8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البحث الحكومي لا يزال ضمن قواعد اللعبة نفسها كأن التمديد إنجاز أو كأن شيئاً لم يتغيّر

خلال الأيام الماضية، برزت مجموعة من التطورات الدولية والاقليمية التي يفترض ان تقود قراءتها بإمعان ودقة الى استنتاجات منطقية حول ما يحيط بلبنان وسوريا من أوضاع بالغة الصعوبة والتعقيد، والى تحديد المصدر "الحقيقي" للتشدّد بدلاً من توجيه السهام الطائشة باتجاه هذه الدولة أو تلك. وفي هذه التطورات، ما يأتي:
أولاً ـ لم يخلُ يوم الأسبوع الماضي من إطلالة لمسؤول أميركي أعاد الى الأذهان المطالب الأميركية من سوريا (ولبنان) وذكّر بـ"تمسك الولايات المتحدة بسيادة لبنان" ونفى إمكان حصول صفقة أميركية ـ سورية حول لبنان، وذهب الى حد التشكيك بـ"تقدّم" بين دمشق وواشنطن بشأن المسألة العراقية، مع العلم ان "بطاقة" التقدم في الموضوع العراقي قد جرى "لعبها" الى الحد الأقصى في الآونة الأخيرة. وهكذا تعاقب وزير الخارجية الأميركي كولن باول ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد والمندوب الأميركي في الأمم المتحدة جون دانفورث، على الكلام المتشدّد بحق سوريا، وكل ذلك في موازاة البحث الجاري في نيويورك حول سبل متابعة تنفيذ القرار 1559.
ثانياً ـ وفي سياق هذا التشدّد، كشفت الإدارة الأميركية عن نيتها تصعيد العقوبات ضد سوريا، وعن دعمها لقانون يجري درسه في الكونغرس للحجز على أموال مسؤولين سوريين ولبنانيين "على علاقة بدمشق"، الأمر الذي إذا حصل بالفعل من شأنه أن تكون له انعكاسات اقتصادية ومالية خطيرة.
القرار 1566 والعراق
ثالثاً ـ وفي "عجقة" هذه التطورات جميعاً، عقد مجلس الأمن ما يشبه المؤتمر الدولي لتحديد مفهوم الإرهاب، وصدر عنه القرار 1566 الذي يعرّف الإرهاب الدولي، والذي يتضمّن بنوداً تصيب لبنان وسوريا مباشرة ويضعهما على لائحة "المراقَبين" دولياً.
رابعاً ـ وعلى الرغم التطورات الدامية في العراق بما في ذلك الخسائر البشرية الأميركية على أرض الرافدين، فإن الولايات المتحدة تعتبر انها حققت تقدماً في اتجاهين: الأول يتعلق بـ"المثلث السني" حيث تتوقع السيطرة على الفلوجة قريباً بعد سيطرتها على سامراء، والثاني يتعلق بالموضوع الشيعي بعد أن باشر تيار السيد مقتدى الصدر تفكيك "جيش المهدي" وتسليم أسلحته الى الحكومة العراقية الموقتة، وفي ظل دعوة المرجع الشيعي السيد علي السيستاني الى المشاركة بكثافة في الانتخابات المقررة نهاية كانون الثاني المقبل.
لبنان تحت المراقبة
خامساً ـ وبالتزامن مع هذه المعطيات جميعاً، حصل تطور جدير بالملاحظة في ما يتصل بالقرار 1559 وبتقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأنه. وهذا التطور يتمثل في ان مجلس الأمن بات مرتاحاً بين أحد خيارين: إما بيان رئاسي بالإجماع وإما قرار جديد بأكثرية مريحة، وقد أفادت المعلومات الآتية من نيويورك ان صدور بيان رئاسي بالإجماع بات احتمالاً كبيراً (اي بمشاركة الجزائر ايضاً)، مع العلم ان "المشترك" بين البيان الرئاسي والقرار الجديد هو ليس فقط التمسك بتنفيذ القرار 1559 وما يتضمنه من بنود أوضحها كوفي أنان، بل هو إخضاع الأمر لتقرير دوري يقدمه أنان حول سير تطبيق الـ1559. وبكلام آخر، فإن المرحلة المقبلة ستشهد وضع لبنان تحت ما يشبه الرقابة الدولية التي هي نوع من "الوصاية" عليه.
ولا شك في ان هذه التطورات تدلّ على ان المصدر الرئيسي للتشددّ، أميركي، وان فرنسا الداخلة على خط الـ1559 بقوة، وإن كانت لا تقلّ تشدداً عن واشنطن في التمسّك به وبتنفيذه، فإنها تبقي مكاناً لـ"صلح مشروط" طالما انها لم تتحرك حتى الآن باتجاه قوانين فرنسية خاصة لـ"تنظيم" العلاقة بكل من دمشق وبيروت. بيد انّ الأهم ـ والأخطر ـ هو ان هذه التطورات تفيد ان العلاقات السورية ـ الأميركية على حالها من التأزم، وان التفاوض الذي ذكرت مصادر ديبلوماسية متعددة انه كان حاصلاً مع دمشق بوسائط عدة في الفترة التي تلت صدور تقرير أنان، فشل في تليين الموقف الدولي لاسيما لجهة دورية التقارير عن التقدم في تطبيق القرار 1559.
