8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الثقة الهزيلة بالحكومة مؤشر إلى نظام سياسي "قيد السقوط" وإلى مرحلة انتقالية خطيرة

استوقفت الثقة الهزيلة التي نالتها حكومة الرئيس عمر كرامي في المجلس النيابي أول من أمس، الوسط السياسي برمته، ليس فقط من زاوية كونها "الأهزل" منذ قيام جمهورية الطائف ولا حتى من زاوية كونها الأهزل منذ استقلال لبنان عام 1943، بل بما تنطوي عليه من دلالات خطيرة في المديين المباشر والمتوسط.
أولاً ـ عندما لا تنال حكومة من الحكومات ثقة تفوق أكثرية عدد أعضاء مجلس النواب (أي أكثر من نصف أعضاء المجلس)، فإن ذلك وبعيداً عن الجانب القانوني ـ الدستوري الذي يسمح للحكومة بأن تكتفي بالأكثرية المطلقة من عدد النواب الحاضرين في جلسة التصويت، يعني ان النظام السياسي قيد السقوط، لأن المجلس النيابي بات عاجزاً عن إنتاج أكثرية "موصوفة"، ولأن الحكومة تحكم باسم أقلية جرى تجميعها للمناسبة.
الثقة الهزيلة..والنظام
ثانياً ـ وبطبيعة الحال، ليس أكثر ما يهم في هذا السياق، ملاحظة المسار الانحداري في التصويت، من التمديد لرئيس الجمهورية ثلاث سنوات اضافية بـ96 صوتاً، الى تسمية الرئيس كرامي في الاستشارات الملزمة بـ82 صوتاً، وصولاً الى الثقة بـ59 صوتاً، وليس أكثر ما يهم (على أهميته) أن تتم ملاحظة ان الثقة الهزيلة بالحكومة هي في النهاية نتاج التمديد، بل ان أكثر ما يهم ويستدعي "اليقظة" ان الحكومة لم تنل الثقة الوفيرة تماماً لانها "لفظت" القوى الرئيسية في نظام الطائف، في امتداد إخراج القوى الرئيسية الضامنة لهذا النظام منه، علماً ان الطائف يقوم في فكرته على تحالف الأقوياء في الطوائف.
بهذا المعنى، ان الثقة الهزيلة ما دون نصف أعضاء المجلس النيابي يجب أن تشكل إنذاراً بأن النظام السياسي يتعرض للسقوط، كنتيجة منطقية للتطورات التي سبقت تشكيل هذه الحكومة. وبالمناسبة، فإن دلالة تشكيل الحكومات مسألة تاريخية. فالمخضرمون يذكرون مثلاً ان النظام السياسي ما قبل الطائف بلغ ذروة تأزمه وأعطى إشارة السقوط عندما لم يستطع منذ العام 1973، وتحديداً مع تشكيل الرئيس الراحل تقي الدين الصلح حكومته التي أسماها "حكومة كل لبنان"، استيعاب الزعيم الوطني الراحل كمال جنبلاط في الحكومة، فضلاً عن عوامل محلية وإقليمية عدة تضافرت لتفيد آنذاك ان نظام ميثاق 1943 آيل الى السقوط.
نسيب لحود وباسم السبع
ثالثاً ـ لم يخطئ رئيس "حركة التجدد الديموقراطي" النائب نسيب لحود في كلمته أمام مجلس النواب في الحديث عن "النظام السياسي ـ الأمني ـ القضائي" توصيفاً لواقع الحال من جهة وعودة الى جذور تشكُّله منذ الطائف وحتى اليوم من جهة ثانية. بيد ان النائب لحود لا يفوته حتماً ان النظام المثلث الأضلاع الذي يصفه لم يغدُ سافراً الى هذا الحد إلا منذ سنوات عندما بدأت الحرب على "الطبقة السياسية" في موازاة تعزيز بديلها "الأمني" بكل تفرعاته، في حين انه قبل ذلك كان مغطى سياسياً ولو باختلال في موازين القوى ضمنه. وبهذا المعنى، فإن النائب باسم السبع كان دقيقاً في ملاحظته ان "جمهورية لبنان الأمنية العظمى" تقوم الآن وأكثر من أي وقت مضى على أنقاض "جمهورية الطائف" وبشكل سافر. وعليه، فإن لبنان يجتاز الآن مرحلة انتقالية بين السقوط "الفعلي" للنظام السياسي وبين إعادة تأسيسه، ولذلك كان التنبيه من مخاطر الثقة الهزيلة بحكومة تضم باستثناء قلة سياسية، وزراء ـ واجهات لـ"منتديات أمنية" كما ذكر عدد من أعضاء "اللقاء الديموقراطي" في كلماتهم.
المعادلة الدولية
والقرار 1559
رابعاً ـ ويتزامن سقوط النظام السياسي في تجلّيه الأول أي خروج القوى الرئيسية منه وإخراجها، مع اختلال كبير في المعادلة الإقليمية ـ الدولية التي رعت الطائف ونظامه منذ العام 1989، وهذا ما يتجلى في القرار 1559 بكل ما يعنيه من سقوط للاتفاق السوري ـ الأميركي حول لبنان.
والخطير في هذا المجال ان الحكم والحكومة يكتفيان بالنظر الى القرار الدولي بوصفه قراراً يدفع لبنان وسوريا الى التخلي عن ثوابتهما وليس بوصفه قراراً برفع المظلة عن الوضع اللبناني. ذلك ان الطائف قام على ركيزتين بدونهما لا يستمر: الاتفاق اللبناني ـ اللبناني من ناحية والاتفاق العربي ـ الدولي من ناحية ثانية، وبغياب الاثنتين الآن، يبدو الوضع اللبناني مهتزاً. ويفوت الحكم والحكومة ان "الثوابت" كانت تحظى بتغطية عربية ـ دولية ايضاً حتى العام 2000 (تحرير الجنوب تحت مظلة الشرعية الدولية)، وان هذه "الثوابت" بحاجة الى إعادة تحديد.
