8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حرب ومعوض: خطأ تكتيكي كان يجب تفاديه

لماذا بدا خلال الأيام الماضية بعد تكليف الرئيس عمر كرامي تشكيل الحكومة الجديدة وكأن ثمة عودة الى نقطة الصفر في موضوع مشاركة المعارضة المسيحية، أي لماذا عاد هذا الموضوع الى الواجهة بعد أن كانت المعارضة المسيحية قد أقفلته بإحكام في الفترة الأخيرة بعد التمديد؟
عن هذا السؤال تجيب أوساط متابعة عن كثب لمواقف البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من جهة ومواقف "لقاء قرنة شهوان" من جهة ثانية، بالتأكيد بداية على ان الرئيس المكلف الساعي الى تعزيز حكومته ومصداقيتها عرض على عضو "القرنة" النائب بطرس حرب توزيره، ليس على قاعدة ما يمثله حرب كنائب معارض، بل على قاعدة الصداقة والزمالة في "الجبهة الوطنية للإصلاح" السابقة والعلاقة الانتخابية في الشمال، علماً ان حرب لم يكن على تحالف انتخابي مع كرامي في العام 2000. كذلك، كان هناك على ما يبدو تمنّ من النائب نايلة معوض الحليف الانتخابي التاريخي لكرامي بعدم توزير النائب قيصر معوض عضو كتلة الوزير سليمان فرنجية في حال عدم دخول فرنجية في الحكومة.
موقف حرب ومعوض معروف وحرجهما مفهوم
حتى الآن، الأمر مفهوم، أي ان العلاقة بين كرامي من ناحية وحرب ومعوض من ناحية ثانية، تأخذ في الاعتبار الصداقة الشخصية أكثر من كونها علاقة بين جهتين سياسيتين تملك كل منهما موقفاً مختلفاً عن الأخرى، خاصة منذ بضعة شهور مع انطلاقة الاستحقاق الرئاسي الذي حُسم تمديداً للرئيس إميل لحود. ومن المفهوم أيضاً أن يصيب تكليف كرامي حليفيه الشماليين بقدرٍ من "الحرج"، لاسيما ان كرامي المستعد لحل عقدة توزير فرنجية في الداخلية، يُحاكي مصالح انتخابية مشتركة مع حرب ومعوض في وقت لا يفصل عن موعد الانتخابات النيابية إلا زمن قصير، ومن المنطقي أن يحاول ثلاثي كرامي ـ حرب ـ معوض تحصين وضعه الانتخابي.
كل ذلك مفهوم. أن يعرض كرامي الوزارة على حرب مفهوم. وأن يُحرَج حرب ومعوض مفهوم أيضاً. لكن ما هو غير المفهوم في هذا الإطار؟
لا شك بداية انه من الطبيعي تماماً ان يكون النائب حرب وزيراً في حكومة يشكلها الرئيس كرامي لو ان تشكيل الحكومة الحالية يتم في ظرف طبيعي، لكن ليس طبيعياً أن يكون حرب وزيراً في حكومة تمثل في حد ذاتها عنواناً في أزمة سياسية مفتوحة بعد التمديد الذي عارضه حرب. ولذلك، فلا غبار على الموقف المبدئي لحرب ومعوض لجهة عدم المشاركة في حكومة أزمة، وهو الموقف الذي شاركا في إطار "قرنة شهوان" في إصداره، بعد لقاء وفد من "القرنة" مع الرئيس رفيق الحريري الذي كان يستطلع إمكان تشكيل حكومة وحدة وطنية. وفي البيان الشهير لـ" القرنة" توصيف للوضع يؤدي الى عدم المشاركة، وهو وضع لم تطرأ عليه أي متغيرات منذ ثلاثة أسابيع، من النوع الذي يستدعي تغيير الموقف، بل لعل التطورات تقتضي مزيداً من التشدد، ولأن المسألة ليست "شخصية" لا مع الرئيس الحريري ولا مع الرئيس كرامي.
الخطأ وأخطاره.. وضغوط الحكم
أين الخطأ اذاً؟
اذا كان الحرج المتأتي من الصداقة والمصالح المشتركة مفهوماً، واذا كان هذا الحرج لم يدفع النائبين حرب ومعوض الى "التنازل" أمام مطلب كرامي أو عرضه، فإن الخطأ "التكتيكي" يتمثل في الايحاء لكرامي بأن ثمة سبيلاً وحيداً لفك الحرج، هو التوجه نحو بكركي وطلب "يد العريس" من سيّدها، أي أن يوافق البطريرك على دخول حرب في الحكومة الكرامية. ولما كان حرب ومعوض يعلمان علم اليقين ان البطريرك لا يتدخل في هذا الأمر وانه لا يدخل في بازار وزاري، ويعلمان علم اليقين ان ما لم يُعط للحريري لن يعطى لكرامي من وجهة نظر "القرنة"، فان الخطأ التكتيكي بتوجيه كرامي ناحية بكركي، انطوى على خطر من إثنين: إما دفع البطريرك الى التصعيد لتغطية موقف "القرنة" التي قررت عدم المشاركة في حكومات ما بعد التمديد وقبل توافر شروط تصحيح الوضع، وإما إحراجه، وفي الحالتين السماح بحديث سياسي ـ إعلامي متجدد عن وضع "القرنة" تارة وعن علاقتها ببكركي تارة أخرى، في وقت بدت "القرنة" في الآونة الأخيرة من أكثر الجهات السياسية تماسكاً. كما ان الخطأ التكتيكي نفسه، كان ليوحي بأن البطريرك هو العقدة أمام تأليف الحكومة بينما العقد التي تحول دون مشاركة معارضين هي من طبيعة سياسية، وفي مقدمها التمديد الذي مثل مفصلاً خطيراً في الحياة السياسية اللبنانية.
