8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شعار "لا صوت فوق صوت المواجهة" يُعيد إنتاج معادلة "بائسة"

ذُكر ان الرئيس الإيراني محمد خاتمي عندما زار دمشق مؤخراً حمل رسالة الى القيادة السورية مفادها ان لسوريا وإيران قضيةً واحدة في ظل الضغوط التي تستهدف البلدين. وقيل ايضاً انه عرض المخاوف الإيرانية من إقدام إسرائيل على توجيه ضربة الى المفاعل النووي الإيراني، وانه لفت الى ان التقرير الذي أعده رئيس الوكالة الدولية للطاقة محمد البرادعي حول الأسلحة العراقية وكشف فيه ان ثمة أسلحة "اختفت" من العراق، يمكن أن يستغل أميركياً ضد سوريا باتهامها بالحصول على هذه الأسلحة "المختفية". وعليه، شدد خاتمي على أهمية وحدة الموقف السوري ـ الإيراني وعدم تقديم تنازلات من أي نوع في مثل هذه الظروف.
إطار الحديث عن "المواجهة"
في ضوء هذه المقدمة، وما لم تجدد طهران البحث عن صفقة معينة مع واشنطن جرى التداول بشأنها في الكواليس خلال الايام الاخيرة، تعرب مصادر سياسية وديبلوماسية لبنانية وعربية عن اعتقادها ان زيارة خاتمي الى سوريا أعادت تأكيد التحالف السوري ـ الإيراني الذي شهد عدداً من التباينات حول الموضوع العراقي في فترة سابقة. وتضيف ان العنوان الأول لمصطلح "المواجهة" الذي سيطر على الأجواء السياسية اللبنانية في الآونة الأخيرة وخصوصاً بعد صدور القرار 1559، يتكئ في المباشر على التحالف السوري ـ الإيراني. ووفقاً لهذه "الصورة" فإن لبنان معني بهذه "المواجهة" من زاوية السياسة اللبنانية الرسمية، لكن الأهم من زاوية علاقة "حزب الله" بـ"المواجهة" باعتباره مصنفاً كقوة رئيسية من قواها. ولذلك يصبح محور المواجهة محوراً سورياً ـ إيرانياً ـ لبنانياً ("حزب الله").
وعلى هذا الأساس يمكن فهم حديث المواجهة في لبنان مع القرار 1559 بكونه استقواء بالمحور المحدد آنفاً والذي تضاف اليه قوى في الداخل الفلسطيني. ويفترض مبدئياً ان التحالف المتجدد القائم على فكرة ان لسوريا وإيران... ولبنان و"حزب الله" قضية واحدة، قد وزع الأدوار فيما بين أطرافه الذين يفترض انهم تعاهدوا على ان ما يصيب أحدهم يصيب الآخرين تلقائياً.
الفوضى الإقليمية
وقبل الدخول في ما ينتج عن ذلك لبنانياً، تشير المصادر السياسية والديبلوماسية الى ان تأكيد التحالف أو المحور المشار اليهما ليس مبنياً على ان ثمة ضغوطاً دولية مسلطة على دمشق وطهران فقط، بل هو مبني على تقدير ان إسرائيل وفي ظل هذه الضغوط بما فيها القرار 1559 قد تجد الظرف مناسباً لعدوان مثلث الأهداف إيرانياً وسوريا وباتجاه لبنان، في ضوء السياسة الإسرائيلية المتطرفة المعروفة. كذلك، يبدو للمصادر نفسها ان الولايات المتحدة ستحاول بعد انتخاباتها الرئاسية تجديد محاولة فرض "تسوية" معينة في المنطقة. وعليه يصبح رهان التحالف المتجدد منعقداً على "المواجهة" على أمل "الخربطة" على "المشروع" الأميركي وتحدي هذا "المشروع" بـ"الفوضى" الاقليمية، وهذا معطوف على قراءة مشتركة لأطراف المحور، والتي ترى فشلاً أميركياً في العراق.
"حزب الله"
والمقاومة "الاقليمية"
من هنا، تنتقل المصادر نفسها الى مناقشة "حزب الله" باعتباره عضواً في هذا التحالف السوري ـ الإيراني، تاركة جانباً في هذه المرحلة من النقاش ما يتعلق بـ"تناقضات" مشروع للمواجهة في الظرف العربي ـ الاقليمي ـ الدولي الراهن. وتطرح في هذا السياق الملاحظات الآتية:
أولاً ـ إذا كان صحيحاً دائماً أن "حزب الله" لم يغادر "مكان إقامته" على التقاطع السوري ـ الإيراني في بعده الاقليمي، واذا كان صحيحاً ايضاً ان الحزب يكون مرتاحاً أكثر عندما تكون العلاقة السورية ـ الإيرانية "مستقرة"، فالصحيح كذلك ان "حزب الله" شديد الاهتمام في هذه المرحلة باعادة إنتاج موقعه عضواً في "جبهة المواجهة" أكثر من اهتمامه بأي شيء آخر.
