أمّا وقد بات بعض الكلام عن خفايا تشكيل الحكومة مباحاً، يؤكد الرئيس نبيه بري انه لم تكن ثمة عقدة شيعية على الاطلاق، ويكشف انه عند الساعة الواحدة بعد منتصف ليل الاثنين ـ الثلاثاء من الأسبوع الماضي، كان حصل على موافقة من المعنيين بتأليف الحكومة، ومن الرئيس عمر كرامي تحديداً على الأسماء التي اقترحها للمشاركة وبينهم النائب علي حسن خليل عن حركة "أمل"، ويضيف انه عندما تأكد أن لا "فيتو" على توزير أي من ممثلي الحركة، بادر من تلقاء نفسه الى تغيير الأسماء بالتفاهم مع كرامي بحيث بات ممثلاً بالوزراء الذين غدت أسماؤهم معروفة بعد ذلك، ومن دون "أمل".
ولا يخفى من خلال هذه الرواية ان الرئيس بري يريد أن يقول ان قرار عدم مشاركة حركيين في الحكومة هو قراره، وأن ليس صحيحاً ان ثمة استبعاداً حصل للحركة من قبل أي كان. و"الحكمة" عنده ان المشاركة على النحو الذي تمت فيه أخيراً لا تزعج الحركة طالما ان عدم مشاركتها قرار ذاتي وترضي اعضاء "كتلة التنمية والتحرير" الذين يرون أنفسهم ممثلين عبر زملاء لهم.. وإن كان بري لا يخفي انه كان يرغب في أن تتمثل كتلته من خارج الخانة الشيعية أيضاً ومسيحياً بنوع خاص.
طبعاً، من الواضح ان رئيس المجلس عندما يبدأ بهذا التقويم انما يريد أن يؤكد رضاه عمّا آلت اليه عملية تأليف الحكومة الكرامية، ويستغرب أن يُقال ان أحد أسباب انزعاج "حزب الله" من التشكيلة الحكومية مرده الى حصته في الحكومة وفوزه بوزارات خدماتية أساسية "لان هذه الخدمات ستقدم لكل المناطق ولا تمييز بين أمل وحزب الله والكل سيستفيد منها، وتجربة مجلس الجنوب خير دليل على ذلك حيث لم تحجب خدمة عن أحد أو منطقة بحسابات حزبية ضيقة". ويرجّح بري ان انزعاج الحزب متأتٍ عن عدم التشاور معه "كما يجب" وبصفته "طرفاً سياسياً كبيراً أو ربما لوجود أسماء في الحكومة علاقتها بحزب الله غير سليمة من عدة زوايا نظر".
"حكومة الوحدة" محاولة أحبطها الانقسام
بيد أن رضى بري عن الحكومة لا يفسره فقط ارتياحه الى موقعه المحفوظ في السلطة التنفيذية، بل هو يعتبر ان الرئيس كرامي بذل أقصى ما يستطيع من جهد كي تأتي حكومته حاضنة لتمثيل أوسع وأشمل. ويؤكد انه من ناحيته بقي متمسكاً حتى اللحظة الأخيرة بتشكيل "حكومة وحدة وطنية" أو حكومة "لمّ الشمل"، ولم يتردد في توضيح ان المطلوب إدخالهم في الحكومة هم ممثلون عن البطريرك الماروني، وعن "لقاء قرنة شهوان" وعن الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، وعن الرئيس رفيق الحريري بعد أن اعتذر عن تشكيل الحكومة. لكن ذلك لم يحصل لأسباب تتعلق بـ"الانقسام السياسي" في البلاد، على الرغم من ان الرئيس كرامي مواظب في مواقفه السياسية على إعلان الانفتاح. وعندما يقال للرئيس بري ان البطريرك نصرالله بطرس صفير أعلن في عظته الأخيرة استياءه من الحكومة، يرد مستغرباً "لانه قيل لنا وللرئيس كرامي ان ثمة وزيرين مارونيين مقربين من بكركي".
وقف التشنج وحملات التخوين
على أية حال، ينتهز بري مناسبة الحديث عن الحكومة التي لم يمكن أن تأتي شاملة بسبب "الانقسام السياسي" ليشدد على أن هذا الانقسام يجب ألا يستمر، منتقداً على نحو شبه مباشر الحملات التخوينية ضد جنبلاط تارة وضد المعارضة المسيحية تارة اخرى.
ويرى ان الأولوية بعد جلسات الثقة بالحكومة، يجب أن تكون لترييح الوضع الداخلي وتفكيك تشنجاته. فبالنسبة الى الثقة يعتقد رئيس مجلس النواب ان حجمها يتوقف على معطيين رئيسيين: الأول موقف الرئيس الحريري وما إذا كان سيعطي الثقة للحكومة الكرامية أو لا وما إذا كان جميع من سمّوا كرامي لرئاسة الحكومة سيقترعون بالثقة لحكومته، والمعطى الثاني حجم الحضور النيابي للجلسات. لكنه يقدر ان الحكومة ستنال في جميع الأحوال بين 65 و70 صوتاً. أما في ما يتعلق بالترييح، فإن بري يعتبر ان انكباب الحكومة على معالجة الأزمات الرئيسية في مجال الفساد والهدر والكهرباء سيؤدي الى إعطاء بارقة أمل للناس، لكنه يرى ان إعداد قانون عادل ومتساوٍ ومن دون استثناءات للانتخابات مع استعداد لإجرائها بنزاهة ومن دون "عركشات"، من شأنهما أن يفكا الاستنفارات السياسية "فلا يعقل أن يكون القانون عادلاً والانتخابات نزيهة ويرفض المعارضون".
