نقلت أوساط سياسية لبنانية عن مصادر ديبلوماسية غربية التقتها بعد تشكيل الحكومة الجديدة، قولها ان الإشارة السياسية الإيجابية الوحيدة التي انطوت عليها التشكيلة الحكومية هي انزعاج "حزب الله" منها، الأمر الذي يفيد من وجهة نظر المصادر الديبلوماسية ان ثمة رسالة تحجيم للحزب برسم الخارج الدولي، ليس لأن الحزب كان يريد المشاركة في الحكومة فتم استبعاده، بل لأنه وضع أمام تركيبة تتصف بنوايا "غير حسنة" تجاهه.
هكذا إذاً، استطاعت المصادر الديبلوماسية الغربية ان تكتشف شيئاً إيجابياً في الحكومة الكرامية، فات اللبنانيين الذين انهمكوا في تعداد سلبياتها أن يكتشفوه. وعزز هذا الاكتشاف الذي قابلته المصادر بـ"بسمة خبيثة"، كلام "حزب الله" نفسه عن انزعاجه في بيان أصدره أول من أمس. بيد ان الأهم، هو ان المصادر الغربية وعلى الرغم من اعتراضها على الحكومة بالجملة والمفرّق لأنها لم تُصنع في لبنان على حد قولها، سلّطت الضوء على أمر مواز، هو ان حكومة الرئيس عمر كرامي ليست حكومة مواجهة كما يجري الإيحاء، إذ كيف تستقيم المواجهة مع إغضاب "حزب الله" وإزعاجه من جهة ومع الإيحاء بـ"عرض رأسه" للبيع من جهة أخرى، كما تتساءل الأوساط اللبنانية.
الأوساط السياسية اللبنانية تبدو مقتنعة بما نقلته عن المصادر الغربية، لا بل هي مقتنعة بأن "حزب الله" نفسه مقتنع أيضاً بذلك. وأكثر من ذلك، هي تعتبر ان حديث المواجهة مع القرار 1559 إذ يتلازم مع إزعاج "حزب الله" إنما يكشفه أمام المطالبات الدولية الموجهة ضده، وتذهب إلى حد اعتبار ان ثمة "حبكة" ما يراد منها ان تبدو الحكومة "متشدّدة" حيال الداخل في نفس الوقت الذي يُترك "مسرب" معين لـ"المساومة" خارجياً. وتذكّر بأن الأشهر المنصرمة بعد الانتخابات البلدية التي أبرزت النفوذ الشعبي لـ"حزب الله"، شهدت محاولات لـ"عرض" الحزب على "المذبح" الدولي، وأخطر هذه المحاولات ما حصل في الضاحية الجنوبية في السابع والعشرين من أيار الماضي.
وإذ تلفت الأوساط إلى ان المصادر الغربية ما كانت لتكتشف هذا الجانب من الحكومة الجديدة لولا انها وجدته "حقيقياً" (بالرغم من كونه أولياً)، تشير إلى ان "حزب الله" وتحت عنوان مواجهة تداعيات القرار 1559، كان يريد حكومة وفاق وطني فعلية.
"حزب الله" و"حكومة الوفاق"
وفي اعتقاد "حزب الله" ان "حكومة الوفاق الوطني" هي تلك التي تتمتع بالمواصفات الآتية: حضور القوى الرئيسية الأكثر تمثيلاً في البيئات السنّية والمسيحية والدرزية أولاً، وتمثيل شيعي متوازن ثانياً، وقدرة على فكّ الاستنفارات الداخلية ترييحاً للوضع السياسي الداخلي ثالثاً، ومعالجة الأزمات على أنواعها ترييحاً للوضع الشعبي رابعاً.
