8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله": دعمنا كرامي تمليه الظروف القائمة ولا ينسحب آلياً على الثقة بحكومته

لفت موقف نواب "حزب الله" بتسمية الرئيس عمر كرامي لتشكيل الحكومة الجديدة، أنظار المراقبين، انطلاقاً من ان الحزب ومنذ دخوله المعترك النيابي في العام 1992 في كل الاستشارات طوال اثني عشر عاماً، حاذر الدخول في تسمية الرئيس المكلف من ناحية وامتنع عن إعطاء الثقة لأي حكومة من ناحية ثانية.
فماذا يقول "حزب الله" في هذا الموضوع؟
يذكّر رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد بداية بأن تسمية نواب الكتلة لكرامي خلال الاستشارات أمس ليس سابقة، إذ سبق للحزب في العام 1998 وبعد اعتذار الرئيس رفيق الحريري عن تشكيل الحكومة آنذاك، أن سمّى الرئيس سليم الحص لتأليف الحكومة الأولى في ولاية الرئيس إميل لحود. لكن رعد يُسارع الى التذكير أيضاً بأن نواب الحزب امتنعوا يومها عن التصويت على الثقة بحكومة الحص.
ويوضح ان المشاركة في تسمية الرئيس المكلف شيء والثقة بالحكومة شيء آخر، وان الموقف من رئيس الحكومة المكلف منفصل عن الموقف من حكومته، ولا تنسحب التسمية آلياً على الثقة. ويلفت الى ان ثمة ظروفاً أو مواصفات معينة للمرحلة تقضي بأن يكون هذا الشخص بالتحديد مكلفاً فنسميه. بيد ان ظروف تشكيل الحكومة بعد ذلك وما يتخللها من محاصصات وأحجام وأسماء، تمنع الحزب من منح الثقة، وغالباً ما لا يكون تشكيل الحكومة أمراً متعلقاً برئيس الحكومة وحده.
لكن، ما هذا السر الذي يجعل الحزب يشارك في تسمية الرئيس المكلف مرتين، وفي المرتين لا يكون المسمى رفيق الحريري، والأغرب بعد اعتذاره؟ ولا يتردد رعد في الإجابة: لسنا متوافقين على برنامج الرئيس الحريري. ولا ايضاحات إضافية الآن على الأقل.
لماذا كرامي؟
أما لماذا تسمية كرامي، فيشير القيادي في "حزب الله" الى ثلاثة أسباب ـ اعتبارات رئيسية. الأول يتعلق بما يسميه "الظرف الدقيق الذي يمر به البلد"، وضرورة دعم الخيار المطروح لاسيما بعد اعتذار الحريري "كي لا يحصل فراغ".
والثاني هو ان "كرامي ذو مواقف واضحة في المسألة الوطنية وهو ابن بيت عريق وطنياً" ويضيف رعد ان المطلوب من الحكومة الجديدة الى حين إجراء الانتخابات النيابية المقبلة، طريقة جريئة وهادئة في آن منسّقة مع رئيس الجمهورية في مواجهة تداعيات القرار 1559 أولاً، وقانون انتخاب عادل وديموقراطي ثانياً. أما السبب الثالث لتسمية كرامي من وجهة نظر الحزب فهو "تكوين انطباع بأن البلد قادر على إنتاج حكومات تحل مكان حكومات اخرى، وبأنه ليس صحيحاً ان البلد لا يقوم إلا بحكومة معينة وبرئاسة شخصية معينة".
ويقول المسؤول في "حزب الله" ان هذه الاعتبارات التي يمكن اعتبارها مهامّ أيضاً، تنطبق على شخصية الرئيس كرامي ولذلك سمّيناه"، ويضيف ان كرامي فضلاً عن ذلك "مطروح بقوة". ويشرح انه "إذا كان ثمة اتجاه عام نحو تكليف شخص مناسب لمرحلة معينة، لا نسعى الى إضعاف هذا التوجه العام".
ويؤكد رعد ان كرامي إذا نجح في العناوين الثلاثة التي سبقت الإشارة اليها فإنه يكون قد نجح في "التأسيس لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية"، وإذا لم يُوفق "لا بد عندئذٍ من تحديد الأسباب وما إذا كانت قوى الهيمنة الاستكبارية مثلاً أدت دوراً في تفشيل الحكومة أو ان ثمة أسباباً محلية أيضاً".
