8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المعارضون يرون فرصة انتخابات حرة ممرّها إسقاط الحكومة

في ألفباء السياسة ان فريقاً عندما يبلغ ذروة التعبئة والاستنفار ولا يستطيع مع ذلك تحقيق أي من أهدافه أو أن يحدث اختراقاً أولياً يمكنه التأسيس عليه، يكون قد فشل وسلك طريق النهاية.
لقد شكلت "مسيرة المليون" التي لم يشارك فيها سوى عشرات الآلاف، فشلاً ذريعاً لـ"السلطة" بهذا المقياس. والسلطة هنا هي التي تتحمل الفشل كونها تبنت المسيرة سياسياً وعينت لها وظيفتها على أساس أن تكون استفتاء، ووضعت في تصرفها كل لوجستية "الدولة"، كما تقول أوساط سياسية عدة.
وتضيف ان التظاهرة فشلت لانها لم تجمع العدد الذي حدد لها ولا حتى عدداً يصح معه اعتبار ان المسيرة بمثابة استفتاء "جماهيري"، وفشلت لانها انطلقت من أساس تقسيمي فكانت هي نفسها تقسيمية حذفت طوائف ومناطق وفئات بحالها، وفشلت لأن بعض المساهمين في تنظيمها استحضروا لغة بائدة، وفشلت لانه تم استحضار الفلسطينيين الى الصراع السياسي الداخلي، وفشلت أساساً لانها لم تستطع إلا أن تكون "ضد شيء" وليس "مع شيء"، أي انها لم تحدد بديلاً من القرار 1559 من ناحية ولم تحدد بديلاً للانقسام السياسي من ناحية ثانية.. والبديل ليس سوى تسوية لبنانية ـ لبنانية يواجه اللبنانيون التدويل بواسطتها ويلتقون على استبدال العلاقات اللبنانية السورية القائمة الآن بأخرى سليمة وصحية، ويتفقون من ضمنها على "قسطهم" من الصراع العربي ­ الاسرائيلي، وثانية لبنانية ـ سورية تتشكل على أساسهما حكومة وفاق وطني حقيقية، أو في حد أدنى حكومة انتقالية نحو الانتخابات النيابية.
فشل "السلطة"
فشلت المسيرة، أي فشلت "السلطة". وتعتبر الأوساط أن معنى ذلك هو ان هذه "السلطة" سقطت في الشارع ولم يبق إلا أن تستخلص النتيجة. وفي التاريخ حصل ان الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول دعا الفرنسيين الى "استفتاء دستوري" فعلي في العام 1969، وأعلن يومها انه إذا لم ينل ثلثي الأصوات سيستقيل. وبالفعل نال الجنرال ديغول ما يزيد عن الخمسين في المئة واستقال مع ذلك. وبطبيعة الحال، ليس ثمّة ديغول في لبنان و"صاحب السلطة" هنا استدرج الناس الى استفتاء ولم ينل منه حتى عشرة في المئة. ولذلك وقعت هذه "السلطة" في شرك المعارضة التي لن يثنيها أي شيء بعد الآن عن المطالبة برحيل الحكومة وصولاً الى إسقاطها عملياً بعد أن سقطت سياسياً، بالوسائل الديموقراطية.
طبعاً، لا يعني فشل المسيرة ان اللبنانيين الذين لم ينخرطوا فيها هم مع القرار 1559، لكنهم بالتأكيد ليسوا مع بقاء الوضع على ما هو عليه من جوانبه كافة. ومعظم هؤلاء لا يرون تناقضاً بين لبنانيتهم وانتمائهم العربي، وبين عروبتهم والديموقراطية. واللبنانيون مسيسون في غالبيتهم، ولذلك هم يعون المفارقة الكبيرة بين دعوتهم الى التظاهر ضد الـ1559 في وقت ينقسم "فريق السلطة" بين مختلف مع القرار حول توقيت التنفيذ ومختلف معه حول ترتيب بنوده، وفي وقت تعلن العاصمة المصرية انها تبلغت من دمشق استعدادها لـ"التعامل" مع القرار 1559 ولاتخاذ إجراءات في إطار هذا "التعامل" معه.
صورة مختلفة للمعارضة
في موازاة هذه الصورة من المشهد السياسي اللبناني أي صورة "سلطة" على طريق النهاية، ثمة صورة اخرى للمعارضة التي تنجح حيث فشلت "السلطة"، كما تشرح الأوساط نفسها.