وفي هذا المجال، يؤكد "حزب الله" بحسب الأوساط ان علاقته بالرئيس رفيق الحريري لم تصل يوماً، على الرغم من الصعود والهبوط فيها، إلى حد عدم الاعتقاد بقدراته وطاقاته لاسيما على صعيد مخاطبة العالم الخارجي و"امتصاص" ضغوطه، وانه عامل رئيس من عوامل مواجهة الضغوط، كما يؤكد حسبما سمعت منه الأوساط الآنفة مراراً ان التمثيل الدرزي لا يستقيم بلا رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط بالرغم من اختلافات في مقاربة عدد من الأمور أحياناً، ويشدّد على انه وإن كان يرفض التعاطي مع المعارضة المسيحية بالجملة أو عبر أطر معينة، فإنه في المقابل يرى ان ثمة "وطنيين واقعيين" عديدين في هذه المعارضة.
أما بالنسبة إلى التمثيل الشيعي، فإن الحزب لا ينكر موقعية الرئيس نبيه برّي ولا يسعى إلى المحاصصة معه في اطار السلطة التنفيذية، لأن الحزب لم يتخذ قراراً كبيراً من هذا القبيل حتى الآن على الأقل. لكنه في المقابل، يعتبر ان موقعيته الشعبية كما تجلت في أكثر من مناسبة تؤهله عن حق لأن يكون موضع استشارة من قبل المعنيين بتشكيل الحكومة في الأسماء التي يجري ضمّها إليها من ضمن الحصة الشيعية على الأقل، وتؤهله لأن تكون له امكانية الوصول إلى "الخدمات" وهو صاحب جمهور كبير يستحقها، من دون أن يكون الممر إليها معبّداً بالمعوقات، والأهم، ان "حزب الله" أعطى من وجهة نظره كل المؤشرات إلى استعداده للتعاطي مع الداخل وقضاياه كافة، تحت سقف عدم التسليم بما يطلبه الخارج الدولي أو الإيحاء بذلك.
إذاً، من كل هذه الزوايا، وإذ يحقّ لـ"حزب الله" ان ينظر بارتياب إلى التشكيلة الحكومية، من الواضح ان اعتراضاته عليها ليست مبنية على رغبة بمشاركة فيها لا قرار يشرّعها، إنما هي مبنية على الاعتقاد بأن ثمة توازناً في داخلها يجعل الشك في "نواياها" التحجيمية في مكانه.. ويجعل الظنون الغربية في محلها والحالة هذه.
قصة الحزب مع الحريري وجنبلاط
والمعارضة المسيحية
وفي هذا السياق، تلفت الأوساط، وبعضها على اطلاع على الحركة السياسية للحزب، إلى مجموعة من الأمور:
أولاً ـ لجهة العلاقة بالرئيس الحريري، وعلى الرغم من كونها اشكالية في حد ذاتها، فإنها شهدت حسبما ما ينقل محاورو الحزب عنه، تطوراً إيجابياً خلال الشهور الماضية، حيث كانت لقاءات عديدة جرى فيها تشاور مكثف، وحمل رسُلُ الحزب وأمينه العام السيد حسن نصرالله إليه "نصائح" عدة، وتعززت علاقة الاحترام المتبادل حتى بوجود خلافات.
ثانياً ـ لجهة العلاقة بالزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، لا ينسى "حزب الله" مواقفه الداعمة للمقاومة والداعية إلى حمايتها وإلى تحصين كونها قوة ردع دفاعي في وجه العدوان الإسرائيلي، كما لا ينسى الحوارات العديدة التي جرت مع زعيم الجبل.