التسمية لا تعني الثقة
وعند هذه المحطة من الشرح والتفسير، يبادر رئيس الكتلة النيابية لـ"حزب الله" الى القول ان "الحزب حسم موقفه من مسألة التكليف، أما الموقف من الثقة فلا يزال غير محسوم على قاعدة ان الموقف من كرامي لا يسري آلياً على حكومته. وهذا "الموقف مرهون باعتبارات عدة منها طبيعة التشكيلة الحكومية والتمثيل فيها". وإذ لا يتوقع رعد في ظل "الوضع المأزوم" أن يكون التكليف بأصوات عالية والثقة بالحكومة كذلك، يقول بطريقة غير مباشرة ان موقف الحزب يعطي قوة لتكليف كرامي على الرغم من أن تكليفه مضمون من دون أصوات كتلة الحزب.
الفرز الداخلي بين مشروعين
ولدى سؤاله عن المسار السياسي العام الذي يقود الى الفرز داخلياً ويجعل الحكومة المقبلة "حكومة الفرز" بامتياز، يجيب رعد ان "تصرفات الآخرين تساهم في هذا الفرز وتغذيه"، ويقول "ليس طبيعياً مثلاً أن يعتذر الرئيس الحريري عن تشكيل الحكومة ويستقبل أصحاب القرار 1559 الذين أتوه للاطمئنان الى الوضع". ويعتبر أن "ليس ثمة فهمان لهذا الموضوع"، في معرض إشارته الى استقبال رئيس الحكومة المستقيل سفيري الولايات المتحدة وفرنسا جيفري فيلتمان وفيليب لوكورتييه بعد استقالته أول من أمس.
ويضيف القيادي في "حزب الله" انه "إذا كان ثمة فرز تتوضح معالمه، فهو فرز آتٍ في سياق صراع بين مشروعين حول دور لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي". ويلفت الى ان "الأول هو المشروع الأميركي ـ الفرنسي المتجلي في القرار 1559 الذي ليس سوى نسخة منقحة من المشروع الإسرائيلي لإسقاط روح المقاومة والممانعة"، بينما "الثاني هو المشروع اللبناني السوري الذي يمثل الممانعة للمشروع الأول".
طبعاً، يأمل رعد الا تذهب الأمور في اتجاه مزيد من "تصعيد الفرز". وفي هذا المجال ورداً على سؤال حول المسعى الذي ذُكر مراراً ان "حزب الله" يقوم به بين الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط ودمشق، يقول رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" الذي لا تخفى رغبته في عدم قطع "الجسور" مع جنبلاط، ان "الأفق غير مسدود وإن كانت وتيرة فتح الافق بطيئة". ويشرح ذلك بأنه "ربما بالنظر الى دقة الظروف وبالعلاقة مع تسارع الأحداث، يستمر البطء حتى الآن".
استنتاجات المراقبين
ومن قراءة ما أدلى به القيادي البارز، يسجل عدد من المراقبين مجموعة من الاستنتاجات الرئيسية على:
أولاً ـ ليس ثمة موقف "مبدئي" يلتزمه "حزب الله" من موضوعي تسمية رئيس الحكومة والثقة بالحكومة، في ضوء تجربتي 1998، وأمس، وان الموقف يرتبط بظروف وحسابات في مرحلة معينة أكثر من كونه مرتبطاً باعتبارات العلاقة بين الحزب و"السلطة"، أي انه موقف تحركه ضرورات عملية وبراغماتية، وإن كان منح الثقة للحكومة أكثر تعقيداً بالنسبة الى الحزب من مسألة التسمية.
ثانياً ـ ان يكون الحزب سمى مرتين، وفي المرتين أحداً غير الرئيس الحريري، يكشف بـ"مفعول رجعي" طبيعة "العلاقة" بين الحزب والحريري، والمنحكمة من جانب "حزب الله" الى قدر من "التوجس" حيال الرئيس الحريري، في وقت من الواضح انه لم يجد مرة واحدة خلال اثني عشر عاماً سبباً لتسمية الحريري أو ظرفاً "يحتم" تسميته.
ثالثاً ـ ان موقف الحزب من المسألة الحكومية ينسجم مع موقفه في الاستحقاق الرئاسي، بمعنى انه بقدر ما شكل رافعة للتمديد، يحاول الآن أن يشكل رافعة لحكومة فرز أو "مواجهة"، لا بل أكثر من ذلك، فإن "حزب الله" وهو يكاد يكون الحزب الوحيد الذي له "معنى"، يمثل قوة دفع نحو الفرز وليس "الجمع".
ولا يخفى في ضوء كل ما تقدم ان "حزب الله" بالعلاقة مع كل التطورات اللبنانية والإقليمية والدولية، انما يمارس فعل تحديد لخياره الداخلي وعلاقاته وتحالفاته ضمن الاجتماع السياسي اللبناني، على نحو لا بد أن يستثير نقاشاً واسعاً في الفترة المقبلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00