حرك إطلاق "حزب الله" طائرة الاستطلاع "مرصاد ـ 1" نقاشاً واسعاً في الوسط السياسي، تراوح بين حدي الإعجاب بهذا الإنجاز للمقاومة من ناحية والقلق السياسي من ناحية أخرى، خاصة ان الحزب ـ كالعادة ـ أقدم على خطوته تاركاً التحليل لأصحابه راصداً ردود الفعل بحيث يوقّت رده على المواقف في اللحظة التي يراها مناسبة.
لا شك بداية ان وجود "مرصاد ـ 1" بين أيدي "حزب الله" ومقاومته يستدعي الإعجاب من زاوية ذلك الاصرار على خوض غمار الحرب العلمية والتكنولوجية مع اسرائيل وعلى امتلاك تقنيات ردعية من دون وهم بإمكان تحقيق توازن "استراتيجي" معها، والحزب بذلك يستكمل ما بدأه منذ سنوات عندما خاض بنجاح الحرب الأمنية ـ النفسية مع اسرائيل وحقق اختراقات استخباراتية ملموسة في صراع مع أكبر مؤسسة عسكرية ـ أمنية في المنطقة، وذلك كله بصرف النظر عما اذا كان قام بنفسه بتطوير بنيته على هذا الصعيد أو ما اذا كان تلقى مساعدة "خبراء" خارجيين.. وبصرف النظر أخيراً عن مدى قدرة "العوام" من الناس على معرفة مستوى هذه التكنولوجيا وجودتها.
بيد أن الوسط السياسي وفي موازاة إعجابه بهذه "النقلة" لدى المقاومة يسجل مجموعة من الأسئلة والملاحظات السياسية وذلك على النحو الآتي:
"مرصاد ـ 1": ما لها وما عليها
أولاً ـ على أهمية هذا الإنجاز ("مرصاد ـ 1") من ناحية "المعنويات" على الأقل، ثمة شك في أن يكون إنتاج هذه الطائرة وإطلاقها تصعيداً في مجال مواجهة الخروق الاسرائيلية الجوية، يتجاوز الأسلوب الذي كان معتمداً قبل مدة بواسطة المضادات التي كانت تطلق على الطائرات الاسرائيلية على علو منخفض بما يرعب سكان المستعمرات. واذا كان الوسط السياسي يعتبر ان التصعيد "معنوي" و"تقني" من دون أدنى شك، فانه في المقابل وبالرغم من كل ما قيل لا يؤسس لمعادلة ردعية أقوى، فضلاً عن أن الحزب في مجال الاستطلاع متقدم وهو يتمتع بقدرة عالية على معرفة ما يدور بالتفصيل على الجهة الاسرائيلية بواسطة مراقبته المتعددة الوسائل لـ"الأرض" هناك.
ثانياً ـ ويؤكد الوسط السياسي أنه إذ لا يعتبر أن في إطلاق "مرصاد ـ 1" تصعيداً كبيراً في مواجهة الخروق الاسرائيلية، انما يعترف في المقابل ان "مرصاد ـ 1" حققت هدفين في المباشر هما إرباك اسرائيل التي تعقد الاجتماعات المتتالية لـ"تحليل" هذه الخطوة أولاً والتأثير النفسي داخل اسرائيل حيث النقاش هناك بدأ يتركز حول ما يمكن لطائرة الاستطلاع هذه أن تحمله من متفجرات وما اذا كانت قابلة للاستخدام في عمليات "استشهادية" ثانياً. غير ان المقابل لكل ذلك، هو أن "حزب الله" يكبّر "حجره" ويضرب حجمه أضعافاً إذ بات جيشاً متكامل الأسلحة، ما يجعل اسرائيل تصعد من ناحيتها التخطيط لتوجيه ضربات اليه.
استطلاع للأجواء... واستطلاع سياسي
ثالثاً ـ وإذا كان ما تقدم "حقيقياً" من مختلف جوانبه، فلا بد ان التركيز السياسي لـ"حزب الله" يتجاوز حدود إحداث "الصدمة" من خلال اطلاق "مرصاد ـ 1"، أي من خلال إعلان شبه اكتمال سلاحه الجوي. فمما لا شك فيه ان الحزب وهو المعني قبل سواه وأكثر من غيره بالضغوط الأميركية (والاسرائيلية)، وهو المستهدف بالقرار 1559 مثلاً، انما يعلن رده على الضغوط والتهديدات بـ"سياسة الهجوم أفضل وسيلة للدفاع". وفي لحظة يدور نقاش حول مستقبله ومصيره على غير صعيد، يمارس الحزب سياسة "قلب الطاولة" بحدود، طالما ان "مرصاد ـ 1" تكرس معادلة قائمة ولو بوسائل نوعية مختلفة لكنها لا تنسفها ولا ينظر اليها تالياً بوصفها انتقالاً الى مواجهة مفتوحة. وبهذا المعنى، وإن كان الوسط السياسي يعتبر أن "مرصاد ـ 1" بمثابة "مغامرة محسوبة"، فانه يعرب عن اعتقاده في الوقت نفسه ان الحزب لا يستطلع الأجواء فوق فلسطين فحسب لكنه يستطلع بـ "النار" الظروف السياسية أيضاً. و"في الطريق"، ينقل "حزب الله" الوضع السياسي المحلي الى مكان آخر.
