة تجرؤاً سياسياً غير مسبوق، يطابق الوعي السياسي الحاد بما يجري في لبنان وما يدور حوله، أي أن ليس ثمة مسافة بين الوعي وبين التجرؤ في الإفصاح عنه، وأن لا مسافة فاصلة بين ما يقوله الزعيم السياسي وما يتطلع اليه الجمهور.
2 ـ ودل الاحتشاد الشعبي الكبير أيضاً على ان وليد جنبلاط هو زعيم الجبل بلا منازع، بدروزه ومسيحييه، وبهذا المعنى فإن الاحتفال كان استفتاء شعبياً ناجحاً على زعامة وليد جنبلاط.
الانتخابات
3 ـ وإذا كانت "السلطة" في لحظة من اللحظات انزلقت الى حد اعتبار ان الانتخابات النيابية المقبلة ستكون بمثابة استفتاءبين مؤيدي القرار 1559 ومعارضيه، مصنفة وليد جنبلاط في خانة مؤيدي القرار الدولي، فإن المشهد في المختارة أمس يبرز الكمية من الجهد المطلوب من "السلطة" لتزوير الانتخابات ليتحقق هدفها في إسقاط جنبلاط، بعد أن زوّرت هذه "السلطة" الموقف السياسي لجنبلاط والمعارضة. وفي هذا السياق، لا شك في ان جماهير الجبل التي احتشدت خلف زعامة وليد جنبلاط ستفرض على "السلطة" التفكير ملياً في ما ستقدم عليه في الانتخابات.
4 ـ وإذا كان ليس جديداً اكتشاف مدى زعامة جنبلاط في الجبل، فقد كانت اطلالته في المختارة أمس وبين عشرات الآلاف من أبناء هذه المنطقة، إطلالة لبنانية عامة عبر الخطاب القصير الذي ألقاه ناطقاً باسم "الوطنية اللبنانية"، وباسم "العروبة المتنورة" وباسم الديموقراطية، فلم يكرّس نفسه زعيماً للمعارضة فقط، بل وريثاً "كاملاً" للزعيم الراحل كمال جنبلاط وخط العلاقة بالعروبة على أساس "القرار الوطني المستقل"، أي بالاختيار الحر.
الزيارة إلى باريس
ولا شك في ان زيارته الى فرنسا أعطته بعداً كبيراً، وأهم ما فيها انها أقنعت اللبنانيين بأن ثمة أفقاً للتغيير في لبنان، وهذا ما أراد وليد جنبلاط التشديد عليه بقوله "لسنا وحدنا في هذا العالم والمهم هو الصمود"، مستعيراً كلاماً لوالده الراحل كمال جنبلاط بعد زيارة الى فرنسا في ظروف مختلفة.
..والهجوم على عضوم
6 ـ وليس خافياً على أحد ان وليد جنبلاط "أخذ" من هجومه على وزير العدل بعداً استثنائياً، بُعد رجل الديموقراطية الأول في لبنان، الذي "يصيب" من جرى تصنيفه في فترة من الفترات على انه "خطّ أحمر".
وفي هذا المجال، يقول قياديون مسيحيون ان هجوم جنبلاط على الوزير عدنان عضوم يوازي بالنسبة الى المسيحيين الانفتاح السياسي الذي أبداه زعيم الجبل على البيئة المسيحية، على اعتبار ان عضوم يرمز الى قمع الحريات والى توجيه القضاء وجهة قمعية كما يقولون.
إذاً، بالمقاييس والمعايير الآنفة، شكّل الاحتفال بذكرى ميلاد "المعلم" في المختارة أمس، استفتاء ناجحاً على "صحة" المعارضة (أي وضعها الصحي) فتبين ان صحتها من صحة وليد جنبلاط بخير.
ما بعد.. المختارة وبكركي
أ ـ لما كان الاحتفال رديفاً ليوم المصالحة التاريخية في الجبل في آب 2001، ولما كان خطاب جنبلاط أمس زاخراً بحديث "العيش المشترك" و"الوحدة الوطنية"، ولما كان الجمهور المشارك خليطاً من مختلف الطوائف، فإن ما بعد الاحتفال يدفع بالعلاقة بين المختارة وبكركي خطوات الى الأمام، وهذا ما هو متوقع تكريسه في الفترة القريبة المقبلة.
ب ـ ستلتئم المعارضة يوم الخميس المقبل لإذاعة وثيقتها المشتركة على إيقاع ما حصل في المختارة، وعلى إيقاع الزيارة "التاريخية" لجنبلاط الى باريس، الأمر الذي يعني ان المعارضة سوف "تحمّي" معركتها السياسية.
ج ـ وسيكون لعشرات الآلاف صدى دولي، ذلك ان هذا الاحتشاد الذي يفضح سلفاً إمكانية تزوير "السلطة" للانتخابات النيابية، يعطي فرنسا والمجتمع الدولي مسبقاً صورة حقيقية عن شعبية المعارضة والركن الأبرز فيها، لاسيما ان شيراك كان واضحاً مع جنبلاط في التأكيد على عدم السماح بمرور انتخابات نيابية مطعون في نزاهتها من القانون الى المسار العملي.
قوة دفع للمعارضة
د ـ وستكتسب دعوة المعارضة الى تشكيل حكومة حيادية للإشراف على الانتخابات قانوناً ومساراً عملياً، مزيداً من القوة، لان المعارضة لا تنطلق من ضعف شعبي ولا تقدّم حججاً مفتعلة لمطلبها هذا، بل هي ومن موقع شعبي مشهود له، تتطلع الى جعل الانتخابات ـ بالنزاهة والديموقراطية ـ محطة فاصلة نحو التغيير.
من هنا، وعلى هذه الخلفيات جميعاً، يرى المراقبون ان مرحلة ما بعد عودة وليد جنبلاط من فرنسا، وما بعد احتفال المختارة هي غيرها ما قبلهما. فجنبلاط ليس عائداً من باريس مستقوياً بـ"الخارج"، بل يعود وقد أعطى الدليل العملي على انه يمكن بالمنطق ليس فقط الاحتفاظ بحق الاختلاف في إطار العلاقة مع فرنسا، انما أيضاً تفكيك نقاط الاختلاف، الأمر الذي لا تستطيعه "سلطة" تنطلق من حسابات وتقديرات خاطئة.
ويبقى الفارق كبيراً بين تظاهرة متسربلة بشعاراتها وفي ذهن بعض منظميها أن تكون تحدياً لـ"الآخر"، وبين احتفال يقول قولاً معارضاً لكنه لا يغلق أبواب التسويات وقد فتحها جنبلاط من باريس، الى درجة ان ثمة عقلاء في معسكر "التظاهرة" اعتبروا ان الخطاب العام لرئيس "التقدمي" في العاصمة الفرنسية كان معتدلاً ولم يكن استفزازياً.. وبعضهم قال ان في بعض ما قاله "فشّة خلق" للجميع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.