1 ـ في مقابل "السلطة" و"موالاتها" اللتين تقيمان في دائرة الانقسام والتقسيم، تبرز المعارضة قائمة أكثر من أي يوم مضى على الاختلاط سواء تمثل ذلك في العلاقة بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير أو في العلاقة بين جنبلاط والتيارات المتعددة في إطار المعارضة المسيحية. ولا تغيب عن المشهد من خارج أطر المعارضة، صورة العلاقة المتطورة بين الرئيس رفيق الحريري وجنبلاط والعلاقة الايجابية بين الحريري و"حزب الله"، كما صورة العلاقة الايجابية أيضاً بين جنبلاط و"حزب الله". ولا شك ان هذا البعد الآخر من المشهد السياسي اللبناني يفيد ان المعارضة والقوى الحية الرئيسية تشكل صمّام أمان الوحدة الوطنية.
2 ـ وفي مقابل "السلطة" و"موالاتها" اللتين تخسران يومياً "الشرعية" الشعبية ـ السياسية في نفس الوقت الذي لا تتمتعان بـ"شرعية دستورية" وافية بدليل نسبة التصويت على الثقة بالحكومة في المجلس النيابي، ولا تحظيان بـ"الشرعية الدولية"، تنجح المعارضة يوماً بعد يوم في استقطاب التأييد الشعبي وتحقق تقدماً على المستوى الخارجي ـ الدولي.
جنبلاط في باريس: اعتراف بالمعارضة
3 ـ في هذا السياق، تقع زيارة الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط الى باريس غداً، ولقاؤه بالرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزير خارجيته ميشال بارنييه.
ان هذه الدعوة الفرنسية الرسمية الى الركن الأبرز في المعارضة، والتي تلي الموقف الفرنسي المعروف من التمديد لرئيس الجمهورية، وإعلان شيراك بنفسه في واغادوغو قبل أيام ان التمديد فوّت على لبنان فرصة ديموقراطية، لا تعني (الدعوة) إلا اعترافاً فرنسيا (ودولياً) بجنبلاط وعبره بالمعارضة ككل.
4 ـ وغني عن القول ان هذه الزيارة الباريسية لجنبلاط والتي يصدف انها تأتي بعد عام بالتمام والكمال من زيارة البطريرك صفير الى باريس ولقائه الرئيس شيراك في إطار جولته الأوروبية آنذاك، انما تعني تعزيزاً دولياً للعلاقة بالمعارضة.
5 ـ سوف ينبري بعض "شتّامي السلطة" لمهاجمة جنبلاط والمعارضة ـ وربما الرئيس الحريري ـ ورميهم بشتى الاتهامات. بيد ان ذلك لن يعكس سوى التوتر الذي تمارسه "سلطة" آفلة ولن يغيّر في حقيقة ان جنبلاط بالمعادلات التي صاغها خلال الأسابيع الماضية، هو الأحرص على العلاقات اللبنانية ـ السورية الصحيحة والصحية، وعلى المقاومة وحزبها وما أبلغه جنبلاط الى المبعوث الدولي تيري رود لارسن الأسبوع الماضي واضح لجهة رفضه أي توجه الى ضرب سوريا.
الانتخابات الحرة: الحكومة البديلة
في المشهد السياسي إذاً، ثمة "سلطة" تقترب الشمس من المغيب عن "أسوار امبراطوريتها"، ومعارضة تحقق نهوضاً سياسياً، أحد عوامله فشل هذه "السلطة"، لكن عوامله الأخرى هي الاختلاط والتماسك والعقلانية، والثقة الشعبية والاعتراف الدولي.
وإذا كانت الحكومة القائمة تعبيراً عن "مرحلة انتقالية" كان مقدراً أن تنهيها الانتخابات النيابية، فمن الواضح ان هذه المرحلة الانتقالية انتهت بأسرع مما كان مقدراً، وقد ساهمت هذه الحكومة في ذلك بنفسها.. ما يعني ان المعارضة لن ترضى بالذهاب الى انتخابات نيابية مطعون سلفاً بنزاهتها، في ظل حكومة غير محايدة وطرف في تقسيم اللبنانيين.
والمعارضة التي أعلنت سابقاً ان الانتخابات تعني بالنسبة اليها القانون الذي ستجري على أساسه العملية الانتخابية ومرجعية الإشراف عليها في آن، واعتبرت ان موضوع مرجعية الإشراف أكثر أهمية من القانون نفسه، ترى الآن ان كل ما جرى وصولاً الى تظاهرة أول من أمس ودلالاتها ونتائجها، يعزز من إمكان حصول انتخابات حرة ونزيهة، وان شرط ذلك هو رحيل الحكومة الحالية وترجمة سقوطها السياسي بسقوطها العملي، لا بل ترى ان ما جرى يحفّز على المطالبة بحكم انتقالي حتى موعد الانتخابات، فيبنى على نتائجها الديموقراطية المقتضى السياسي والوفاقي والدستوري.
إذاً، سوف تشهد الفترة المقبلة احتدام المعركة السياسية حول مصير الحكومة الحالية معبراً الى الانتخابات النيابية، والمعارضة في موقع متقدم سياسياً على الصعد كافة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00