ولا يخفي بري تفضيله إجراء الانتخابات على أساس المحافظة واعتماد النسبية في المحافظة دائرة انتخابية "فأنا على استعداد لأن أخسر عدداً من النواب في مقابل أن يربح البلد". وإذ يتوقع "مرحلة صعبة" بفعل الضغوط الخارجية، يؤكد ان السير في اتجاه الترييح هو "السلاح الوحيد لمواجهة القرار 1559 وتداعياته باستقرار داخلي".
"حزب الله": لانزعاجنا حدود
في المقابل، ماذا عن "حزب الله"؟
يقول نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ان "حزب الله" أبدى انزعاجه حيال صيغة تشكيل الحكومة، ويوضح ان "هذا الانزعاج ليس مبنياً على خوف من تطورات سلبية حيال المقاومة أو على خوف من فقدان مواقع أو حصص داخلية". ويضيف انه "من الواضح ان مجموعة المواقف التي اتخذناها تثبت عكس ذلك فقد صوتنا للتمديد للرئيس إميل لحود لقناعتنا بانه يحمي الخط السياسي العام ويستطيع مواجهة مفاعيل الضغط على لبنان، وسميّنا الرئيس عمر كرامي كمرشح لرئاسة الحكومة لثقتنا بأنه من خلال مواقفه وظروف مجيئه يحمل الرؤية التي تتفق مع حزب الله في الشأن العام الاجمالي والشأن السياسي المحلي والإقليمي".
ويلفت قاسم الى انه "لا يوجد ما يبرر هذه المخاوف بالنظر الى طبيعة الإدارة السياسية وإن كانت لنا ملاحظات على طريقة التأليف وبعض الآليات التي وسعت من التجاذب فأضعفت آمالاً مرتقبة، ولا يتعدى انزعاجنا هذه الحدود". ويشير الى "الأمر بالنسبة الينا انتهى عند هذا الحد، أي اننا أبدينا موقفنا وسمعه المعنيون ونتمنى أن تودي المعالجات العملية لاحقاً الى إزالة بعض الالتباسات التي لا يمكن حسمها إلا على أرض الواقع". ويشدد على "اننا لم نشعر لحظة واحدة اننا مستهدفون أو ان ثمة إشارات يريد أحد إرسالها الى الدول الكبرى كبراءة ذمة في كيفية التعاطي مع حزب الله".
تسمية كرامي "قد" لا تنعكس ثقة
ويحرص نائب الأمين العام على لفت الانتباه الى ان "الجميع يعرف اننا لسنا مستوزرين وهذا أمر يرتبط بقرارنا عدم الدخول في الحكومة في هذه المرحلة".
وإذا كان واضحاً تماماً ان الشيخ نعيم قاسم يحاول احتواء ردود الفعل على "زوبعة" إعلان الحزب انزعاجه من التشكيلة الحكومية، وكأنه بذلك لا يريد إعطاء أي إيحاء بإمكان "استخدام" موقفه في معرض أي اعتراض على الحكومة يذهب الى المدى السياسي، فإنه يقول ان الحزب "ليس في موقع المعارضة للحكومة بالصيغة السائدة ولسنا موالاة لاننا سميّنا رئيس الحكومة"، ويشير الى ان "التسمية مرتبطة بقناعاتنا حول المرحلة والشخص الذي يمكن أن يقوم بدور فيها". لكنه يستدرك قائلاً "قد لا تنعكس التسمية على طريقة التعاطي مع مسألة الثقة بالحكومة"، ويعلن ان "الحزب وكتلة الوفاء للمقاومة سيعلنان القرار المناسب في هذا الشأن خلال 48 ساعة".
ويؤكد قاسم انه لن يدخل في جدل مع ما كتب من تحليلات وما إذا كانت حصلت مبالغة في قراءة انزعاج الحزب "لكن ليس صحيحاً أن يصور الأمر وكأن الحزب خسر بطريقة فادحة من تشكيل الحكومة"، ويستطرد بتوضيح "اننا سنثبت للجميع اننا في الوقت الذي ندعم الحكومة في مواجهة الاستحقاقات الكبرى سنكون دقيقين في مراقبتنا لأعمالها في ما يتعلق بالشأن الداخلي".
"صورة" بري و"تخفيف" الحزب
في ضوء ما تقدم، لا يخفى ان الرئيس نبيه بري يسعى الى تقديم "صورة" محددة عن دعمه للحكومة، وهي صورة حرص عليها دائماً ويحرص عليها الآن أكثر فأكثر، خاصة في ظل كلام تناول دوره وموقعه في المرحلة المقبلة، كلام "استبشر" أصحابه بتراجعهما. في حين ان "حزب الله" المنزعج من الحكومة، يسعى الى "ضبّ" انزعاجه عند حدود معينة، وذلك على الأرجح لان استمرار إعلان الانزعاج "يسعد" من يتربصون به بينما يزعج حلفاءه المعنيين بتشكيل الحكومة ولا يريد أن يشكل متراساً للمعارضة، وهو يعض على ألمه فيما يخفف نبرته التي لم يبالغ المحللون في ملاحظة ارتفاعها بعيد تأليف الحكومة، ليعود الى قيادة الاصطفاف حول "المواجهة" وفكرتها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.