8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي يربح ويخسر أمّا "حزب الله" فخسارة صافية

ماذا تعني التشكيلة الحكومية الجديدة من زاوية نظر شيعية؟
هذا السؤال ـ العنوان الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن سياق تشكيل الحكومة ككل، كان موضع نقاش العديد من الأوساط المعنية خلال الساعات الماضية حيث سجلت ملاحظات عدة على هذا الصعيد.
أولاً ـ لا شك انه يحق للرئيس نبيه بري أن يكون مرتاحاً حيال تركيبة الحكومة الجديدة التي تعكس بتوازناتها نفوذاً سياسياً مستمراً لرئيس المجلس على الرغم من مؤشرات سابقة كانت تفيد عن تراجع نسبي لدوره، خصوصاً قبيل التمديد لرئيس الجمهورية، وبالرغم من احتمال إفقاد دوره في الفترة المقبلة بعض مؤثراته عبر ما يحكى عن صلاحيات استثنائية للحكومة الكرامية تستعيض بها عن تشريعات مجلس النواب.
يحق للرئيس بري أن يكون مرتاحاً إذ حصد ثلاث حقائب خدماتية رئيسية (الصحة والأشغال العامة والشؤون الاجتماعية)، إضافة الى كونه "شريكاً مضارباً" في وزارة سيادية جاءت ضمن حصة الشيعة وهي وزارة الخارجية.
بري والنصف الآخر من الكوب
ثانياً ـ ومع ذلك، ثمة نصف آخر من الكوب لا بد من أخذه في الاعتبار. فقد ظهر من خلال مشاورات تأليف الحكومة ان بري سعى الى تقديم أعضاء من حركة "أمل" في التركيبة الحكومية لكنه اصطدم على ما يبدو وما قيل بنوع من "الفيتو" على توزير حركيين وحتى بعض المقربين منه شخصياً، الأمر الذي عنى للكثيرين ان ثمة تقويماً سلبياً لأداء الوزراء الحركيين في الفترة السابقة، لا بل ان ثمة استبعاداً لهم عن العمل الحكومي.
ثالثاً ـ يستطيع رئيس المجلس بطبيعة الحال أن يقدم مشاركته في صيغتها الراهنة على انها إنجاز، وهي كذلك من زاوية النصف الملآن من الكوب، ويستطيع أن يقول إنه هو من اتخذ القرار بإبعاد الحزبيين عن تمثيل هذا التيار الشيعي في الحكومة، غير انه من الواضح ان استبعاد الحركيين هو حاصل الجمع العددي لمجموعة عوامل خارجية (من خارج الحركة).
رابعاً ـ وإذا كان ما تقدم يعني التدقيق في ميزان الربح والخسارة بالنسبة الى بري، أي أين كسب وماذا وأين خسر ولماذا، فإن المعطى الآخر من الإشكالية يتعلق بتمثيل "البقاع الشيعي" من ضمن الحصة الشيعية في الحكومة. ذلك ان التركيز الأكبر من جانب بري لا يزال على الجنوب قبل البقاع، على الرغم من التجارب المريرة التي صادفته، لاسيما في الانتخابات البلدية الأخيرة.
من هنا، فإن خلاصة ما تلفت الأوساط المعنية إليه في هذا المجال، هو ان ثمة نصفين من كوب الماء، أي انه لا يمكن وضع الحصة التي خرج بها بري في الحكومة الجديدة بالرغم من "دسامتها" في خانة الربح الصافي، وهذا هو بالتحديد عنوان الإشكالية التي تقتضي من بري تبصراً في العمق.
"حزب الله" يدفع ولا يقبض
في الجهة المقابلة من "المشهد الشيعي"، يحق لـ"حزب الله" أن يكون منزعجاً من التركيبة الحكومية، وذلك انطلاقاً من اعتبارات عدة أهمها:
1 ـ ان حصة بهذه "الدسامة" لبري خصوصاً في مجال الخدمات وعلى أبواب انتخابات نيابية وشيكة، لا يريح "حزب الله" بداهة، لان ذلك يعطي رئيس المجلس موقعاً تفاضلياً في المنافسة الانتخابية إذا حصلت وفي مفاوضات التحالف إذا فرضت.
2 ـ وليس خافياً ان "حزب الله" وعلى الرغم من انه لم يسع الى المشاركة في الحكومة، بدا طامحاً الى أن يكون له حق "النقض" على التمثيل الشيعي في الوزارة، وساعياً الى تمثيل شيعي أكثر توازناً من وجهة نظره. وفي تقديره ـ على ما يبدو ـ انه وقد مثّل "بيضة القبّان" في عملية التمديد لرئيس الجمهورية، وانه وقد كان الحزب "الوحيد" الذي أعطى التمديد "شرعية" معينة من منطلق واضح هو ان مصير الاستحقاق الرئاسي ومصيره كانا متلازمين، وانه وقد أعطى بأصوات كتلته النيابية الاثني عشر بعداً عددياً مهماً لتسمية الرئيس عمر كرامي في الاستشارات النيابية الملزمة، ولولا هذه الأصوات لكانت التسمية هزيلة لا تتجاوز نصف أعضاء المجلس النيابي إلا بقليل... بدا إذاً ان الحزب الذي كان يأمل أن تكون له كلمته في التشكيلة الحكومية، منزعج من ان كل العوامل السابقة لم تؤخذ في الاعتبار، بالإضافة طبعاً الى ان وزنه الشعبي كما عكسته الانتخابات البلدية الأخيرة لم يؤخذ في الحسبان.
