يصعب على أي ممن عايشوا الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تلخيص سيرته الوطنية بكلمات قليلة، وقد كانت على مدى أكثر من أربعين عاماً حافلة بالمحطات الكبرى منذ أن أطلق عبر "فتح" مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة فاصبح قائدها ورمز القضية الفلسطينية بلا منازع. بيد ان استعادة عددٍ من العناوين في سيرته، أمر في غاية الأهمية بالنسبة الى الأجيال الفلسطينية.
الحاج أمين الحسيني
أولاً ـ لم يكن أبو عمّار في الكثير من المناقشات الفلسطينية الداخلية وفي العديد من المجالس، يخشى من القول انه لا يريد أن يكون الحاج أمين الحسيني الثاني، ليس لانه لا يحترم تاريخ مفتي فلسطين وقائد نضالها منذ ما قبل النكبة في العام 1948 وبعدها حتى مشارف الستينات، بل لانه كان يعتبر ان الحاج أمين لم يورث الفلسطينيين دولة تملك قابلية الحياة. وكان أبو عمّار يعتقد ان اقامتها كانت ممكنة على الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة بموجب قرار التقسيم قبل حرب العام 1967 حيث احتلت إسرائيل كل فلسطين، وكان شديد الاقتناع بأن مواصلة الصراع مع إسرائيل تستلزم وجود النقيض أي الدولة الفلسطينية على أرض الواقع.
ثانياً ـ وإذا كان الزعيم الفلسطيني الراحل عاش "هاجس الحاج أمين"، أي انه انحكم الى ضرورة تجسيد الوجود الفلسطيني في كيان ودولة يأخذان مكانهما بين كيانات المنطقة ودولها، فإنه كان مقيماً على قناعة راسخة بأن الشعب الفلسطيني يجب أن يأخذ قضيته بيده. فبعد سنوات من الفجيعة الفلسطينية بالعرب وبدور الأنظمة العربية في ضياع فلسطين، باسم ان القضية الفلسطينية قضية قومية للعرب، أعاد أبو عمّار الأمور الى نصابها على قاعدة ان القضية الفلسطينية قضية وطنية للشعب الفلسطيني أولاً وأساساً، فكان ـ و"فتح" ـ خير تعبير عن الوطنية الفلسطينية.
القرار الوطني والوحدة الوطنية
ثالثاً ـ ومن منطلق هذه الوطنية الفلسطينية التي كانت تعني باستمرار صراعاً مع الأنظمة العربية لتثبيت معادلة ان فلسطين قضية شعبها أولاً، وتأكيداً لاستقلالية الحركة الوطنية الفلسطينية ثانياً، رفع أبو عمّار شعار القرار الفلسطيني المستقل الذي لا يستبعد عبره التحالف مع العرب لكنه يستبعد تماماً استتباع منظمة التحرير الفلسطينية لأي نظام من الأنظمة. وإذا كان صحيحاً تاريخياً ان اطلاق هذا الشعار الذي كان الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر الوحيد في استيعابه، قد أرّخ لمسيرة التخلي العربي الرسمي عن فلسطين والتي بلغت ذروتها بالصمت العربي حيال حصار "المقاطعة" منذ العام 2002، فإن الزعيم الراحل ياسر عرفات مضى حاملاً القضية الفلسطينية الى كل ميادين الصراع مؤمناً بأن الشعوب العربية سترفدها طال الزمان أم قصر بعوامل القوة.
رابعاً ـ وعلى خلفية كل ما تقدم، حرّم أبو عمار التقاتل الفلسطيني الداخلي ونجح في صياغة معادلة الوحدة الوطنية الفلسطينية فكان الدم الفلسطيني خطاً أحمر، ولم يستطع أحد دفعه الى إهدار الدم الفلسطيني في صراعات من أي نوع. ولكم كانت التجربة الفلسطينية حافلة بمحطات صراعية على حافة الهاوية فاستنقذ عرفات الوضع الفلسطيني منها. وأهم ما في معادلة الوحدة الوطنية ان الرئيس عرفات وعلى الرغم من كونه مؤسساً لـ"فتح" الحركة الأم في "الثورة الفلسطينية"، تصرّف بوصفه "المحصلة" التي تلتقي عندها التيارات الفلسطينية، وإن كانت هذه المحصلة تراجعت مع تزايد الخلل عربياً ودولياً.
العناوين الأربعة الآنفة: هاجس الحاج أمين الحسيني، القضية الفلسطينية قضية وطنية للشعب الفلسطيني أولاً، القرار الوطني الفلسطيني المستقل، الوحدة الوطنية، هي عناوين تضيء مسيرة الزعيم الفلسطيني على مرّ العقود السابقة منذ الأول من كانون الثاني (يناير) من العام 1965.
كثيرون لا يعرفون على الأرجح ان أبو عمّار الذي قاد الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة في مرحلتيها: الثورة من الخارج أي الثورة عبر الحدود العربية ومنها الحدود اللبنانية، ثم الانتفاضة من الداخل، انما كان هدفه من البداية خوض الصراع مع إسرائيل من على مقربة منها ومن الداخل الفلسطيني تحديداً.
