يتزامن الإعلان عن مواصلة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مساعيه لفتح الخطوط مجدداً بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط والعاصمة السورية، في أعقاب لقاء نصرالله والنائب غازي العريضي مساء الجمعة الفائت، مع مجموعة من الأحداث المحلية التي يقف جنبلاط ونصرالله منها في مواقع متقابلة، الأمر الذي يجعل السؤال مشروعاً عن أفق مساعي نصرالله من جهة وعن النقطة التي يمكن أن ترسو عندها من جهة ثانية.
وفي هذا الإطار، ولأن المسألة تتجاوز في رأي المراقبين حدود "الكلام الطيب" الذي يمكن أن يُقال في مثل هذه المناسبات (المساعي والوساطات)، يبدو أنه من المهم تحديد الخارطة السياسية "الفعلية" التي لا يمكن تجاهلها في موازاة هذه المساعي، في محاولة لـ"رسم" ما يمكن أن ينتج عنها.
جنبلاط مستمر في المعارضة
أولاً ـ في الجمعية العمومية التي عقدها "الحزب التقدمي الاشتراكي" أول من أمس الأحد، برز التقرير السياسي بوصفه البوصلة التي توجه الحركة السياسية للحزب وجنبلاط. وفي هذا المجال، من الواضح أن الزعيم الاشتراكي لا يحسم فقط بكونه على رأس المعارضة، بل هو يحاول إعادة تقديم معارضته من موقع الحرص على العلاقة بسوريا، ويسعى الى تظهير المعادلة التي التزمها خلال الفترة الماضية: إن الفصل ضروري بين التحالف مع سوريا استراتيجياً من ناحية والاعتراض على الإدارة الداخلية اللبنانية التي انتقلت من "السياسة الى الأمن" كما جاء في التقرير السياسي من ناحية أخرى، والفصل ضروري بين العلاقة بسوريا على "المستوى الاستراتيجي" وبين "القرار اللبناني المستقل" داخلياً، والنتيجة المطلوبة تسوية لبنانية داخلية وأخرى لبنانية ـ سورية بشأن العلاقات اللبنانية ـ السورية وبما يحفظ النظام الديموقراطي اللبناني.
ثانياً ـ على هذه الخلفية، يفرز جنبلاط بين القرار 1559 والمعارضة فيؤكد الرفض "القاطع" للقرار الدولي ويحمّل المسؤولية في استدراج صدوره الى "السلطة الأمنية" والتمديد لرئيس الجمهورية، ويعلن في الوقت نفسه استمرار المعارضة من أجل تصويب العلاقات اللبنانية ـ السورية على أساس الطائف، ومن أجل استعادة الوضع اللبناني الى سياق ديموقراطي فعلاً.
ثالثاً ـ إذاً، بالتزامن مع الإعلان عن مواصلة السيد نصرالله مساعيه بين جنبلاط ودمشق، لا التباس في أن ما يتطلع جنبلاط اليه هو حوار مع سوريا حول العناوين المشار اليها بما يؤدي في محطة من المحطات الى التسوية اللبنانية ـ السورية. وبكلام آخر، فإن ما يريده جنبلاط متضمن في التقرير السياسي الى الجمعية العمومية للحزب. وعلى هذا الأساس، إن ما يريده من نصرالله هو أن يقود مبادرة تصل الى وضع جنبلاط والقيادة السياسية السورية أمام حوار يُفضي الى نتائج ملموسة يرى رئيس "التقدمي" أن التوصل اليها يضمن المصلحة اللبنانية والسورية. ولا تغيب عن بال جنبلاط في هذا المجال معادلة التجربة الشهابية مع مصر جمال عبد الناصر، معادلة الشراكة الاستراتيجية مع سوريا في العناوين الكبرى والاستقلال الداخلي في آن معاً. وبمعنى من المعاني، إن حرص جنبلاط على أن يقوم نصر الله بمبادرة في هذا الاتجاه، يعني أنه ليس في صدد "الانقلاب" على مواقفه خلال الشهورالماضية، لكنه في الأساس حرص نابع من اقتناعه بأنه حليف "حقيقي" لسوريا، وبأن الاتفاق اللبناني ـ السوري هو المخرج من "مأزق التدويل".
ماذا يريد كل من جنبلاط ونصر الله من الآخر؟
رابعاً ـ وبما أنه لا يمكن القول إن ما يريده جنبلاط من مساعي نصر الله هو حتماً نفسه ما يرجوه الأمين العام لـ"حزب الله" من هذه المساعي، وبما أنه لا يمكن القول أيضاً إن سوريا على استعداد حتماً لقبول توجه من هذا النوع، فإن السؤال يصبح على النحو الآتي: ما هي احتمالات نجاح نصر الله في الوصل بين المختارة ودمشق؟
1 ـ الاحتمال الأكثر تفاؤلاً هو نجاح السيد نصر الله في مبادرته بمعنى وضع جنبلاط والقيادة السياسية السورية وجهاً لوجه وبدء حوار بينهما، والاحتمال الأكثر تشاؤماً هو الفشل، وذلك تبعاً للنظرة الى المعلن من المواقف من جانب جنبلاط كما من جانب سوريا، بمعنى أنه إذا أخذت في الاعتبار العوامل "الظاهرة" يكون الاحتمال الأرجح الفشل، وإذا أخذت في الحسبان إمكانية وجود حسابات غير معلنة أو قدرة السيد نصر الله على الإقناع في دمشق، يكون الاحتمال هو النجاح عندئذٍ.