مغامرة محسوبة الى حين
رابعاً ـ غير ان ما يلفت الوسط السياسي اليه، هو ان خطوة "حزب الله" الموصوفة بأنها "مغامرة محسوبة" انما يثقل الملف الذي يجري الضغط به عليه وتهديده على أساسه. ذلك ان لا وقت ضائعاً على الصعيد الاقليمي ـ الدولي خصوصاً بعد إعادة انتخاب جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة لمرة ثانية، وفي ظل التموضع الاقليمي للتعامل مع إدارته الجديدة ـ المستمرة. وبهذا المعنى، فان اطلاق "مرصاد ـ 1" بقدر ما يشكل "مغامرة محسوبة" بمعنى، يمكن ان يغدوَ "مغامرة صافية" بمعنى آخر في ظل الظروف المحيطة بلبنان.
خامساً ـ في ضوء كل ما سبق ذكره، يعتبر الوسط السياسي المحلي، في جانب منه، ان خطوة "حزب الله" وإن كانت لا تؤدي إلى استدراج عدوان إسرائيلي بالضرورة في المباشر، فإنها "تكشف" الوضع اللبناني في ظل "المطاردة الدولية" للبنان بالقرار 1559. وبعض الوسط السياسي يرى ان هذه الخطوة التي تأتي في ظل وضع سياسي مأزوم قد تكون نجحت في شد الأنظار بعيداً عن عنواني التمديد وحكومة اللون الواحد وغيرهما، لكنها تدخل ايضاً في صميم الأزمة إذ لا اتفاق لبنانياً عاماً ـ حتى لو جرت تغطية الخطوة رسمياً ـ على التأشير الى "مواجهة" بهذا المعنى.
"الردع الدفاعي"
سادساً ـ واذا كان مفهوماً ومقبولاً في الوسط السياسي اللبناني ان تحتفظ المقاومة بقدرتها على "الردع الدفاعي" في وجه أي عدوان اسرائيلي لا يمكن إسقاطه من حساب الاحتمالات، فان هذا الوسط يتخوف في المقابل من أن يجري الانتقال الى "الهجوم"، الأمر الذي لا تعنيه "مرصاد ـ 1" بالضرورة، وأن يجري فتح لبنان على احتمالات بالغة السلبية بـ"التراكم".
سابعاً ـ ويقول كثيرون في الوسط السياسي ان "حزب الله" واجه ومنذ التحرير عام 2000 تهويلاً كبيراً وتهديداً لمقاومته انطلاقاً من المزارع، ولأن هذا التهويل لم يترجم فإنه قد يكون مقتنعاً الآن بان القرار 1559 تهويل آخر، وانه غير قابل للتنفيذ، ولذلك لا يجد ما يدعوه الى الانكفاء الى حدود "الدفاع". بيد أن هذا الوسط يأخذ بكل جدية ما طرحه رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط لجهة تحصين المقاومة بإعادة إدراجها ضمن الشرعية الدولية من جهة وباحتضانها داخلياً في زمن المتغيرات الكبرى القائمة الآن والمتوقعة سريعاً على الصعيد الاقليمي من جهة أخرى .
شبكة الأمان
ثامناً ـ ويعلن الوسط السياسي ان المقاومة بوصفها ردعاً دفاعياً ليست موضع خلاف "جوهري" بين فرقاء الساحة السياسية، لكن المطلوب أن يغدو "حزب الله" جزءاً من مشروع سياسي لبناني، يشكل له شبكة أمان سياسية تحميه من التهديدات. وإذ يعترف الوسط السياسي بأن هذا "العرض" لا يبدو مغرياً لـ"حزب الله" حتى الآن، وبأن هذا "العرض" لا يستقيم مع وعي "حزب الله" لنفسه، وبأنه قد لا يستطيع الانتقال الى ذلك في ظل ما هو معروف عن بنيته الايديولوجية والتنظيمية، وبأنه قد يجد في هذا "العرض" دعوة له الى إسقاط أحد عوامل وجوده أو قوته... فإن الوسط السياسي في المقابل يعتبر ان "حزب الله" الذي لا يمكنه ان يستمر "مقاومة" بالصيغة نفسها على طول الخط في ظروف متغيرات خارجية كبيرة لن يكون مفاجئاً أن تشمل حلفاءه الإقليميين، والذي لا شك انه معني بالبحث عن صيغ أخرى وعن ملاءمة وضعه في نضاله ضد المشروع الأميركي والاسرائيلي... سيكون معنياً بالانخراط ضمن حالة لبنانية تحرص عليه. والقول ان "حزب الله" ليس مهتماً بذلك بالمطلق ليس صحيحاً، بدليل ممارسته خلال الشهور الماضية التي تفيد أن الحزب حريص على علاقاته الداخلية وعلى عدم الدخول في خصومات وعلى النأي بنفسه عن المهاترات والسجالات. وعليه، فان "مرصاد ـ 1" التي "مرت" على الأرجح من دون تداعيات، تماماً لأنها "مغامرة محسوبة"، ليست "نهاية العالم" ولا تقفل النقاش المفتوح تالياً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.