8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فرنجية يريد الداخلية لثلاث سنوات و"يضمن" الرئاسة بعدها؟

من بين سائر أعضاء الحكومة الكرامية الجديدة، يبدو الوزير سليمان فرنجية في موقع "سوبر وزير" بوجوده في وزارة الداخلية في حكومة إحدى وظائفها تنظيم الانتخابات النيابية والإشراف عليها.
في محيط فرنجية، الارتياح كبير و"النشوة" عالية. يعتبرون أن فرنجية بات جاهزاً للحلول مكان الرئيس إميل لحود في أي وقت إذا حتمت الظروف عدم انتظار انتهاء الولاية الممددة، وفي جميع الأحوال إنّ رئاسة الجمهورية آيلة اليه حتماً بعد ثلاث سنوات لا بل هي ضُمنت له سلفاً. وفي ذاكرة هؤلاء المحيطين الذين يعكسون مناخ الوزير، أن جده الرئيس الراحل سليمان فرنجية كان وزيراً للداخلية عام 1968 في حكومة الرئيس الراحل عبدالله اليافي التي أشرفت على أكبر معركة انتخابية سياسية في ذلك العام، ليجد نفسه بعد عامين رئيساً للجمهورية بصوت واحد، علماً أن فرنجية الجدّ لم يذهب مباشرة من الداخلية الى بعبدا إذ مرّ بوزارة الاقتصاد في حكومة الراحل رشيد كرامي بعد اتفاق القاهرة، بينما سليمان الحفيد يريد الداخلية على مدى السنوات الثلاث المقبلة من دون انقطاع ومتأكد من أنه سيحتفظ بها. وأكثر من ذلك، وبمفعول رجعي، يؤكد المحيطون أن وجوده في الداخلية يعني أنه لولا التجديد للحود لكان هو الآن في بعبدا.. ولستّ سنوات.
وبصرف النظر عن "الحقيقي" في خيال فرنجية ومحيطه و"الوهمي" في هذا الخيال، لاسيما أن الظرف التاريخي الذي قاد الجدّ الى الرئاسة في ظل تناحر تكتّلي النهج الشهابي والحلف الثلاثي في العام 1970، هو غير الظرف التاريخي الذي يمرّ به لبنان في هذه المرحلة، فمما لا شك فيه أن وجود "أبو طوني" الحفيد في الداخلية يُعطيه موقعاً تفاضلياً حيال القوى المتنافسة على ساحة الشمال الانتخابية.
معوض وحرب... والتحالفات
فهو أولاً في وضع يمكّنه كوزير للداخلية من التحكم بالتحالفات الشمالية من جهة وبالتقسيمات الانتخابية من جهة أخرى. وهو في وضع يعينه على أحد احتمالين: إما التحالف مع رئيس الحكومة عمر كرامي بشروط ملائمة وإما عدم التحالف مع كرامي بظروف "مثلى"، وكرامي في هذه الحالة "محشور". فإذا فرض فرنجية شروطه على "الأفندي"، فمعنى ذلك أن الحليف الطرابلسي لفرنجية أي الوزير السابق نجيب ميقاتي سيكون رقماً مهماً في لائحة التحالف بينما تخرج الحليفة الزغرتاوي لكرامي أي النائب نايلة معوض منها، والأرجح النائب بطرس حرب أيضاً. وإذا لم يقبل كرامي هذه الشروط، فالظن عند محيط فرنجية أن ظروف المعركة ستكون مؤاتية له فيخرج من الانتخابات قوياً ومعزّزاً حظوظه الرئاسية.
وإذا كان المراقبون يعتبرون أنه لا يزال مبكراً الخوض في موضوع التحالفات الانتخابية في الشمال وغيره، وأن مطابقة حساب الحقل على حساب البيدر متعذرة في المباشر، وذلك لجملة اعتبارات أهمها أن المرحلة السياسية الراهنة في لبنان هي من طبيعة انتقالية بكل معنى الكلمة وعلى الصعد كافة، وأن مصير الانتخابات في الشمال لا تقرره فقط علاقة الثنائي اللدود كرامي ـ فرنجية، وأن "اللبننة" التي أتاحت في العام 1970 وصول الجدّ الى رئاسة الجمهورية بفارق صوت واحد فقط عن مرشح الشهابية آنذاك الرئيس الراحل الياس سركيس غير قائمة الآن... فإن المراقبين يعتبرون مع ذلك أن مسار التشكيلة الحكومية الكرامية أدى من غير رغبة من الرئيس كرامي الى استنفار "حواس" نايلة معوض وبطرس حرب.
النائبان المعارضان ومسألة الثقة
فكرامي كان واضحاً في سعيه خلال مشاورات التأليف الى توزير النائب حرب لـ"موازنة" حضور فرنجية، وقيل إنه كان يريد إسناد حقيبة أساسية اليه كوزارة الصحة، لكن الأسباب السياسية "الكبرى" حالت دون هدف كرامي وسارت الأمور في غير ما تشتهيه سفنه. أما "حواس" حليفيه الانتخابيين وفي إطار ما كان يسمى "الجبهة الوطنية للإصلاح"، فهي مستنفرة ليس ضد كرامي الذي يقدران له سعيه، بل حيال تطورات محتملة سياسياً قد تكون لها انعكاسات. فالنائبان حرب ومعوض لا يسعهما على الرغم من صداقتهما مع رئيس الحكومة إعطاء الثقة لحكومته. وإذا أخذت مقابلة حرب في برنامج "الاستحقاق" من محطة "المستقبل" مساء الأربعاء الماضي معياراً، فمن الواضح أن حرب "حيّد" كرامي عن مرمى هجماته التي سدّدها باتجاه الحكومة، ما يعني أن منح الحكومة الثقة يقع خارج السياق بالنسبة الى النائبين المعارضين، وإن كانت معوض أكثر حراجة لسببين: أولهما أن تحالفها مع كرامي تاريخي، والثاني أن خصمها المباشر فرنجية في الداخلية.
