8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ملامح استعادة "السلطة" سياسة الهجوم على بكركي "ترهيبياً" هذه المرة

ثمة في البيئة المسيحية تقدير بأن سياسة "الهجوم الودّي" تجاه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير والتي "ميّزت" سلوك السلطة خلال العامين الماضيين، في الطريق الى أن تُخلي مكانها لسياسة "العصا الغليظة" مجدداً، مذكرة بالفترة التي تلت النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة في أيلول 2000 وبلغت ذروتها في آب 2001 واستمرت طيلة العام 2002 وبعض العام 2003.
ويتجلّى التوجه المتجدد الى إغلاق صفحة "الانفتاح الشكلي" على بكركي، وهو الانفتاح الذي لم يسفر عن شيء على كل حال، في العديد من المحطات:
أولاً ـ بُعيد النداء الخامس للمطارنة الموارنة في أيلول الماضي، والذي صدر بعد قرار التمديد لرئيس الجمهورية وقبل تعديل الدستور في مجلس النواب، والذي كان بمثابة جردة حساب شاملة، وطالب بتصحيح العلاقة اللبنانية ـ السورية وصولاً الى إقامة علاقات ديبلوماسية بين بيروت ودمشق، وجِد من يردّ على هذا "النداء" ويدعو أصحابه الى "شرب ماء البحر"، بعبارات قاسية ونبرة ترهيبية.
ثانياً ـ وعندما زار رئيس الحكومة عمر كرامي بكركي في مرحلة مشاورات التأليف في محاولة للحصول على مباركة البطريرك لتوزير النائب بطرس حرب، كان أول هجوم تعرّض له الرئيس كرامي من رئيس "الحزب السوري القومي الاجتماعي" جبران عريجي الذي اعتبر الزيارة خطأ وانتقد التعامل مع المرجعيات الروحية في المسائل السياسية. ولم يكتف "القومي" بذلك بل اغتنم المناسبة لتجديد طرح عنوان إلغاء الطائفية السياسية، وهو العنوان الذي غالباً ما "يرمى" في التداول عندما تكون مؤشرات العلاقة ببكركي سلبية.
فرنجية والفرزلي
ثالثاً ـ وفي اليوم نفسه لصدور بيان مجلس المطارنة الأخير، أي الأربعاء الماضي، وهو البيان الذي تضمّن طلباً بتشكيل لجنة مراقبين دوليين للإشراف على نزاهة الانتخابات النيابية المقبلة، جاء الردّ من وزير الداخلية سليمان فرنجية الذي شاء أن يعتبر أن هذا المطلب مِن تأثير "حاقدين في زغرتا" على المطارنة الموارنة. ومع أن المطّلعين على الأجواء المصاحبة لصدور هذا البيان يؤكدون أن المطارنة الموارنة يستعيدون بذلك ما ورد في النداء الأول في أيلول 2000 ويستكملون من وجهة نظرهم ما دأبوا على إعلانه في موضوع الانتخابات قانوناً وإشرافاً وممارسة، ويعتبرون أن الوزير فرنجية لم يكن معنيّاً في ذاته بهذا المطلب، فقد أعلن وزير الداخلية موقفاً غير مسبوق تجاه بكركي عبر اعتبار أن مجلس المطارنة يخضع لتأثيرات "مناطقية" وأنه يتّخذ مواقفه تأسيساً على حسابات في هذه المدينة أو تلك، متهماً البطريركية ضمناً بـ "الانكفاء" عن العناوين الوطنية الكبرى.
رابعاً ـ وفي اليوم نفسه أيضاً، أطلّ وزير الإعلام إيلي الفرزلي عبر برنامج "الاستحقاق" على شاشة "المستقبل"، ليعطي ولو بتعابير لائقة تفسيراً لبيان المطارنة مغايراً لما قصدوا الذهاب إليه، أي أنه شاء تفسير البيان على أنه مصالحة بين بكركي والحكومة وأنه يقول ما تقوله الحكومة في بيانها الوزاري، علماً أن الأمر ليس كذلك. لكن الفرزلي مع ذلك وجه اتهاماً ضمنياً لبكركي بأنها تسعى الى تدويل الاستحقاق الانتخابي، في حين أن "التدويل" حاصل عبر القرار 1559 الذي لم تكن للبطريركية يدٌ فيه.
المطران عودة
خامساً ـ وتتزامن المؤشرات السابقة جميعها مع انتقال "الهجوم الودّي" من بكركي الى الأشرفية، الى دار مطرانية الروم الأرثوذكس والمطران الياس عودة، حيث يلاحظ منذ فترة توجه "إغراقي" عبر الزيارات و"إغرائي" عبر عروض شتى. وإذا كان لا يخفى بالنسبة الى أوساط مسيحية كثيرة أن "الهجوم الودّي" تجاه عودة يحاول "اللعب" على "تناقضات" مارونية ـ أرثوذكسية مفترضة، فإن الأوساط نفسها تؤكد أن هذا "اللعب" لن ينجح لأن ليس ثمة "تناقضات" من النوع الذي يمكن استحضاره والعزف على أوتاره.