ثانياً ـ ومن الواضح أكثر فأكثر ان الحزب يعطي لمقاومته في الجنوب بعداً اقليمياً سورياً ـ إيرانياً (وفلسطينياً) يتجاوز الخطاب "الرسمي" الذي يحدد للمقاومة دوراً في تحرير مزارع شبعا من ناحية ودوراً في "الردع الاستراتيجي" لإسرائيل من ناحية ثانية، علماً أن كثيرين يعتقدون ان المقاومة في مزارع شبعا كانت في الأصل بأبعاد اقليمية.
ثالثاً ـ واللافت في أداء "حزب الله" في الآونة الأخيرة أنه وعلى الرغم من قراءته القرار 1559 على أنه محطة في التصعيد الأميركي ـ الغربي ضد السياسات المعترضة على السياسة الأميركية، وعلى الرغم من حديثه عن المواجهة المفروضة بفعل هذا التصعيد، لا يبدو متحركاً باتجاه اكتساب "شرعية" لبنانية سياسية لمقاومته في انتقالها من "اللبناني" الى "ما فوق اللبناني"، لا بل هو يُسقط من حساباته هذه المهمة ويُسقط قوى بكاملها من دائرة حركته لكأنه غير مقتنع أصلاً بأن للجانب اللبناني أهمية. ويغدو الأمر خطيراً عندما يكون إسقاط هذه المهمة مؤدياً الى شطب فئات بعينها من المجتمع اللبناني من الحساب.
الحزب وتنحية عنوانَي
الحريات والديموقراطية
رابعاً ـ واللافت أيضاً أن "حزب الله" الذي لا ينفك مطالباً بتعزيز "الجبهة الداخلية" وتحصينها، يعلن في الوقت نفسه أنه في ظل أولوية مواجهة "أهداف" القرار 1559، لا أولوية للعناوين الداخلية، باستثناء ما يشير اليه لجهة المسائل الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الهدر والفساد. وفي هذا المجال، تلفت المصادر السياسية والديبلوماسية الى ان الحزب لا يقيم أي رابط "منظور" بين "المواجهة" ومقتضياتها، بين المواجهة والديموقراطية والحريات، بين المواجهة وتمتين العلاقة اللبنانية ـ السورية على أسس جديدة ومتجددة، لكأنه وعلى الرغم من تجربته الغنية يعيد إنتاج معادلة الهزيمة في الصراع مع اسرائيل، معادلة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، بينما تفترض المصادر أن يكون له رأي في هذه العناوين كافة، أو صوتٌ ما يقرّبه من سائر الاجتماع السياسي.
خامساً ـ ويقول الحزب إن أمينه العام السيد حسن نصر الله ماض في مساعيه بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ودمشق، مفضلاً أن يستعين على قضاء هذا الهدف بالكتمان. وفي وقت لا يرقى الشك الى أهمية موقع السيد نصر الله لدى القيادة السورية ولا الى صدق "النية"، فمن الواضح بناءً على المقدمات السابقة ان "حزب الله" في مساعيه هذه، "يرغب" في أن يرى جنبلاط وقد وضع مواقفه واعتراضاته على الرف أو في الثلاجة مرحلياً ليصبح "مقبولاً" في صفوف "المواجهة"، وأن "يفك" علاقته بالمعارضة عموماً، والمسيحية منها خصوصاً، والتي تبدو مصنفة في المقلب المعادي لـ"المواجهة".
أسئلة في "المنطق"
ومن ذلك كله، تصل المصادر السياسية والديبلوماسية اللبنانية والعربية الى استنتاج ان مسار الأمور في لبنان كما هو حتى اليوم لا يحكمه منطق سويّ. ذلك انه على افتراض ان "المواجهة" هي الخيار حتى لو لم يكن واضحاً ما هي هذه "المواجهة" ولماذا وكيف تكون عندما يتعلق الأمر بقرار دولي، فالمنطق يقول ان المطلوب هو ترييح الوضع الداخلي وليس العكس. ثم كيف يقاد بلد الى "المواجهة" من دون حد أدنى من التفاهم الداخلي؟ وهل فعلاً تم إقناع الجميع بأن لا بديل من "المواجهة" وأن لا تسويات ممكنة؟ وكيف تفتح الثغر في جدار المواقف الدولية؟ هل جرى التفكير ملياً في ذلك وما هي السياسة التي تؤدي الى فتح الثُغر إذا كان السائد هو اعتبار أوروبا وفرنسا أكثر تشدداً من أميركا؟ وكيف السبيل وثمة من يعتبر ان القرار الدولي استجابة لرغبات لبنانية!؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00