2 ـ بين هذين الحدين، يمكن افتراض أن ثمة مصلحة لجنبلاط في أن يترك "أثراً" في "حزب الله" بمعنى أن "يتفهم" الحزب ما يقوله "الاشتراكي" ورئيسه أو أن يؤيد بعضه خصوصاً أن "حزب الله" كان أعرب في مناسبات عدة عن امتعاضه من عدد من العناوين الداخلية. وفي المقابل يمكن افتراض أن ثمة مصلحة لنصر الله في أن يترك "أثراً" في جنبلاط لجهة فرزه بنسبة أو بأخرى عن سائر المعارضات واعتبار أن له خصوصية مختلفة.
3 ـ ويمكن افتراض أن جنبلاط يرغب في كسر حدة الهجوم الذي يتعرض له من جانب "الموالاة" بأن تشكل علاقته بنصر الله خرقاً لصفوف هذه "الموالاة" عبر قوة يحسب لها حساب كبير، كما يمكن افتراض أن "حزب الله" يرغب في كسر حدة المواقف منه ومن مقاومته بأن تشكل علاقته بجنبلاط خرقاً للمعارضة عبر طرف يشكل وجوده في المعارضة شرطاً لازماً لتوحد مواقفها.
4 ـ وأخيراً يمكن افتراض أن كلا الطرفين يتطلع الى "تحييد" الطرف الآخر، أي أن "يحيّد" جنبلاط "حزب الله" عن الصراع السياسي ضده وأن "يحيّد" نصر الله جنبلاط وحزبه عن الصراع السياسي ضده.
"الحد الأقصى" والحد الأدنى
إن استعراض هذه الاحتمالات جميعاً، يفيد "منطقياً" أن الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه مساعي قائد "حزب الله" هو فتح طريق دمشق أمام الزعيم الاشتراكي عبر إنضاج ظروف حوار "عميق"، وأن الحد الأدنى للعلاقة بين "حزب الله" و"التقدمي" هو مساهمة كل منهما في "تحييد" الآخر تبعاً لزاوية نظر كل منهما الى دور الثاني في "معسكره"... من غير إقفال الباب أمام الاحتمالات الأخرى. وفي جميع الأحوال، لا شك في أن لسوريا دوراً مقرراً في إنتاج أي من الاحتمالات السالف ذكرها.
على أن ما ينبغي تسجيله، ومساعي نصر الله لم يتضح أفقها "الأخير" بعد، أن العلاقة بين "حزب الله" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" في ضوء استعادتها لقدر من الحرارة في الأيام القليلة الماضية، أعطت نتيجتين إيجابيتين على الأقل. النتيجة الايجابية الأولى تتمثل في تمكين جنبلاط من قيادة المعارضة بطريقة أكثر "موضوعية" وهي على مسافة أيام قليلة من إطلاق وثيقتها المشتركة وإقرار خطة تحركها، فيما تتمثل النتيجة الايجابية الثانية في تصرف "حزب الله" بنسبة ملحوظة من "التميّز" في إطار الأحزاب الداعية الى تظاهرة اليوم، وقد تجلى هذا "التميّز" بسيل التوضيحات التي أطلقها مسؤولوه حول "وظيفة" المسيرة والنأي بها عن التهديدات الداخلية من جهة، وبالزيارة التي قام بها وفد من الحزب الى بكركي أمس واللقاء بالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من جهة أخرى.
نتيجتان ايجابيتان.. و"قوة فصل"؟
هاتان النتيجتان الايجابيتان اللتان قابلهما جنبلاط بموقف "مخفف" من المسيرة لم يخلُ مع ذلك من "تحذير" من تعميق الانقسام السياسي وقد سارع الى محاولة نزع الفتيل برفضه وضع المعارضة في خانة الـ1559 بإعلانه أنه ضد هذا القرار من "الضفة المعارِضة"، هما نتيجتان يمكن التأسيس عليهما. ذلك أنه ليس بسيطاً أن يقيم طرفان أحدهما في المعارضة (جنبلاط) والثاني خارجها ما يمكن تسميته "قوة فصل" بين المتصارعين.. هذا إن نجحا. وفي المناسبة، وإذا جرى خفض سقف التوقعات والتواضع في الطموح، فإن التوصل الى هذه المعادلة ليس أمراً "قليلاً" إن تم تحقيقه.
على أي حال، تتكفل الأيام المقبلة بتوضيح مسار العلاقة بين جنبلاط ونصرالله وحزبيهما ومسار علاقة جنبلاط بدمشق، بيد أن ما يتفق المراقبون بشأنه هو أن أي حركة سياسية باتجاه "امتصاص" عوامل "التفجر" تلقى صدى ايجابياً على المستوى اللبناني العام، ولذلك فحتى لو كان "حزب الله" و"الاشتراكي" في مواقع متقابلة في العديد من المواقف، فإن وعي أهمية اجتياز "المطبّات" يستحق المتابعة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.