البحث في الحكومة وكأن التمديد انتصار
وسط ذلك كله، يجري البحث في بيروت عن تشكيل حكومة جديدة. وفي هذا الإطار، تسجّل أوساط سياسية عدة، ملاحظات رئيسية حول البحث الحكومي القائم الآن:
1 ـ من الواضح ان فريق الحكم الممدّد له يتصرف في إطار البحث في تشكيل الحكومة الجديدة، وكأن شيئاً لم يتغير منذ حصول التمديد، فهو يريد "حكومته" وبتوازن سياسي معين، لكأن التمديد انتصار وليس مشكلة. والحال هنا، ان الحكم الممدّد له وبدلاً من أن يقود سلوكه الى جعل التمديد "وراءنا" كما يحلو لبعض مواليه أن يقولوا، انما يصرّ على جعل التمديد مشكلة "أمامنا" باستمرار. وهو بدلاً من أن يقرّ بينه وبين نفسه بأن ثمة حاجة الى تعويض النقص في شرعية التمديد داخلياً وخارجياً بحكومة محترمة قادرة على مخاطبة الداخل والخارج في آن، انما يمضي في النهج نفسه الذي أوصل البلاد الى "الكارثة".
2 ـ ومن الواضح ايضاً ان ثمة فريقاً نيابياً ـ سياسياً، يريد من الحكومة الجديدة حصة بارزة، معتبراً ـ ضمناً ـ ان له حصة في "إنجاز" التمديد، وان تجربته في العمل الحكومي على امتداد الفترة السابقة، كانت ناجحة الى درجة تمكنه من تصعيد الحصة عدداً ومضموناً.
3 ـ انّ الحديث عن "هرطقة دستورية" في مجال وصف الاتصالات والمشاورات بشأن الحكومة الجديدة، والذي يصدر عن الفريقين السابقين، والتلويح بين فترة واخرى باستقالة 7 وزراء او باسقاط الحكومة الحالية في المجلس النيابي، يتجاهل حقيقة ان تأخر استقالة الحكومة الحالية أمر متفق عليه مع دمشق كي لا يتم إدخال البلاد في أزمة حكومية في حال كانت الاستقالة "دعسة ناقصة"، كما يتجاهل حقيقة ان الرئيس رفيق الحريري ليس "مستقتلاً" لتشكيل الحكومة الجديدة كيفما كان وبأي ثمن.
4 ـ وعلى الرغم مما يجري تأكيده نقلاً عن القيادة السورية لجهة رفضها التدخّل في العمليّة الحكوميّة، على الأقل قبل أن يتم التمني عليها بذلك وتحديداً من قبل الرئيس الحريري، فإن الأوساط السياسيّة اللبنانيّة الآنفة تؤكد بـ"الأصالة" عن نفسها ونقلاً عن مصادر ديبلوماسية غربية انّ مواقف فريق الحكم الممدّد له من ناحية ومواقف الفريق النيابي ـ السياسي من ناحية ثانية، تُحمَّل الى سوريا ليبدو وكأن في الأمر استعادةً لـ"قواعد اللعبة" نفسها كما كانت سائدةً حتى الآن.
الحكومة الجديدة والمصداقية المطلوبة لها
وتأسيساً على ما تقدّم، تعرب الأوساط عن اعتقادها انّ البحث الجاري عن تشكيل حكومة جديدة، يتجاهل مجموعةً من الأساسيات. فهو يتجاهل أولاً حقيقة ان التمديد "مشكلة" وقد شكل الذريعة التي كان يمكن تفاديها للتطورات السلبية والخطيرة اللاحقة، وانه لا بدّ لهذا السبب من أن تكون الحكومة المقبلة غير مصبوغة به. ويتجاهل ثانياً حقيقة ان لبنان غدا وسيغدو أكثر تحت المراقبة أو الوصاية الدوليتين في امتداد القرار 1559، ولا يمكن في أي حال من الأحوال ان يتصرف وكأن شيئاً لم يحصل أو كأن القرار الدولي غير قائم. ويتجاهل ثالثاً حقيقة ان حكومة جديدة يخضع تشكيلها لمراقبة دولية، لا بدّ أن تكون على قدر من المصداقية داخلياً وخارجياً، داخلياً بالاّ تكون محطة في تصعيد الأزمة وخارجياً بأن تكون قادرة على "التعامل" مع المجتمع الدولي، مع ملاحظة انّ أي تطور إيجابي داخلياً سيفرض نفسه على التعاطي الخارجي مع البلد.
وتختمُ الأوساط بالإشارة الى أنّ "الموضوع" ليس استئخار استقالة الحكومة الحالية طالما انّ هذه الحكومة ستستقيل قريباً، انما "الموضوع" هو أية حكومة ستشكل.. إلاّ اذا كان ما يسمّى "المواجهة" سيبقى خياراً، مع العلم أنّ "المواجهة" هنا بشقين داخلي وخارجي مع كلّ ما يستجرّه ذلك من تداعيات خطيرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00