على أن هموم سليمان فرنجية ليست شمالية فقط، ذلك أنه وهو الذي يتصرف وكأنه رئيس الجمهورية المقبل، يعتبر أن فوزه بالداخلية أعطاه حيال المعارضة المسيحية أفضلية سياسية. وفي معلومات معينة، أن فرنجية "سرّب" الى المعارضين كلاماً مفاده أنه نجح حيث أخفقوا "فقد أمضيتم سنوات تطالبون بإزاحة الياس المر عن الداخلية ولم تنجحوا وها انني أحل مكانه ببساطة"، لكن فرنجية لم يعد بطبيعة الحال بمعالجة الملفات التي كانت موضع شكوى المعارضة والمعارضين. ولا يخفى أن هدف الوزير الجديد للداخلية، أو أحد أهدافه تحسين وضعه مسيحياً على أبواب الرئاسة المعقود لواؤها له كما يوحي.
بيد أن ما فات فرنجية، وكرامي قبله، هو أن "المفتاح" باتجاه المعارضة خصوصاً والوضع المسيحي عموماً، ليس كل ذلك مما تقدم ذكره.
صفير وكرامي
ففي المعلومات أن كرامي عندما زار البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير كرئيس مكلف، سمع من سيد بكركي كلاماً مِن شقين: الأول هو أن البطريرك لا يتدخل في تسمية الوزراء ولا يشجع أحداً على الدخول في الحكومة أو على عدم الدخول، والثاني دعوته كرامي الى التحرك لمعالجة مشكلة لبنان مع المجتمع الدولي بعد القرار 1559. وفي هذه الدعوة دلالة سياسية كبيرة، إذ يرى المراقبون انها تعني مصالحة لبنان مع الشرعية الدولية، ولذلك فإن المسألة بالنسبة الى البيئة المسيحية إجمالاً، والمعارضة تحديداً، هي تطبيق الطائف أخذاً في الاعتبار وجود القرار 1559.
وبمعنى آخر إن البيئة المسيحية العريضة ومن ضمنها المعارضة، ترى أن الفترة الفاصلة عن الانتخابات النيابية تحمل في طيّاتها الكثير من العوامل التي لا يستوي معها أي تصرف يوحي بأن الأوضاع محسومة وبأن المواقع محسومة أيضاً. وبأن قدرة السلطة مطلقة على "سجن" المعارضين في بيوتهم وفرض ما تريد عليهم.. فقط لأنها شكلت "حكومة اللون الواحد".
وعلى أي حال، وبما يؤكد الموقف السلبي المسيحي مِن حكومة الرئيس كرامي (وليس من الرئيس كرامي شخصياً)، تسخرُ أوساط مقرّبة من بكركي من التسريبات التي تقول مثلاً إن الوزير الجديد ابراهيم الضاهر عيّن في الحكومة إرضاء للبطريرك.
الضاهر.. والوزراء الموارنة
وفي هذا المجال تقول إنه إذا وضعت جانباً حقيقةُ أن البطريرك لم يسمّ وزراء بل كان شديد الاهتمام بـ"السياسة الوطنية العامة"، وعلى افتراض انه تم تصديق أن توزير الضاهر كان لإرضاء البطريرك، فلماذا لم تسند اليه حقيبة رئيسية؟، وتسأل هل هكذا يكون الأمر؟. وتلفت بالإضافة الى ذلك، الى أن توزير الضاهر أطلق مشكلتين في بشري مسقط رأس الوزير الجديد: الأولى مع "الخال" النائب الشيخ قبلان عيسى الخوري الذي كان ولا يزال يعدّ ابن شقيقه لوراثته وليس ابن شقيقته، والثانية مع "القوات اللبنانية" التي تعتبر القوة الرئيسية في القضاء منفردة. وبالإضافة الى الضاهر، تشير الى أن التمثيل الماروني "بائس" وموضع تندّر وتهكم في "الشارع"، إذ لا أصل سياسياً لتوزير هؤلاء، سوى أن أحدهم مثلاً أتى في سياق الحرب على الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، وآخر لأنه خضع للضغوط الكثيرة التي واجهته عندما كان ناشطاً في أحد التيارات المعارضة ويُقال إنه يعرف مواعيد استراحة البطريرك فيصعد الى بكركي في هذه المواعيد، وثالث وعلى الرغم من عمره المديد في الوزارة لا حيثية له حتى في منطقته الانتخابية...
ويختم المراقبون بالقول إن فرنجية "سوبر وزير" في وزارة يعتوِرها تمثيل هشّ لمعظم الطوائف، وإذا كان ذلك يجعل موقعه متقدماً بالمقارنة مع سائر أعضاء الحكومة، إلا أن عليه أن يحتسب وألا يُفرِط في تقدير قدراته وإمكانياته، لأن ثمة تناقضات كبيرة في الوضع السياسي اللبناني الآن تتحتم دراستها بعمق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00