8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" وسياسة الانقطاع عن الآخر والقطع معه؟

يزداد "سوء التفاهم" عمقاً في الآونة الأخيرة بين المعارضة بمختلف تياراتها من جهة و"حزب الله" من جهة ثانية، خاصة بعد المواقف نحو الداخل التي أطلقها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله وعدد آخر من القياديين. والتعبير الأبرز عن "سوء التفاهم" أو "أزمة الثقة" بمعنى أدق، كان الرد "الناعم" و"الحازم" في آن من قبل رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط السبت الماضي من المختارة، إذ اشتبه بأن نصرالله يخاطب المعارضة في معرض حديثه عن "قلة من المرتزقة" أو "قلة إسرائيلية" سياسياً، فأعلن رفضه "التخوين من أي جهة أتى".
وبصرف النظر عمّا إذا كان السيد نصرالله يقصد المعارضة كلها أو بعضها، أو لا يقصدها، فإن وجود "الالتباس" في حد ذاته له ما يبرره من وجهة نظر أوساط معارضة تسجل في هذا الصدد عدداً من الملاحظات على "حزب الله" في الشكل وفي المضمون.
القطع مع جنبلاط
أولاً ـ إن الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط يعلم أكثر من غيره من المعارضين من ناحية وبالقدر نفسه الذي يعلمه السيد نصرالله من ناحية أخرى، أن الأمين العام لـ"حزب الله" أوقف جميع الاتصالات مع رئيس "التقدمي" منذ الثاني من تشرين الأول الماضي، أي غداة محاولة اغتيال النائب مروان حمادة، بعد اتصال أجراه بجنبلاط مهنئاً بنجاة الوزير السابق من التفجير الذي استهدفه. والمعنى السياسي المباشر لتوقف الاتصالات ليس فقط توقف المسعى الذي كان نصرالله انتدب نفسه له في محاولة لإعادة فتح خطوط العلاقة بين جنبلاط والعاصمة السورية، بل هو "تطوّرَ" ليغدو حذراً موصوفاً من العلاقة بطرف يبدو أن دمشق تضعه في دائرة "الحظر".
وفي رأي الأوساط المعارضة أن "حزب الله" قد يكون محقاً في التوصل الى استنتاج بأن استئناف فتح العلاقة بين المختارة ودمشق دونه حواجز سياسية كثيرة، في ضوء مواقف جنبلاط من العلاقة اللبنانية ـ السورية كما في ضوء مواقف سوريا منه لا سيما بعد خطاب الرئيس بشار الأسد في مؤتمر المغتربين السوريين في تشرين الأول الماضي، لكن الأوساط المعارضة ترى في المقابل أن إقفال الخطوط الهاتفية أو وقف الرسل لا يستويان مع علاقة "حميمة" كانت لا تزال قائمة حتى فترة قريبة بين نصرالله وجنبلاط الذي لم يخطئ في مواقفه من المقاومة، لا بل يحتفظ لنفسه بموقف متقدم من المقاومة تشديداً على تحصينها.
ثانياً ـ إن المعارضة المسيحية، لا سيما تيارها الأكثر قرباً من البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، وضمنه الشخصيات الأكثر التصاقاً بسيد بكركي، تعلم كما يعلم "حزب الله" وأمينه العام، أن خطوط الاتصال مقطوعة بين الجانبين وبـ"مبادرة" من "حزب الله" نفسه، بعد مواعيد ضربت لحوار مباشر بين هذه الشخصيات ونصرالله وجرى إرجاؤها، وبعد اتصالات متباعدة كانت تتم بين قياديين من الحزب وهذه الشخصيات لتبادل الرأي في عدد من المستجدات.
ثالثاً ـ وتحاول الأوساط المعارضة تأسيساً على ما تقدم التشديد على أن "الالتباس" حول ما إذا كان نصرالله يخاطب المعارضة في أحاديثه الأخيرة، ناجم بالضبط عن انقطاع الصلة مع "حزب الله" بقرار منه في الحالتين المشار اليهما، جنبلاط والمعارضة المسيحية. وتضيف أن الحوار كان قائماً في مرحلة سابقة، تماماً لأنه كان يتم على أساس الاختلاف في وجهات النظر، ولكن ما جعله متوقفاً في رأيها، هو واحد من ثلاثة احتمالات: فإما أن الحزب بعد التطورات منذ التمديد لرئيس الجمهورية وما تلاه على صعيد الحكومة، وجد أن المسافة باتت شاسعة الى حد لم يعد بالإمكان السير في الحوار، وإما أن الحزب تعرض لـ"ضغوط" ما كي "ينقطع" عن المعارضة في هذه المرحلة على الأقل، وإما أنه "يساير" الأجواء المنشورة حول المعارضة ويدخل "عملياً" في سياسة الانعزال عنها وعزلها.
رابعاً ـ وفي تقدير الأوساط المعارضة بالعلاقة مع ما سبقت الإشارة اليه، أن ما يرجح صحة الملاحظات الآنفة، هو الصياغة المتوترة من قبل "حزب الله" لخطابه المتضمن مواقفه، وهو توتر لم يسبق للحزب أن كان عليه إلا نادراً وفي محطات معينة.
