من حيث المبدأ، أتت الحكومة الكرامية تحت عنوان "المواجهة"، مواجهة القرار 1559 المتضمن في أحد بنوده موقفاً من "حزب الله" ومطلباً حياله هو نزع سلاحه. من حيث المبدأ إذاً كان يفترض بالحكومة أن ترضي "حزب الله" وأن توحي له بالثقة لا بـ"الانزعاج" غير ان ما حصل كان بالعكس بصرف النظر عن رغبة الحزب في وضع حدود لانزعاجه لاعتبارات سياسية "كبرى"، وبغض النظر أيضاً عن ميل الحزب الى الايحاء باطمئنانه السياسي العام ونفيه وجود إشارات من داخل الحكومة الى تعاطٍ "ملتبس" معه.
بيد ان ذلك لا يمنع من تسجيل عدد من الملاحظات التي تمهد لاستنتاجات رئيسية:
الحريري و"حزب الله"
أولاً ـ في الوقت الذي لم يجرِ رئيس الحكومة عمر كرامي اتصاله بالأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله إلا أول من أمس، أي بعد نحو أسبوع من تشكيل الحكومة التي كانت موضع "تحفظ" من الحزب، وفيما بدا أن هذا الاتصال جزء لا يتجزأ من الحركة السياسية المكثفة باتجاه الحزب لـ"إقناعه" بمنح الحكومة الثقة، في هذا الوقت كشف عضو المجلس السياسي السيد نواف الموسوي في حديث إذاعي ان الرئيس رفيق الحريري عرض على "حزب الله" في مرحلة مشاوراته قبل الاعتذار، أن يتمثل في حكومة برئاسته ولو عبر مقربين منه أي عبر شخصية غير حزبية. وكان الموسوي على ما أوحى في حديثه يجري "مقارنة" بين تعاطي الحريري مع الحزب وتعاطي سواه معه.
وفي مجلس خاص، أكد الرئيس الحريري كلام الموسوي، وقال انه بالفعل قدم عرضاً مماثلاً لحزب الله لانه لم يكن يتخيل ألا يكون للحزب تمثيل مباشر أو غير مباشر في حكومة وفاق وطني تلي التطورات التي حصلت على غير صعيد محلي وخارجي. وأضاف الحريري ان حكومة الوفاق كانت تمثل الخيار الفعلي لمواجهة التحديات، وان حضور "حزب الله" فيها ولو على نحو غير مباشر كان ليشكل تعزيزاً للوفاق الوطني من ناحية وتعزيزاً لـ"الشرعية" السياسية للحزب في وجه الضغوط الدولية من ناحية ثانية، وتدعيماً لفرصة بلورة سياسة رسمية تحظى بإجماع وطني يجري بواسطتها مخاطبة المجتمع الدولي من ناحية ثالثة. ولا يتردد الحريري في القول ان هذا "العرض" لم يكن فقط وليد تطور العلاقة الثنائية بينه وبين "حزب الله" خلال الفترة الماضية حيث رست العلاقة على الاحترام والصدق، انما كان وليد قناعة بحفظ موقعية الحزب في المعادلة الوطنية اللبنانية أيضاً.
في المقابل، لا يخفي قياديون في الحزب في جلسات خاصة انهم لم يكونوا يعون حكومة "المواجهة" إلا بوصفها حكومة وفاق وطني أولاً، وانهم لم يروا الحريري خارج رئاسة حكومة نظراً لما له من علاقات وقدرات تجعله جزءاً رئيساً من مواجهة الضغوط الدولية ثانياً، وانهم "نصحوه" كثيراً بتقديم تنازلات في التشكيلة الحكومية لكنهم لم ينصحوه بالاعتذار عن ترؤس الحكومة ثالثاً.
الحزب بين جنبلاط ودمشق
ثانياً ـ صحيح ان "حزب الله" على اقتناع بأن قرار سوريا التمديد للرئيس إميل لحود، كان لـ"قلب الطاولة" في وجه قرار التدويل وليس العكس، أي ليس التدويل رداً على التمديد، وصحيح انه كان "يتمنى" لو ان موقف الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط أتى "مبارِكاً" للتمديد بوصفه خياراً سورياً في لحظة إقليمية ـ دولية خطيرة، بيد ان الصحيح أيضاً ان الحزب لم يكن في أي لحظة مع تخوين جنبلاط أو عزله. وعلى هذه الخلفية بذل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله جهوداً كبيرة في سبيل استعادة العلاقة بين جنبلاط ودمشق الى سياق طبيعي وعقلاني، حتى لو انه لم يوفق في مساعيه هذه.. حتى الآن.
وإذا كان نصرالله "تدخل" عدة مرات لدى جنبلاط إما لثنيه عن قول "ما لا يقال" أو "ما لم يحتمل قوله" كما حصل عشية الحديث التلفزيوني الأخير لجنبلاط على شاشة "اللبنانية للإرسال" أو في مرات أخرى لدعوته الى عدم "رفع سقف الانتقادات"، وحديثاً لـ"تهدئة" الخطاب في جلسة الثقة بالحكومة، فإن نصرالله في المقابل نصح المعنيين بتشكيل الحكومة بألا يستفزوا جنبلاط بأن يأتوا بمن يناصبه الخصومة والعداء، وذلك على قناعةٍ منه بأن من شأن "استعداء" جنبلاط أن يؤزم الأمور وأن يقطع خط الرجعة.