أبو عمّار.. ولبنان
1 ـ لم يكن الرئيس عرفات غافلاً عن حقيقة ان انتقال الوجود الفلسطيني المسلح بكامل عدته الى لبنان منذ نهاية العام 1970 بعد "أيلول الأسود" في الأردن، انما هو في شطر أساسي منه نتاج تواطؤ عربي قضى بـ"التسكير" أمامه في كل مكان من العالم العربي و"فتح لبنان" وحده فقط. وبهذا المعنى، فإن الحرب اللبنانية في وجه رئيسي منها كانت صراعاً بين ضحيتين للوضع العربي الرسمي الذي لم يكن خافياً انه يعتبر "حرب تشرين" عام 1973 آخر الحروب العربية ـ الإسرائيلية. كذلك، لم يكن أبو عمّار في وارد اختراق "اتفاق القاهرة" وتمزيقه عملياً، وهو الاتفاق ـ التسوية الذي رعته مصر عبد الناصر في آخر أيامها بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، إلا بعد التطورات العربية بين العامين 1969 و1970، وإن كانت الأمانة التاريخية تقتضي بعد ذلك الإشارة الى الأخطاء الفلسطينية في الأردن ولبنان من بعده.
2 ـ لم يكن الرئيس عرفات غافلاً عن حقيقة ان الانتقال الفلسطيني الى الداخل بدأ سياسياً خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وعملياً في العام 1987. بدأ سياسياً بـ"مزحة" من أبو عمّار عندما سئل بعد توقيع الاتفاق مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب على مغادرة القوات الفلسطينية لبنان الى أين انت ذاهب بموجب هذا الاتفاق فأجاب الى فلسطين، وبدأ عملياً في 1987 بعد تحضيرات أشرف عليها الرئيس الفلسطيني الراحل وساعده الأيمن آنذاك خليل الوزير (أبو جهاد).
انتفاضة الداخل من رحم إحباطات الوضع العربي
وقليلون ممن عايشوا أبو عمّار في الفترة بين 1982 و1987، يعرفون ان الزعيم ـ الرمز واخوانه عانوا الكثير من المتاعب والإحباطات خلال هذه المرحلة. عانوا أولاً من المنافي الجديدة التي أبعدتهم عن فلسطين جغرافياً أكثر فأكثر، وعانوا ثانياً من التطورات الدامية في لبنان (الانشقاق في فتح العام 1983 والتقاتل في طرابلس، حرب المخيمات التي استمرت نحو ثلاث سنوات بين 1985 و1988)، وعانوا ثالثاً من التدخلات العربية في شؤون منظمة التحرير التي جعلت المنظمة تتجاذبها هذه التدخلات وتستضعفها حتى غدا أقل فصيل يضع "فيتو" على ما يتفق عليه بين الفصائل الفلسطينية الرئيسية.
وقليلون ممن عايشوا أبو عمّار يعرفون ان الوضع الفلسطيني بلغ في تلك الحقبة حداً من الإساءة الى الفلسطينيين الى درجة انه تعذر عليهم عقد المجلس الوطني في أي دولة عربية بحجة ان هذه الدولة العربية أو تلك لا تستضيف مجلساً وطنياً لا إجماع فلسطينياً عليه، الى درجة ان القائد الفلسطيني الراحل أبو اياد ( صلاح خلف) فاوض اليونان على إمكان استضافة المجلس الوطني في سفينة في عرض البحر في إحدى الجزر اليونانية... الى أن فتحت عمّان أبوابها والهدف لم يكن خافياً وهو استتباع منظمة التحرير في لحظة من لحظات ضعفها الشديد.
"الكرة" و"الملعب"
3 ـ وفي ما يؤشر الى سياسة الرئيس عرفات الذي لا يتوقف عن محاولات فتح الأفق السياسي أمام القضية التي يمثل رمزها، يروي بعض من عايشوا أبو عمّار في مرحلة القحط هذه بين 1982 و1987 ان شمعون بيريز وكان رئيساً لوزراء إسرائيل بالتناوب مع اسحق شامير، أعلن في تصريح عام 1985 انه يؤيد قيام "وطن فلسطيني"، ولم يكن هذا التصريح يخاطب القيادة الفلسطينية مباشرة. استدعى عرفات اثنين من كبار معاونيه هما محمود عباس (أبو مازن) وياسر عبد ربه، وسألهما: بماذا سنرد على بيريز وماذا سنقول له؟ فوجئ المسؤولان الفلسطينيان اللذان بادرا بالجواب: ولماذا نرد عليه أصلاً؟. قال أبو عمّار: يا اخواننا، لا وجود للعبة كرة القدم إذا توقفت الكرة في الملعب، وكي تستمر اللعبة لا بد من أن تذهب الكرة وتجيء، فإذا لم نرد على بيريز فمعنى ذلك ان اللعبة متوقفة، فيجب أن نرد عليه ليرد علينا، ويستمر العمل السياسي. وهذه الرواية تؤكد طبيعة سياسة عرفات في إبقاء "اللعب" حياً، وهي سياسة استمر في انتهاجها، وتفاوتت المرونة والشدة فيها تبعاً لعوامل القوة التي كانت القضية ورمزها أبو عمّار يمتلكانها.
