عندما اطلق الرئيس عمر كرامي تسمية "تظاهرة المليون" على التظاهرة التي تنظمها "الاحزاب والقوى الوطنية والاسلامية" الثلاثاء المقبل احتجاجاً على القرار 1559 وما يتضمنه من بنود، اتجهت الانظار صوب "حزب الله" باعتباره الحزب الأقوى والأكثر تنظيما والاكثر قدرة على التحشيد، لمعرفة "الأصل" في فكرة التظاهرة واعتبارات توقيتها السياسي الذي بدا للمراقبين انه توقيت للرد على مسيرات شبابية جرت في ذكرى عيد الاستقلال قبل اكثر من اسبوع... ولمعرفة من اين سيتم استحضار مليون متظاهر.
في هذا المجال يروي ممثل "حزب الله" في "لقاء الأحزاب" الحاج محمود قماطي تسلسل المحطات وصولاً إلى إعلان التظاهرة وموعدها في الثلاثين من تشرين الثاني /نوفمبر الجاري.
أصل الفكرة فجر 3 أيلول
يقول قماطي إن الفكرة فكرة "حزب الله" أساساً، وقد طرحت كمبادرة مباشرة في اليوم نفسه لصدور القرار الدولي فجر الثالث من ايلول الماضي، وقد طرحت في اجتماع الاحزاب تحت عنوان "المسيرة الشعبية الكبرى" للاحتجاج على الـ1559. ويضيف ان الحزب حض على هذه الخطوة لان "القرار خطير ويجب ألا نمر به مرور الكرام".
ويلفت الى ان الاجتماع الحزبي تبنّى الاقتراح في المبدأ آنذاك فغدت المبادرة تتجاوز الحزب نفسه الى عدد آخر من الاحزاب، "بيد انه كان ثمة رأي آخر بالنسبة الى التوقيت". ولم يشأ قماطي الكشف عمّن تكون الجهات الحزبية التي ارتأت التريث في تنفيذ التظاهر، لكنه يوضح في المقابل ان الداعين الى التريث في التنفيذ كانوا يأملون ان تنجح المساعي الديبلوماسية في الامم المتحدة "فتكون فترة الشهر التي حددها القرار 1559 للأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان لإعداد تقريره عن تطبيق هذا القرار، فترة مرونة". ويشير الى ان اصحاب هذا الرأي أعلنوا في حينه "تفضيل عدم التعبير عن الاحتجاج على القرار بمستوى عال بما يستفز الخارج، وأن لا ضرورة لذلك الآن، ولتترك الخطوة لموعد آخر".
بحسب القيادي في "حزب الله"، فان الفكرة انطلقت من الحزب وجرى تبنيها في الاطار الحزبي وان كان حصل اختلاف في تقدير الموعد الأنسب.
انفلات المواقف الاميركية والفرنسية والبريطانية
"مرت فترة الشهر وصدر تقرير أنان"، يقول قماطي ويسجل ان "الامور سارت نحو الأسوأ وبلغت مرحلة لا يمكن السكوت عنها"، والمؤشرات على ذلك "تصريحات السفير الاميركي (جيفري) فيلتمان، وتصريحات السفير الفرنسي فيليب لوكورتييه خلال جولته الوداعية على المسؤولين، والتصريحات البريطانية". ولم تقف الامور عند هذا الحد، اذ حصل، يقول مسؤول ملف العلاقة بالاحزاب في "حزب الله"، ما يمكن تسميته "تهديد خارجي، وتلميح اميركي بضرورة السماح بالتظاهر لمؤيدي القرار 1559 في لبنان وبات ثمة تدخل اميركي في التفاصيل".
دعوات التريث انتهت
عندئذ "لم يعد للكلام عن تريث اي موجب فلا تم التراجع عن الـ1559 ولا تحسن الموقف الدولي ولا هو اكتسب قدراً من المرونة كما كان يفترض بعض الاحزاب، بل على العكس زادت وتيرة التصعيد والتدخل والضغط على لبنان وسوريا". ويعلن قماطي هنا: آن الأوان لإسماع الصوت الشعبي بكثافة رفضاً للقرار 1559 وإصراراً على العلاقات اللبنانية ـ السورية ودعماً للمقاومة التي ليست كما يسميها صانعو القرار ميليشيا. واذ يكشف انه "حتى في الاجتماع الاخير للاحزاب كان ثمة من يدعو الى مزيد من التريث"، يوضح ان "حجتنا كانت اقوى على قاعدة ان التريث اعطى نتائج سلبية وشجع الخارج على مزيد من التدخل، وشجعه على الظن اننا ومعارضي القرارفي عزلة شعبية، فاتخذ قرار التظاهر بالإجماع".
هكذا اذاً تسلسلت الامور من مبادرة لـ"حزب الله" الى مبادرة مدعومة من الاحزاب، جزئياً في المرحلة الأولى وكليا في المرحلة الاخيرة.