وأكثر من ذلك، ولأن نصرالله حريص على العلاقة الجنبلاطية ـ السورية، فهو اتصل بجنبلاط غداة المحاولة الفاشلة لاغتيال الوجه الوطني البارز مروان حمادة ليهنئه بنجاة رفيقه ويعزيه باستشهاد مرافق الوزير حمادة، وقال له "ربّ ضارة نافعة" وكان يقصد إضافة الى اغتباطه بسلامة حمادة، انه "ربما" تكون الجريمة التي يقرأها السيد على انها موجهة ضد جنبلاط وسوريا معاً، مناسبة لـ"تبريد" الأجواء وإعادة فتح طريق دمشق أمام جنبلاط.
يجب الاعتراف إذاً أن حرص "حزب الله" وأمينه العام على جنبلاط كبير جداً، وليس في هذا الحرص أي قطبة مخفية. فمما لا شك فيه ان الحزب يتعامل مع جنبلاط بوصفه ذا تاريخ وطني عريق، لكن بوصفه مساهماً في المقاومة، وبشكل خاص من بوابة حركته باتجاه دروز فلسطين، أي مبادرته الى "تعريب" دروز فلسطين، وذلك في امتداد اشتغاله على البيئة الدرزية في كل مكان من لبنان لتكون "بيئة مقاومة". هذا في حين ان علاقة الحزب والمقاومة بـ"الحزبية" الدرزية الأخرى يشوبها الكثير من علامات الاستفهام في مناطق تواجد هذه "الحزبية" جنوباً، وهو أمر متروك على كل حال للمعنيين أن يكشفوا عن الأسباب في هذا المجال.
وغني عن القول ان كل ما سبق استعراضه على صعيد العلاقة بين جنبلاط والحزب، وهو مستقى من "أجواء" الفريقين، يؤكد أمراً واحداً وهو ان "حزب الله" يثق بحرص جنبلاط على حماية المقاومة وحماية "حزب الله"، وان جنبلاط أشد حرصاً من أشخاص في "حكومة المواجهة".
..والبيئة المسيحية
ثالثاً ـ وإذا كان صحيحاً أيضاً ان لـ"حزب الله" نظرته الى المعارضة المسيحية وتياراتها وتركيباتها ما يجعله ينأى عن محاولة إقامة علاقات معها في الأطر التي تقدم نفسها من خلالها، فإنه في المقابل ينظر بارتياح الى عدد من الشخصيات المعارضة ولا يتعاطى معها باشتراط التطابق في المواقف، لا بل يلفت في العديد من الأحوال ترحيبه بمواقف بعض هذه الشخصيات التي تعلن رفضها الإساءة الى الحزب، أو إبداء الاستعداد للمساومة عليه، والتي تبلّغ موقفها هذا الى الديبلوماسية الغربية الراعية للقرار 1559. ومن نافل القول ان الحزب الذي يكن احتراماً للبطريرك نصرالله بطرس صفير، "نصح" أيضاً بتمثيل ماروني "مقبول" في الحكومة... ولم يجرِ الاستماع الى نصيحته هنا أيضاً.
محاولات فاشلة للتخريب بين بكركي وجنبلاط
رابعاً ـ ان "المستهجن" فعلاً، في وقت يبدو "حزب الله" المستهدف حريصاً على "الجمع" وليس على "الفرز"، خاصة إذ يذهب "الفرز" الى الحدود القصوى من الافتعال، أن يكون ثمة حرص في المقابل ومن جانب فريق السلطة الممددة تحديداً على الذهاب الى النقيض.
فمن لا يعرفُ مثلاً ان الرئيس كرامي "فوجئ" بالموقف السلبي للبطريرك صفير من الحكومة فيما كان "قيلَ" له ان وزيرين مارونيين على الأقل يحظيان بـ"بركة" بكركي؟ ومن لا يعرف مثلاً ان ثمة موفدين دائمين من قبل الحكم الممدد له الى بكركي لـ"ضخّ" إشاعات هدفها الإساءة الى العلاقة بين بكركي وجنبلاط، ومحاولة الايحاء بـ"خيانة" قريبة سيرتكبها جنبلاط ضد البطريرك؟ مع العلم ان هذه المحاولات جميعاً باءت بالفشل لان البطريرك "جلمود صخر" يرد العاتيات عن الوفاق الوطني.
"قوى المواجهة" خارج "حكومة المواجهة"!
ماذا يستنتج من هذه المقدمات جميعها؟
ان أبرز الاستنتاجات على هذا الصعيد ثلاثة:
1 ـ ان "عُدّة" مواجهة التحديات وقواها موجودة خارج "حكومة المواجهة"، خاصة إذا كانت "المواجهة" لا تعني "اللفظية الخشبية" أو "مناطحة الجدران"، انما تعني التماسك حول سياسة تفتح الثغر في "الجدران" وتحقق التماسك الوطني.
2 ـ إن القوى خارج الحكومة حتى بدون تنسيق بين عدد من أطرافها تمثل ضمانة وطنية رئيسية وهي بـ"عقلانيتها" التي تتجلى في عدم الرد على الحملات، تستقطب ثقة القسم الأكبر من اللبنانيين.
3 ـ إن "حزب الله" شاء أن يعترف علناً أو رفض، أحوج ما يكون الى شبكة أمان سياسية ولا يمكنه أن يجدها بشكل رئيسي إلا في القوى التي جرى استعراضها، وهو ذو مصلحة في أن يجدّ في هذا الاتجاه اليوم قبل غدٍ، ولأنه ساعٍ في هذه الوجهة على ما يبدو، تراه يتعرض لـ"ضغوط" بعضها كان قبل أيام لاستدراجه الى سجال مع جنبلاط (ولم يُستدرج)، وبعضها الآخر يتم في صيغة "كسب ودّ" الحزب علّه يمنح الثقة الى الحكومة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.