4 ـ مِن رحم إحباطات "الخارج"، ولدت انتفاضة الداخل، وحاول أبو عمّار انتزاع مقعد لفلسطين في مفاوضات مدريد بعد حرب الخليج الأولى، ونجح في ذلك على "رافعة" الانتفاضة.. وحاول العودة الى فلسطين، لتكون القيادة مع الانتفاضة ونجح، والايجابية ربما الوحيدة من "اتفاقية أوسلو" هي هذه. ويشهد العارفون ان أبو عمّار لم يُقِم في الأراضي الفلسطينية نظاماً، بل استمرت "السلطة" مزيجاً مركباً ـ وربما مشوّهاً ـ من حركة تحرير وطني وشبه سلطة.
5 ـ قيل الكثير في سياسة الرئيس الراحل، فاتهمه البعض بـ"التفريط" وخوّنه البعض الآخر في الإطار العربي الرسمي. بيد ان التجربة بين 1994 (عودة عرفات الى الداخل من تونس) و2002، تظهر بما لا يدع مجالاً للشك المزاوجة التي أتقنها أبو عمّار بين التفاوض وبين تحسين شروطه نضالياً، ومن لا يعرف انه وقف "خلف" انتفاضة الأقصى وانه كان يمسك بكل الخيوط الفتحاوية من جهة وخيوط العلاقة الإشكالية مع الفصائل المعترضة من جهة أخرى... لكن أبو عمّار لم يبع فلسطين وكان يتمنى وجود عرض يسمح له بالموافقة لإعادتها الى الخارطة. وإذا كان مما لا شك فيه ان انتفاضة 1987 نضجت وولدت من رحم إحباطات "ثورة الشتات"، فمما لا شك فيه ان انتفاضة الأقصى عام 2000 وليدة صراع مرّ مع إسرائيل من ناحية وحصدت من ناحية ثانية الصمت العربي المطبق، صمت كل الذين أرادوا أن يصبح الرئيس عرفات نسياً منسياً فينتهي الحرج الذي لم يحتمل أصحابه ان يخاطبهم في إحدى القمم العربية.
مسلّمات عرفات بعده
مع رحيل أبو عمّار تطوى مرحلة. تطوى صفحة لها ما لها وعليها ما عليها من الكفاح الوطني الفلسطيني.. وربما كان يجب أن تنتهي هذه المرحلة قبل الآن. ومن الصعب الحديث عن مرحلة ما بعد أبو عمّار. لكن ولئن كان ممكناً القول ان حجم فلسطين لن يعود بحجم أبو عمّار (وقد كان حجمه هو نفسه يتضاءل)، فإن "أي شيء" بعده يمكن أن يسمّى فلسطين ولا يكون كذلك فعلاً.
الشعب الفلسطيني في وضع لا يحسد عليه وخارطته السياسية ليست هي نفسها بعده.. و"المحرمات" قد لا تعود كذلك، ليس لان "القيادة الجديدة" وبعض منها تاريخي لن تحرص على ما حرص عليه أبو عمّار، بل لان "عقلها السياسي" ليس كعقله وقدرتها أقل من قدرته. والشعب الفلسطيني في وضع لا يحسد عليه لان العملية التاريخية التي تنتج قيادة معاصرة لم تبدأ بعد بالرغم من ان السنوات الأخيرة انتجت "صراع أجيال"... وهي عملية لا بد أن يحفّز رحيل أبو عمّار على انطلاقتها في صميم الصراع التاريخي مع "المشروع الصهيوني" والشرط الدائم هو الوحدة الوطنية.
تجربة لبنان مع الرئيس الراحل وقيادته والوجود الفلسطيني تستحق أن تناقش في ذاتها، أخطاؤها من كل الضفاف والأطراف تستحق بحثاً مطوّلاً. لكن الأكيد ان بيروت كانت خالدة في ضمير أبو عمّار وشعبه، والأكيد انه كان يتطلع الى رد جميلها على الفلسطينيين، وكان يعتبرها أم العواصم العربية بلا منازع، وأعطى الكثير من الإشارات الى نيته تحقيق "مصالحة تاريخية" بين فلسطين ولبنان.
القرار الوطني الفلسطيني المستقل بعد أبو عمّار، على المحك. وختاماً يروي من عايشوا أبو عمّار انه بعد أن وقّع "اتفاق عمّان" عام 1985 الذي مهد لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، والذي تضمن تنازلات معينة، اعترض كثيرون من أقرب المقربين عليه، لكنه قال لهم في لحظة "صفاء": تعرفون ان الكثير مما يمتلكه الأردن هو لي، لفلسطين، وان استضعافكم لن يدوم!.
وكل ما تقدم، ليس عرضاً تاريخياً بلا شك، لكنه استعادة لعدد من الدلالات في مسيرة فارس فلسطين، دلالات من حق من عايشوه وعاصروه أن يعلنوا على أساسها: كلا لم يهزم أبو عمّار ولم تنكسر فلسطين!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.