تستدلّ البيئة المسيحية، تؤيّدها في ذلك أوساط متعدّدة، من المؤشرات السابقة على أن ثمة بداية عودة الى سياسة سابقة تجاه بكركي والبطريرك، بالتزامن مع حملات تحريض يقوم بها موفدون من فريق الحكم الممدّد له الى البطريرك ضدّ الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، في محاولة لـ"إقناع" سيّد بكركري بأن العلاقة مع جنبلاط لن تدوم لأن جنبلاط سيغيّر مواقفه و"يقطع المسيحيين في منتصف الطريق" كما يزعم الموفدون. ومن وجهة نظر هذه البيئة، أن العودة الى هذه السياسة تضع الرئيس عمر كرامي في موقع سياسي غير مريح، خصوصاً أنه كان سعى الى نوع من "التطبيع" بين الحكومة والبطريركية، وذهب الى حد تصديق أن ثمة وزراء جرى ضمّهم الى الحكومة يتمتّعون بتغطية من البطريرك، وهذا كما تبيّن سريعاً، ليس صحيحاً.
البطريرك و"التسويتين"
في هذه الأثناء، يلفت مقرّبون من البطريرك الى مجموعة من الملاحظات على النحو الآتي:
1 ـ لم يعد ثمة مجال للشك في أن البطريرك صفير في ضوء عظته الأحد الماضي وبيان المطارنة الأربعاء الفائت، إنما يتبرّأ من أي علاقة بالحكومة ليس لجهة عدد من الأسماء وحسب وهو الذي رفض الخوض في "بازار التسمية"، بل أساساً لجهة السياق الذي تمّ من خلاله تشكيل الحكومة التي لا تمتّ الى "حكومة الوفاق الوطني" بصلة. وهذا ما يعني أن تداعيات التمديد لا تزال حاضرة في ذهن البطريرك وأن هذه التداعيات عبارة عن حلقات في سلسلة متّصلة.
2 ـ ان البطريرك الذي من الواضح تماماً أنه لم يستدع أي تدخل خارجي في الشأن اللبناني، لا بل على العكس حمل خلال السنتين الماضيتين تحديداً شعار "التسويتين" اللبنانية ـ اللبنانية واللبنانية ـ السورية، يرى مع ذلك أن القرار الدولي 1559 فرض واقعاً جديداً وهو معطى لا يمكن تجاهله. ولذلك فإنه يعتبر أن "مصالحة" لبنان مع الشرعية الدولية مهمة ملحّة لأن لبنان لا يستطيع لأي اعتبار أن يكون خارج هذه الشرعية أو تحت الرقابة ونتائجها. ولا يزال البطريرك على قناعته بأن "التعامل" مع القرار 1559 يمرّ عبر "التسويتين" الآنفتين اللتين يرى أنه لو جرى اعتمادهما لما صدر القرار 1559 أصلاً.
3 ـ ان صفير نظراً الى كل ما تقدّم يتمسّك بالعلاقة الإسلامية ـ المسيحية ويشدّد على التقاطع الإسلامي ـ المسيحي، ولا يرى المعارضة فريقاً من لون طائفي معيّن بل هو يدعو الى استمرار اختلاطها، ويبدي ارتياحه الى تنوّعها القائم، ويعتبر مثلاً أن العلاقة بوليد جنبلاط أثمن من أي شيء، لأن هذه العلاقة ترقى الى المستوى "الاستراتيجي" منظوراً إليها من زاوية مستقبل لبنان.
الانتخابات.. والمراقبون
4 ـ وإذ يتابع البطريرك باهتمام شديد تطوّر العلاقة بين أطراف المعارضة المتعدّدة طائفياً وفكرياً وثقافياً، يعتبر أن الاستحقاق النيابي المقبل يكتسب أهمية استثنائية ليس فقط لأنه ما فتئ يكرّر منذ ما بعد الطائف أن انتخابات تجري على أساس قانون انتخاب ديموقراطي وبنزاهة هي المدخل الى استعادة البلد الى سياق سياسي طبيعي، وليس فقط لأنه يعتبر أن الانتخابات هي مفتاح إنتاج السلطة ديموقراطياً، بل لأنه يرى أن الانتخابات المقبلة ستشكّل الامتحان الأهم لمدى القدرة على إخراج لبنان من أزمته الداخلية من ناحية ومع المجتمع الدولي من ناحية أخرى، إذا جرت على أسس سليمة، لأنها ستنتج في هذه الحالة فقط تمثيلاً لبنانياً يستطيع أن يأخذ بيده معالجة الأزمة المتعدّدة الوجوه. ويكاد البطريرك يعتبر أن هذا الاستحقاق هو المخرج الوحيد، في ظل "سلطة" ليست فقط منتجة بطريقة متجاوِزة على استقلال البلد وتقاليده، إنما عاجزة تماماً لهذا السبب عن امتلاك "الحلّ". وفي نظره، ان المطالبة بمراقبين دوليين ليست تعبيراً عن "يأس" من "السلطة" التي لا يمكن الوثوق بممارساتها وحسب، إنما هي أيضاً لـ"تشهيد" العالم على فرصة يمكن توافرها أمام اللبنانيين لجعل انتخاباتهم محطة نحو "لبننة" الطائف أكثر فأكثر، وفي نظره أن دعوة مراقبين دوليين يجب ألاّ تخيف من يتمتّع بالنزاهة والشفافية، وأن دعوة المراقبين لا تضيف في تدويل ملف مدوّل أصلاً، علماً أن ثمة احتمالاً لأن يكون حضور مراقبين مطلباً دولياً "مفروضاً" في مرحلة لاحقة. والمسألة كما يؤكد المقرّبون منه ليست مطروحة من خارج سياق الرغبة في توفير أقصى الضمانات لاستحقاق مفصلي في حياة لبنان، وعلى كل حال هي مسألة لا يمكن مناقشتها بمنطق اتهامي تخويني.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00