3 ـ ولا شك ايضاً في ان التوازن العام للحكومة الجديدة يثير مخاوف لدى "حزب الله" فهو ـ بحسابات خاصة ـ كان يأمل ألا تأتي الحكومة مختلة في توازنها بالقدر الذي يؤدي الى تصنيفها حكومة مواجهة في الداخل. فلا هو راضٍ عن التمثيل السني، ولا عن التمثيل الماروني والتمثيل الدرزي، وكان يتطلع الى أسماء تمنح الحكومة صفة أقل "استفزازية" ـ وبعضها يستفزه هو نفسه ـ من أجل تهدئة الوضع الداخلي، حيث يعتبر ان من مصلحته حصول هذه التهدئة.
... ولا يستطيع منح الثقة
4 ـ غير ان الأوساط المعنية شيعياً وعلى المستوى العام، تعتبر ان ما حصل على صعيد تشكيل الحكومة، أعاد تظهير إشكالية "حزب الله". ذلك ان الحزب في قراره التعاطي مع الداخل لكن تحت سقف عدم الذهاب الى حد الانخراط في "الدولة" و"النظام" بكل مؤسساتهما، يبدو من ناحية قابلاً لـ"التوظيف" من قبل "الآخرين" أو للاستفادة من مواقفه، لكنه يبدو من ناحية ثانية غير قابل لـ"الصرف" سياسياً، وهذه مشكلة متمادية. وفي هذا الإطار، من الواضح بالنسبة الى الأوساط المعنية ان "حزب الله" لا يزال يتفادى اتخاذ قرارات يعتقد ان اتخاذها يوحي بانتقاله من "مشروع مقاوم" الى "مشروع حزب سياسي"، والحال انه بذلك يدفع الثمن مرتين ـ لا بل مئات المرات ـ مرة في "مشروع مقاوم" تحيطه الأسئلة من كل صوب، وأخرى في عدم "تحصيل" أثمان ما يدفعه مثل تأييد التمديد ودعم كرامي.
5 ـ وإذا كانت الأوساط نفسها تعتقد ان كل ما تقدم لا يلخص الإشكالية انما يظهّر بعض صورها، وان الأوان قد حان لاتخاذ قرارات لـ"حل" هذه الإشكالية وليس قرارات من ضمنها، وان لحزب الله مصلحة في الذهاب الى المدى اللبناني الأوسع، فإنها (الأوساط) تبدي يقينها بأن "حزب الله" لا يمكن بناء على المقدمات الآنفة أن يعطي الثقة لحكومة لا مفر من الإقرار بأن وجهاً رئيسياً منها هو توجيه "لكمة" قوية للحزب، وهذا ما يستدعي تبصراً من قيادة الحزب في ما وراء "الأكمة"، وأن يذهب الى حد حجب الثقة وليس فقط مجرد الامتناع عن إعطائها.
وترى الأوساط ان في الحكومة الكرامية منظوراً اليها من زاوية شيعية، ربحاً بمعنى وخسارة بمعنى آخر للرئيس بري، لكن فيها في المقابل خسارة صافية لحزب الله.
الوضع الشيعي و"المعادلة القاتلة"
وفي جميع الأحوال، ان ما جرى استعراضه بقدر ما يعيد تظهير إشكالية كل من طرفي الثنائية الشيعية "السائدة"، يفيد أيضاً عن إشكالية شيعية عامة. والدلائل على هذه الإشكالية العامة عديدة: عدم استفادة الطرفين من تجربتهما وعدم مقاربتهما هذا الموضوع بشكل جدي.. وديموقراطي أولاً، إخضاع الوضع السياسي الشيعي لأولويات ليست كلها أولوياته والوقوف سداً أمام تفاعله ثانياً، قطع الطريق على شخصيات لا تدور في فلك أي من الطرفين ثالثاً. والحال أن ليس على الشيعة أن يكونوا مجبرين على الاختيار بين مشروع تجسده تجربة ملتبسة في النظام السياسي من جهة، ومشروع حزبي عقائدي لا تهمه الحياة السياسية و"التفاصيل" من جهة أخرى. والحال أيضاً أن لا مناص للشيعة من الخوض في مشروع لبناني عام يقربهم من الجميع، أي لا فكاك للشيعة من أن يخرجوا من المعادلة القاتلة: لا يربحون عندما يربح أحدهما.. ويخسرون في كل الأحوال!
ولأن الحكومة الجديدة بأعطابها التي لا تحصى ـ كما تقول الأوساط نفسها ـ تعطي فرصة لـ"التأمل"، فإن كل المعطيات السابقة مطروحة للنقاش، وهي برسم بري و"أمل" وبرسم "حزب الله"، وبرسم الوضع السياسي الشيعي برمته، إذ كيف لا تكون هذه الحكومة "الضارة" نافعة وهي توجه صفعة الى كل الأطراف.. والشيعة في المقدمة، على ما تختم الأوساط المعنية كلامها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00