حصل بعض "الالتباس" في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، عندما وجّهت الدعوة إلى جنبلاط للقاء الرئيس السوري بشار الأسد (قبل أن يلغى لاحقاً في حمأة المواقف المتباينة بشأن التمديد)، لاحظ جنبلاط ان توقيت موعده مع الأسد يصادف موعداً مع نصرالله فاتصل به لتأجيله إلى يوم آخر اتفق عليه لكن تم تأجيله فيما بعد. هذا التأجيل من جانب نصرالله حصل على ما يبدو لتفادي "الاحراج" في لحظة تأزم علاقة جنبلاط بدمشق خصوصاً ان السيد كان يتطلع إلى لعب دور لازالة الخلاف. أما التأجيل نفسه، فإنه لم يرح جنبلاط. وبعد ذلك لم ينجح ترتيب موعد آخر حيث استمهل جنبلاط لاستكمال مهام سياسية قبل اللقاء، وهذا ما لم يرح نصرالله.
لكن الحزب حاذر الدخول في سجال مع جنبلاط عندما أعلن مواقف لم تستوعب بدقة حول مزارع شبعا. بيد ان جنبلاط سارع إلى تأكيد موقفه على النحو الآتي: ان مزارع شبعا لبنانية والمقاومة لتحريرها شرعية، لكن تحصين المقاومة في معركة تحرير المزارع وكي لا تكون مقاومة خارج الشرعية الدولية، يقتضي إحاطة الأمم المتحدة بمزيد من "الأوراق" التي تثبت لبنانيتها. ومع ذلك، فإن الأهم من وجهة نظر الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، يبقى حماية "حزب الله" وتعزيزه بشبكة أمان لبنانية.
إذاً، ان التقطعات التي حصلت في العلاقة المباشرة بين جنبلاط ونصرالله، كانت من منطلق "التباسات" سرعان ما زالت، وإن كان زوالها لا يعني التطابق، مع الإشارة إلى ان التواصل بين "التقدمي الاشتراكي" و"حزب الله" استمر بصيغ شتى.
وتلاحظ الأوساط المتابعة لحركة "حزب الله" انه بقدر حرص جنبلاط على الحزب، ثمة حرص مقابل من "حزب الله" على جنبلاط. ولا يخفي محاورو الحزب انطباعهم بأن التمثيل الدرزي كما جاء في الحكومة الجديدة لا يرضي "حزب الله" الذي يرى فيه استفزازاً لجنبلاط.. وربما قطعاً للطريق على مساعي الحزب لـ"تقريب" المواقف في غير اتجاه.
ثالثاً ـ ولجهة العلاقة بالمعارضة المسيحية، فإن "حزب الله" يتعاطى باحترام مع عدد من أركان "لقاء قرنة شهوان"، وإن كان ليس من ضمن سياسته ان يقيم علاقة بـ"القرنة" كاطار، محتفظاً لنفسه بحرية الاتصال بمن يعتبر انهم "وطنيون واقعيون". ويعتبر "حزب الله" بحسب محاوريه ان التمثيل الماروني في الحكومة الجديدة "بائس".
الريبة والخشية
في المحصلة العامة، ان "حزب الله" ينظر بعين الريبة إلى التشكيلة الحكومية في توازنها الموصوف آنفاً، لأنه يعتبرها بالصيغة التي ولدت فيها محطة في الأزمة وليست محطة نحو الانفراج السياسي، ولأنها كذلك يخشاها، في وقت يرى ان مواجهة تداعيات القرار 1559 لا تكون على هذا النحو الذي ينذر بثغر عديدة في هذه المواجهة.
وهنا، تختم الأوساط التي اقتنعت بأن "اكتشاف" المصادر الديبلوماسية الغربية للاشارة التي تحملها الحكومة الجديدة، هو اكتشاف في محله بصرف النظر عن كيفية تعاطي الدول الغربية معه لاحقاً وإن كان مزيد من التشدّد متوقعاً، تدعو إلى فهم أسباب خشية "حزب الله" من هذه الحكومة، إذ كيف لا يخشى الحزب ما تراه المصادر الغربية إشارة لافتة جرى "تطريزها" بعناية لتبدو الشيء الوحيد بـ"معنى" في هذه التركيبة؟. وتقول أخيراً ان الأمر يستدعي متابعة دقيقة لما وراء "الأكمة"!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.