8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بين الرسالة إلى القيادة الجديدة ومحاولة إدراج المسألة الفلسطينية في الفوضى الإقليمية

الصاروخان اللذان تم إطلاقهما أول من أمس عبر الحدود الدولية للبنان، ليسا أول صاروخين يتيمي الاب والام سياسياً يطلقان عبر لبنان باتجاه فلسطين، إذ سبق أن حصل هذا الأمر مرات عدة خصوصاً بعد التحرير في العام 2000. واليتم السياسي ناجم عن ان "حزب الله" لم يعلن مسؤوليته عن هذه المسألة ونفى امتلاكه معلومات عنها، وكذلك نفت منظمة التحرير الفلسطينية مسؤوليتها.
بيد أن عدم مسارعة أي جهة "حقيقية"الى تبني عملية إطلاق الصاروخين، لا يقفل النقاش أبداً. وينطلق النقاش هنا بالضبط من ان "حزب الله" لو كان مسؤولاً بالفعل عن عملية من هذا النوع لكانت له الشجاعة في الإعلان عن دوره فيها، ولكان أدرجها في سياق سياسي محدد (اللهم الاّ اذا كان ثمّة قطبة مخفية ما) والإعلان الذي صدر باسم "مجموعة الشهيد غالب عوالي" مشبوه بهذا المعنى. وعندما يتم استبعاد "حزب الله" للسبب السالف ذكره، ولأنه إضافة الى ذلك حدد قبل أيام وعلى لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله استراتيجيته في العمل المقاوم على نحوٍ يجعل لـ"الكاتيوشا" وظيفة محددة في سياق محدد، وعندما يتم ـ بالمنطق ـ افتراض أن لا وظيفة سياسية للجنوب اللبناني بالنسبة الى منظمة التحرير الفلسطينية و"فتح" بشكل خاص، على اعتبار ان النضال الفلسطيني جارٍ في الداخل على قدم وساق، ولا دور للسلاح في المخيمات من وجهة نظرهما سوى الدفاع عن حق العودة حتى اشعار آخر...فبالاستناد الى هذه المقدمة، تطرح مصادر لبنانية وفلسطينية مطلعة احتمالات عدة في موضوع الصاروخين.
"فتح لبنان" والقيادة الجديدة؟
أولاً ـ على الرغم من الافتراض المنطقي ان منظمة التحرير و"فتح" كانتا الى فترة قريبة، في حياة الرئيس ياسر عرفات، بعيدتين عن اعتبار ان لـ"الساحة" اللبنانية وظيفة فلسطينية أو انه يمكن تحميلها مشروعاً فلسطينياً، فإنه من السهل للبعض أن يلقي المسؤولية على عاتق "فتح" في لبنان التي من المحتمل أن تكون مستاءة من التطورات التي جرت منذ مرض الرئيس عرفات حتى وفاته. ذلك ان تصريحات قادتها في لبنان ركزت على "موت عرفات قتلاً بالتسميم" من ناحية وعلى ان القيادة الفلسطينية الجديدة مطالبة بـ"كشف السر" من ناحية ثانية، في ما يشبه الاتهام الضمني لهذه القيادة بـ"التراخي".
والى ذلك، فإن "فتح" في لبنان ـ كما في سائر الشتات الفلسطيني ـ كانت تدين بالولاء للرئيس عرفات حصراً وتتعامل معه ليس فقط بوصفه رمز القضية الوطنية الفلسطينية بل بصفته ضمانة الحل للاجئين الفلسطينيين، وهي واكبت التطورات التي كانت جارية في الأراضي الفلسطينية قبل وفاة أبو عمّار، والتي كانت تحصل تحت عنوان "الأخذ" من صلاحيات الرئيس وسلطاته، بحذر شديد حيال القيادات التي خاضت نزاعاً مع الرئيس، وهي لذلك حذرة من القيادة الجديدة وعدد من رموزها.
ثانياً ـ كذلك، يمكن للبعض افتراض ان التناقضات الفتحاوية في الداخل انتقلت بشكل أو بآخر الى مخيمات لبنان، أو ان التناقضات الفتحاوية الأصلية التي كانت موجودة على ساحة المخيمات في لبنان والتي كان أبو عمّار يضبطها ولو من بعد، عادت الى الاحتدام بعد استشهاده.
ثالثاً ـ وتأسيساً على هذه "الفرضية"، يمكن النظر الى الصاروخين من فعل فتحاوي أو من فعل "بعض فتح"، والغاية منهما توجيه رسالة سياسية الى القيادة الفلسطينية "الجديدة" تذكرها بما لمخيمات اللجوء عليها من حقوق. ومع أن لا رابط مباشراً بين الصاروخين عبر الحدود اللبنانية وما تعرض له الرئيس الجديد لمنظمة التحرير محمود عباس (أبو مازن) في غزة، فإن اطلاق النار في غزة هو رسالة سياسية ايضاً أكثر من كونه محاولة اغتيال.
عمل معارض لـ "التخريب" على القيادة؟
رابعاً ـ وإذا كانت المصادر اللبنانية والفلسطينية المطلعة تحرص شديد الحرص على القول ان عرضها لما سبق هو عرض لاحتمال وليس لتثبيت المسؤولية على هذا الفريق الفلسطيني، فإنها في المقابل تشير الى انه سبق لفريق فلسطيني معارض للرئيس عرفات أن قام في فترات سابقة بأعمال عسكرية على الحدود اللبنانية وعبرها، وتلفت الى أن لا شيء يمنع أن يكون الفريق نفسه هو من اطلق الصاروخين.