ويؤكد قماطي ان المسيرة يوم الثلاثاء المقبل هي "رفض للقرار 1559 ورسالة قوية ضد التدخل الخارجي بالدرجة الأولى"، لكنه يعتبر ايضا انها "ستنعكس على من يؤيد الـ 1559 في الداخل".
وينفي نفيا قاطعا اي علاقة لـ"حزب الله" بكلام بعض المشاركين في التظاهرة او الداعمين لها عن ان التظاهرة ستحسم مع من ستقف الاكثرية في الانتخابات النيابية المقبلة، ويقول في هذا المجال ان "التظاهرة هي الاستفتاء الشعبي حول القرار 1559 وهي لا تستبطن هدفا آخر، وليست الانتخابات هي الاستفتاء حول هذا القرار الذي يؤسس لمرحلة شديدة الخطورة".
"حزب الله" والتحشيد والعناوين السياسية
لكن لماذا سميت "تظاهرة المليون"؟
لا يخفي المسؤول الحزبي امتعاضه.. من هذه التسمية، ويقول ان "قرار الاحزاب بالتظاهر لم يتطرق الى عدد ولم يعلن عددا، ويضيف ان ذلك خطأ، لأننا اذا قلنا مليونا وخرج الى الشارع 200 الف متظاهر، تصبح المسيرة فاشلة لانها لم تتوصل الى العدد المشار اليه".
ويشدد في المقابل على ان "قرارنا هو تنظيم مسيرة ضخمة وحاشدة شعبيا وسياسيا يشارك فيها الوزراء والنواب والنقابات والمهن الحرة وكل هيئات المجتمع تعبيرا عن قوة الموقف". وإذ يسأل: لكن تظاهرة حاشدة على النحو الذي تتحدث عنه لن تكون كذلك الا اذا كان "حزب الله" عمودها الفقري، يجيب قماطي بسرعة "سنكون من الاساسيين في التحشيد طبعا لكن الاحزاب كافة سوف تشارك بكثافة".. ويؤكد ممازحا ردا على سؤال "لن يكون ثمة سواطير في المسيرة".
ويحرص خلال الحوار على تأكيد ان قرار التظاهر "ليس تعبيرا عن حشرة سياسية ابداً بل ان الحزب مبادر الى الدعوة لاعتماده وجزء لايتجزأ من عملية صنع هذا القرار الوطني بالجهر برفض المطالب المتضمنة في القرار 1559".
أسئلة كثيرة
عند هذا الحد، تنتهي رواية الحاج محمود قماطي لتسلسل المحطات منذ الثالث من ايلول (سبتمبر) الماضي الى الثلاثين من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. وغني عن القول ان روايته غاية في الوضوح، خصوصا ما يتعلق منها باعلانه مسؤولية "حزب الله" عن المبادرة باتجاه تنفيذ "المسيرة الشعبية الكبرى" وعن التحشيد الاساسي ضمنها. بيد ان ما لم يشأ قماطي الخوض فيه، يطرح جملة من التساؤلات على النحو الآتي:
1 ـ من هي القوى الحزبية التي استمرت الى فترة قريبة تدعو الى التريث والمزيد منه في تنفيذ التظاهر؟ وهل كانت لديها حيثيات سياسية في العمق أبعد مما ذكره القيادي في "حزب الله" في روايته؟
2 ـ من حدد رقم المليون الذي قال الرئيس كرامي انه "سمع" به؟ ولماذا حدد هذا الرقم اصلاً؟
3 ـ ما هو التأثير على الوضع السياسي الداخلي الذي تنتظره الجهات المنظمة لمسيرة الثلاثاء المقبل؟ وفي اي اتجاه سيجري "صرف" تأثير المسيرة سياسيا خصوصا في ظل كلام تهويلي يطلقه البعض نحو الداخل؟
4 ـ كيف توفق الاحزاب بين قول البعض ان المسيرة ستحسم قبل صناديق الاقتراع مع من تقف الاكثرية الشعبية وقول البعض الآخر ـ "حزب الله" مثلا ـ ان لا رابط بين التظاهرة والانتخابات"؟
5 ـ هل ستتمكن الاحزاب والهيئات الداعية الى التظاهرة، خلال الفترة الفاصلة عن موعدها، من توحيد الشعارات السياسية للمسيرة؟
وفي جميع الاحوال، ان هذه الأسئلة المباشرة وغيرها المطروح في المدى الأبعد، ستكون موضع مناقشة وتداول في الايام المقبلة، وتتعلق بما آل اليه العمل الحزبي، وبأداء الاحزاب بما فيها "حزب الله" حيال الداخل اللبناني، وبسبل الخروج من التأزم السياسي، وبكيفية صنع موازين القوى السياسية وغيرها من المواضيع المتصلة مباشرة بالتطورات في لبنان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.