"حزب الله" يتحدث
عن "مراهنين".. وماذا عن السلطة؟
هذا في "الشكل" السياسي ذي الدلالات. أما في المضمون، فإن الأوساط المعارصة نفسها، تسجل ما يأتي:
1 ـ يدخل "حزب الله" الى الوضع السياسي الداخلي من بوابة فرزه الى "حزبين" متقابلين، حزب القرار 1559 وحزب معارضيه، ويلعب بذلك "لعبة السلطة" التي ترسم صورة غير حقيقية للصراع السياسي في البلاد. وبطبيعة الحال، فإن ما يستدل به على "خطاب الفرز" الذي يعتمده الحزب، هو أنه لا تخلو مناسبة ولا يخلو احتفال من كلام موجه الى "المراهنين على القرار 1559" لدعوتهم الى "وعي" أن هذا القرار لا يناصرهم بل إن له أهدافاً أخرى... من دون أي ذكر لما يفيد عن هوية هؤلاء "المراهنين".
2 ـ وتضيف الأوساط المعارضة أنه إذا أخذ في الاعتبار موقف "حزب الله" من الـ1559 والذي يعتبر أن له أهدافاً على مستوى الوضع الإقليمي وأنه لا يمتلك مقومات التنفيذ، وعلى افتراض أن في المقابل "مراهنين" على القرار الدولي، فإن الحزب لا يوجه أي نقد الى سياسة السلطة حياله، وقد انتظم العديد من أركانها في صف مقولة إن الاختلاف مع القرار 1559 هو اختلاف على "التوقيت" تارة وهو اختلاف على تراتب البنود في القرار تارة أخرى، و"ازدهر" تساؤل بعضهم عن كيفية تنفيذ القرار إذا كان الانسحاب السوري بنده الأول.
3 ـ وترى الأوساط المعارضة إذاً أن ثمة ثلاثة اتجاهات على الأقل في التعامل مع الـ1559: الحزب الذي يرفضه، و"المراهنون" عليه كما يقول (من بين المعارضة)، والموافقون عليه مع اختلاف في التوقيت والترتيب (السلطة أو بعضها).. الأمر الذي يعني أن أحداً لا يمكنه تجاهل وجود هذا السيف المسلّط على لبنان، وأن عدم التجاهل لا يعني "رهاناً"، وأن الكل مدعو الى حوار حول كيفية التعاطي معه، بدليل أن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم اعتبر في خطاب له أول من أمس أنه يمكن جعل الـ1559 "بلا طعم" إذا اعتمدت إجراءات لتجربة سياسية جديدة من ضمنها قانون انتخاب عادل ومتوازن ومتساوٍ، ومجتمع سياسي يقوم على الحرية. وهذا معناه أن الحزب نفسه لا يرى أن كل الأمور "ماشية"، وأن ثمة ما يجب عمله لمواجهة الضغوط وأن "الديموقراطية" التي يشير اليها الشيخ قاسم يجب أن تكون الرد الأول على الضغوط باسم الديموقراطية.
الانكشاف على الخارج
4 ـ ويواظب "حزب الله" في الآونة الأخيرة على سؤال من يسميهم "الغيارى على السيادة" عن عدم اعتراضهم على تدخلات السفير الأميركي في الشؤون الداخلية اللبنانية. وهنا، تبدي الأوساط المعارضة استغرابها الاتهام الضمني للمعارضة كلها أو بعضها بـ"التأمرك"، لكنها ترد على السؤال بسؤالين: لماذا بلغ الوضع اللبناني هذا الحد من الانكشاف، علماً أن لبنان لم يكن في أي مرحلة سابقة من دون هذا الانكشاف لداخله على الخارج؟ وكيف يمكن وضع حد لهذا الانكشاف من دون تفاهمات وطنية كبرى بما في ذلك حول "مستقبل" المقاومة، وما هي مساهمة الحزب في الحد من الانكشاف؟
5 ـ وتلاحظ الأوساط المعارضة أن توتر "حزب الله" حيال المعارضة يأتي في وقت لم يغادر وليد جنبلاط موقفه تجاه المقاومة والذي يعتبرها جزءاً من منظومة الردع الدفاعي في وجه إسرائيل، وفي وقت لم تعلن المعارضة المسيحية موقفاً مما تعتبره تصعيداً بواسطة "مرصاد ـ 1"، وإن كانت شخصيات منها أبدت آراءها في التطورات الجنوبية من موقع وطني، أي من موقع النظر الى ما تراه مصلحة لبنانية في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الضاغطة.
وفي ضوء هذه المقدمات جميعاً، تؤكد الأوساط المعارضة أن "حزب الله" يخطئ في تعامله مع المعارضة المستندة الى قوى حية رئيسية في المجتمع السياسي اللبناني، لا بل تعتبر أن "حزب الله" يسيء تقدير من يلتزم حمايته الى النهاية في إطار مشروع سياسي متكامل ومن يتحين الفرص للانقلاب عليه. وتقول إنه إذا كان جنبلاط رد على نصرالله، على أساس الاشتباه بأن المواقف الأخيرة للأمين العام لـ"حزب الله" تخاطب المعارضة، أو على قاعدة "الالتباس" في ذلك، فإن "ربّ ضارة نافعة"، أي أنه كان يجب اغتنام أي فرصة لدعوة الحزب الى عدم ركوب مركب "تخوين" الآخرين ورميهم بالاتهامات، لأن مصلحة الحزب من وجهة نظر المعارضة تتجاوز الاستنفار المفروض في الظرف الراهن، الى البقاء في موقع "الربط" مع الجميع.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00