خامساً ـ وإذا ربط اطلاق الصاروخين بهذا الفريق، يمكن "تفسيره" بأنه رسالة احتجاج ضد القيادة الفلسطينية الجديدة واعتراض عليها أولاً، ومحاولة تعقيد للأمور في وجهها ثانياً وجعل مهماتها صعبة ثالثاً، ومسعى الى "التخريب" على مشروعها رابعاً.
وترى المصادر نفسها ان للقيادة الفلسطينية الجديدة مشروعها السياسي المتمثل في اعتماد خارطة الطريق أساساً للتفاوض وصولاً في مرحلة لاحقة الى دولة فلسطينية في الضفة وغزة، والقائم على تسويات جزئية في موضوع اللاجئين، والمستند الى وحدانية السلطة في الأراضي الفلسطينية مع ما يستتبعه ذلك من "تنظيم" للسلاح الفلسطيني و"تنظيم" للمعارضة... وإعادة نظر في صيغة الانتفاضة.
وبهذا المعنى، تعتبر المصادر الآنفة ان اطلاق الصاروخين عبر الحدود اللبنانية يغدو والحالة هذه ليس فقط اعتراضاً على مشروع سياسي لا يملك المعترض وسائل الاعتراض عليه في الداخل، بل يصبح جزءاً من محاولة متجددة لـ"أقلمة" المسألة الفلسطينية أي إعادة إدراجها في سياق "إقليمي" محدد، وأكثر من ذلك إغراق الوضع الفلسطيني في مزيد من "الفوضى" لتكون جزءاً من فوضى عامة في المنطقة، بما يقتضيه الأمر من تصعيب توحّد السلطة في الداخل ومنعها من اكتساب "الشرعية" والتي لا تشكل الانتخابات في كانون الثاني (يناير) المقبل سوى إحدى محطاتها.
دور "حزب الله" والدولة.. والسلاح الفلسطيني
سادساً ـ وأياً يكن الاحتمال، مع ان الفارق بين كل منهما جوهري، والثاني أشدّ خطورة من الأول، ترى المصادر اللبنانية والفلسطينية المطلعةان اطلاق الصاروخين عبر الحدود اللبنانية يطرح على بساط البحث دور "حزب الله" ودور "الدولة"، وموضوع السلاح الفلسطيني في المخيمات.
سابعاً ـ وفي هذا المجال تسجل المصادر ان عدم مسؤولية "حزب الله" عن اطلاق الصاروخين لا يعفيه من المسؤولية عن ضبط "ساحة المقاومة" بالتنسيق مع من يلزم لهذا الغرض. وكذلك فإن الدولة بأجهزتها الموجودة في الجنوب مطالبة بمنع أي انزلاق نحو "فوضى السلاح" في هذه المنطقة، وبمنع تحول الجنوب مجدداً الى "ساحة" مفتوحة.
ثامناً ـ وتضيف المصادر ان اللبنانيين الذين يرفضون أي وظيفة للسلاح الفلسطيني، ويرفضون أن يكون الجنوب مسرحاً لـ"تصفية حسابات فلسطينية ـ فلسطينية" أو لـ"أقلمة القضية الفلسطينية" بما يقود الى الفوضى، يطالبون بمناقشة لمسألة السلاح في المخيمات الفلسطينية بعد أن بات عبئاً على الفلسطينيين أنفسهم، ويدعون الى أن يكون هذا النقاش مباشراً مع القيادة الفلسطينية بعد انتهائها من ترتيب أمور البيت الفلسطيني. وفي هذا المجال برزت دعوتان لبنانيتان جديرتان بالاهتمام: الأولى من الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط شجعت على معادلة الحقوق المدنية للاجئين في مقابل سلاح المخيمات، والثانية صدرت عن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله وركزت على الحقوق المدنية للاجئين ولم تشر الى السلاح.
استراتيجياً
تاسعاً ـ بالمعنى الاستراتيجي "الحقيقي"، لا يخفى ان القضية الفلسطينية تعتمد الآن ولا يمكنها إلا أن تعتمد على وحدة قواها في الداخل، وعلى تنظيم البيت وتحديد وسائل النضال، وعلى تحقيق اختراق سياسي في المدار الدولي وعلى تصعيد التناقضات الإسرائيلية. وبهذا المعنى، لا يقدم أي عمل عسكري عبر الحدود اللبنانية إضافة جدية بل على العكس هو يسيء اليها، ولا سيما في ظل الوضع العربي المعروف، وفي ظل تطورات إقليمية سواء في العراق بعد معارك الفلوجة أو في إيران بعد الاتفاق الإيراني ـ الأوروبي بالنسبة الى ملف طهران النووي.
عاشراً ـ وفي تقدير المصادر الآنفة ان من حق اللبنانيين وقد تحققت بين معظمهم والقضية الفلسطينية، مصالحة تاريخية عبر السنوات الماضية، أن يرفضوا تحت أي مسمى إعادة تحويل السلاح الفلسطيني في لبنان الى "مشروع سياسي" قائم بذاته يسيء الى الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء، في وقت تحتاج القيادة الفلسطينية ليس فقط الى تضامن الفلسطينيين بل الى تضامن كل الشعوب العربية، كي تستطيع ملء ما يمكن من فراغ أبو عمّار وكي تنجح في تحصيل الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وتختم المصادر اللبنانية والفلسطينية المطلعة بالتشديد على ان حادث الصاروخين يجب ألا يتكرر، خاصة إذا لم يمتلك من قاموا به الجرأة السياسية لإعلان مسؤوليتهم عنه، وعلى ان اللبنانيين لا يمكنهم قبول فتح البلاد على احتمالات خطيرة في ظرف خطير بالتعريف، وليس الصاروخان بمقاومة بأي شكل من الأشكال لأن لا مقاومة بدون مشروع سياسي، بل هما في إطار يحوطه الاشتباه من كل صوب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00