كرامي.. والانقسام
خامساً ـ ويخطئ الرئيس عمر كرامي في الحديث عن "انقسام سياسي" في البلاد، ليس لأن البلاد لا تعيش أزمة سياسية ـ وطنية كبيرة، بل لأنه لا يحدد بدقة طبيعة هذه الأزمة ومكوناتها، بما هي أزمة نظام يفقد بالتدريج "حمّالتيه" المحلية والإقليمية ـ الدولية، ويميل الى تصوير "الانقسام" بوصفه انقساماً عمودياً ـ طائفياً، وهذا ما يوحي به ردّه على مداخلة النائب فارس سعيد الذي عاد الى توضيح ان كلامه عن "لبنانهم ولبناننا" يعني "لبنان الموالاة ولبنان المعارضة". ويفوت الرئيس كرامي ملاحظة ان الايجابية "الوحيدة" في ظل المشهد السياسي الخطير، هو ان المعارضة مختلطة طائفياً، ويمثل تشكلها المختلط ضمانة كبرى لعدم انزلاق البلاد الى تطورات "مؤلمة"، على الرغم من ان "التحوّط" من الأسوأ واجب في هذا المجال. ويفوت كرامي ان الوجه الرئيسي للصراع السياسي هو صراع بين سلطة ومعارضة.
الانتخابات النيابية
مشكلة أم حل؟
في ضوء ما تقدم، مما يفيد ان دلالات نيل الحكومة ثقة هزيلة بأقل من عدد أعضاء المجلس، أبعد من مجرد مسألة عددية أو مسألة قانونية ـ دستورية، لان الأمر يتعلق بنظام سياسي قيد السقوط، يسجل الوسط السياسي مجموعة من الملاحظات على النحو الآتي:
1 ـ ان قول الرئيس كرامي في رده على مداخلات النواب في جلسة الثقة، ان الانتخابات النيابية المقبلة كفيلة بمعالجة "الانقسام السياسي"، يحتاج الى توقف لما ينطوي عليه من خطورة.
بداية، يطرح الكلام عن "انقسام" اسئلة كبيرة: إذا كان كرامي مقتنعاً بوجود انقسام، فلماذا قَبِلَ بتشكيل حكومة تجسد هذا الانقسام، ويخالف تشكيلها مقولة ميثاقية ـ دستورية هي أن لا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك؟ لماذا لم يتم التوجه نحو تسوية تفتح المجال أمام حكومة وفاق وطني؟ ولماذا انتظار الانتخابات النيابية بعد 6 أشهر؟
2 ـ ان الانتخابات النيابية قد تكون فرصة لمعالجة أزمة سياسية ما لكنها قد تؤسس ايضا لمحطة أخطر من التأزم. وفي تاريخ الانتخابات النيابية اللبنانية ما يفيد بذلك: انتخابات العام 1951 وانتخابات العام 1957، وانتخابات العام 1968، وانتخابات العام 1992.
والى ذلك، يثير الكلام عن وظيفة محدّدة للانتخابات المقبلة، اسئلة كثيرة عن قانونها وآلياتها وممارستها، ذلك ان سلطة لا تعي المشكل الكبير الذي تعيشه البلاد قد لا تفاجئ اللبنانين بالهروب الى الأمام، في محاولة للإتيان بمجلس نيابي على شاكلة الحكومة الحالية، فيه قلة سياسية وكثرة واجهة لنظام أمني على انقاض الطائف، فتغدو الأكثرية السياسية خارج المجلس، هذا إذا لم يعطَّل المسار الانتخابي من أصله.
3 ـ بصرف النظر عن الموقف من مطلب تشكيل لجنة مراقبين دوليين للإشراف على نزاهة الانتخابات، فمما لا شك فيه ان هذا المطلب يكتسب مشروعية مما تقدم ذكره. والأهم من وجهة نظر المطالبين بمراقبة دولية لنزاهة الانتخابات، ان الانتخابات التي يبدو ان الحكم والحكومة يحمِّلانها وظيفة انتاج النظام المثلث الاضلاع الذي تحدث عنه نسيب لحود، أو تكريس "جمهورية الأمن العظمى" كما قال باسم السبع، يجب أن تكون (الانتخابات) محطة في إعادة تأسيس النظام السياسي على قاعدة الطائف، أي ان للانتخابات في هذه الحالة مهمة تأسيسية من الضروري أن تكون محمية دولياً.
4 ـ ان المعارضة للحكومة، سواء تجلت في حجب الثقة أو في الامتناع عن إعطائها أو في التغيب عن الجلسة أصلاً، معنية أكثر من أي يوم مضى بتركيز صراعها حول عنوان رئيسي هو إعادة إعمار نظام الطائف بـ"حشوة" لبنانية أي بهامش لبناني واسع.
وليس في ذلك أي تحامل على أحد، ويستشهد الوسط السياسي العريض بموقف "حزب الله" ليس لتحميله ما لا يحتمل، حيث لا يرى فيه الوسط في العمق سوى "نقزة" حقيقية من ملامح "نظام أمني" من جهة ومن أزمة متعددة الأوجه تغرق المقاومة في صراعات كبيرة من جهة أخرى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00