وما ضاعف من مخاطر هذا الخطأ التكتيكي انه تزامن مع ضغوط يمارسها فريق الحكم الممدد له على البطريرك عبر بعض السياسيين من هوامش "القرنة"، وهي ضغوط ارتفعت وتيرتها بعد اعتذار الرئيس الحريري عن ترؤس الحكومة الجديدة. و"تطرح" هذه الضغوط على البطريرك المشاركة في الحكومة بتغطية منه مع وعود يجري إغداقها نقلاً عن رئيس الجمهورية حول قانون الانتخاب الجديد.. "على أساس القضاء يا سيدنا".
اذاً، هذا الخطأ التكتيكي، المبني تقديره على ان حرج حرب ومعوض بفعل الصداقة والمصالح مع كرامي دفعهما على الرغم من موقفهما السياسي في إطار "لقاء القرنة" الى رمي الكرة في ملعب بكركي، هو بناءً على هذه الفرضية خطأ كان يمكن ويجب تفاديه، في وقت كان جميع المراقبين يعتبرون ان زمن تعريض "القرنة" الى اختبار في وحدتها السياسية قد انتهى، وان زمن الفك بينها وبين البطريرك قد ولى هو أيضاً. وعلى كل حال، وبما ان رُبَّ ضارة نافعة، فقد أكدت "القرنة" عبر هذا الاختبار وحدتها مجدداً، وتمسكها بـ"ثوابتها" المنطلقة من أن التمديد "خطأ استراتيجي".
صفير والثلاثي المسيحي ـ الإسلامي
وفي السياق نفسه، يلفت بعض الأوساط المتابعة لمواقف بكركي، الى ان البطريرك لا يبدي اهتماماً بالمسألة الحكومية من زاوية اقتناعه بأنها لا تقدم ولا تؤخر في ظل ظروف تشكلها وفي ظل التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها لبنان، لكنه في المقابل شديد الاهتمام بالتطور الذي أدى الى قيام معارضة مختلطة مسيحية ـ إسلامية يتقاطع أطرافها على عناوين كثيرة لا بل يكاد المنخرطون فيها يعلنون خطاباً واحداً. وتقول الأوساط نفسها ان البطريرك "يلاحظ" العلاقة المتينة في إطار المعارضة بين الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط وبين "لقاء القرنة" ما ينهي مقولة ان المعارضة طائفية، كما "يلاحظ" العلاقة بين الحريري وجنبلاط، بالرغم من أن رئيس الحكومة المستقيل ليس في المعارضة، لكن وجوده خارج الحكم ذو أبعاد ايجابية من وجهة نظر البيئة المسيحية.
وتعتبر الأوساط انه في الوقت الذي لا تشترك المعارضة المسيحية في حكومة الرئيس كرامي، فان الايجابية الرئيسية تتمثل في أمرين: الأول هو اتساع المعارضة والتأييد الشعبي لها على قاعدة اختلاطها الطائفي في مقابل "حكومة اللون الواحد" أو "سلطة اللون الواحد"، والثاني هو ما أظهرته استشارات تأليف الحكومة من تناقضات في السلطة، ما يرشح الحكومة التي سمي رئيسها بأقل من ثلثي أصوات النواب، لأن تكون أقل الحكومات استحواذاً على الثقة بالقياس الى غيرها خلال السنوات الماضية.
"الفرز"
وتتوقع الأوساط المتابعة لمواقف البطريرك و"قرنة شهوان"، والتي تعتبر ان الأمور عادت الى نصابها خلال الساعات الماضية، والتي ترى أن دور المعارضة ليس إنقاذ السلطة من مآزق صنعتها بنفسها إلا متى ظهر ان الإنقاذ هو للبلد وضمن شروط سياسية ملائمة، تتوقع أن يأخذ "الفرز" مداه في ظل الإشارات التي يتم إطلاقها والتي تفيد ان فريق الحكم الممدد له مستمر على قاعدة ان شيئاً لم يتغير وان شيئاً كبيراً لا يستحق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00