8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خطأ الحديث عن "مرونة" أميركية و"تشدّد" فرنسي في ظل الإشارات الآتية من واشنطن

ثمة في بعض القراءات السياسية محلياً واقليمياً أخطاء عدة في تقدير ما يجري على الساحة الديبلوماسية الدولية. وفي طليعة هذه الأخطاء تصنيف بعضهم الموقف الأميركي من سوريا ولبنان في خانة "المرونة" قياساً الى الموقف الفرنسي الموصوف بـ"المتشدّد". وتأسيساً على ذلك يتم الايحاء في أحيان كثيرة بأن الحوار مع واشنطن قائم على قدم وساق وانه يُعطي نتائج ايجابية، بينما يتم في المقابل الايحاء بأن "التشدد" الفرنسي يسدّ أفق أي حوار.
حول ذلك، تبدي مصادر ديبلوماسية عربية استغرابها من هذا التمييز بين أميركا وفرنسا لصالح الأولى، وذلك خلافاً لـ"قواعد" العمل الديبلوماسي العربي و"منطقه" حيث كان يجري دائماً السعي الى استدعاء العلاقة بفرنسا وأوروبا للاحتماء بهما من السياسة الأميركية. والى ذلك تعرب المصادر العربية عن اعتقادها مع ذلك ان الخطأ المشار اليه قد يكون مقصوداً، في ظل سعي بعضهم الى التعامل مع أميركا بوصفها الخصم والحكم في آن، يحصل الاختلاف معها لكن يحصل التنازل لها ايضاً، ويتم التصعيد ضدها ومحاولة استرضائها في الوقت نفسه.
بيد ان المصادر الديبلوماسية العربية تكشف في هذا السياق ان مجموعة من الوقائع تدل على عكس ما تذهب اليه تلك القراءات "المتقصدة" للخطأ أو الواقعة فيه:
باول و"الواشنطن بوست"
أولاً ـ في الوقت الذي يحصل الايحاء بـ"المرونة" الأميركية في مقابل "التشدد" الفرنسي وبتقدم الحوار مع واشنطن، يخرج وزير الخارجية الأميركي كولن باول الى العلن ليس فقط ليؤكد التشدد في تطبيق القرار 1559 المتعلق بسوريا ولبنان، بل ليعلن ان أي تقدم "حاسم" مع دمشق لم يتحقق في المسألة العراقية وان "الحدود السورية ـ العراقية لا تزال غير مضبوطة".
ثانياً ـ وفي هذا الوقت ايضاً، تصدر افتتاحية لصحيفة "الواشنطن بوست" الثلاثاء الماضي، تدعو مجلس الأمن الى "تجديد مطالبة سوريا بالانسحاب من لبنان وإرفاق هذه المطالبة بالتهديد بعقوبات" ومعلوم ان هذه الصحيفة تعد الأقرب الى الإدارة الأميركية في التعبير عن وجهة نظرها.
"المزايدة" بين بوش وكيري ضد سوريا
ثالثاً ـ وإذ تلفت المصادر العربية الى ان الإدارة الأميركية أياً يكن الفائز في السباق على الرئاسة في الثاني من تشرين الثاني المقبل، ملتزمة بما سنّه الكونغرس بإجماع أعضائه الجمهوريين والديموقراطيين من قوانين لاسيما "قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان"، وإذ تشير الى "المزايدة" في الموضوع السوري بين المرشحين جورج بوش وجون كيري، تقول انه إذا كان مؤكداً ان الضغوط الأميركية ستتضاعف بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية أياً كان الفائز فيها، فإن الإدارة الحالية تدرس ما إذا كان إدخال الموضوع السوري في المعركة الرئاسية يفيدها انتخابياً في فترة الأسابيع الثلاثة المتبقية التي تفصل عن الثاني من تشرين الثاني المقبل.
نصرالله و"ملاحظة" الخطر الإسرائيلي
من هذه الوقائع ـ المؤشرات، تنتقل المصادر الديبلوماسية العربية الى ملاحظة ان إسرائيل، وفي ظل التشدد الدولي (الأميركي والغربي) المعبّر عنه في القرار 1559 وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بشأنه، دخلت بوضوح على خط التهديد المباشر لسوريا ولبنان، وهذا ما لا يمكن أن يتم من دون "إذن" أميركي وليس فرنسياً، وفي حد أدنى بتغاضٍ أميركي.
وتضيف ان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله "التقط" هذا التطور المحتمل، عندما أعلن في خطابه قبل أيام ان ثمة نُذراً لعدوان إسرائيلي وتحدث عن استدراج إسرائيلي للمقاومة. وإذا كان البعض قرأ في خطاب نصرالله محاولة لشد الانظار الى الخطر الاسرائيلي بدلاً من ان تبقى مشدودة نحو الوضع السياسي الداخلي، فإن المصادر نفسها تعتبر ان نصرالله ينطلق من معطيات سياسية ـ ميدانية في تحذيراته، وبعض هذه المعطيات كشفها تقرير نشرته وكالة "اسوشيتدبرس" أمس عن مناورات إسرائيلية واسعة تجري وفق سيناريو عدوان يستهدف سوريا ولبنان. ولم تشأ مصادر "حزب الله" التعليق على هذه الأنباء كما لم تشأ الدخول في معلومات، مستعيدة ما قاله نصرالله في خطابه من "اننا قد لا نبقى ساكتين".
وتوضح المصادر الديبلوماسية نفسها ان ما عرضته آنفاً، لا يهدف فقط الى تبيان خطأ التمييز بين أميركا وفرنسا لصالح الأولى، بل لتشير الى أمرين رئيسيين: الأول هو ان "الحكمة" تقتضي الحوار مع فرنسا (وأوروبا) لتقديم معطيات كافية لـ"تليين" تشددها والسير معها في محاولة "تحديد الخسائر". وتعتبر المصادر هنا ان الوساطة المصرية ربما تكون في هذا الاتجاه وعندئذٍ تكون جدية وايجابية. أما الأمر الثاني فهو انه في ظل هذه الأجواء الأميركية المتشددة لا بل الذاهبة الى أقصى التشدد، كما في ظل التشدد الفرنسي، يتوقع صدور قرار جديد عن مجلس الأمن بأكثريّة كبيرة يؤدي إلى وضع لبنان تحت ما يشبه الوصاية الدولية.
إشارات متناقضة وسلبية إلى مجلس الأمن
وسط هذه المعطيات كافة، يتم البحث في تشكيل الحكومة الجديدة. و"الغريب" هنا انه فيما ينقل عن "معنيين" بالمسألة الحكومية اللبنانية ان ثمة محاولة لـ"كسب الوقت" في انتظار ما سيصدر عن مجلس الأمن ليتحدد الوضع الحكومي المستقبلي، تؤكد المصادر الديبلوماسية نفسها ان تشكيل الحكومة الجديدة سيكون اختباراً ومؤشراً بالنسبة الى العديد من الدول في مجلس الأمن.. أي بكلام آخر ثمة انتظار هنا وثمة انتظار هناك.
وتعتبر المصادر ان المؤشرات التي يُعطيها الوضع السياسي اللبناني حيال الحكومة الجديدة متناقضة من جهة وسلبية من جهة ثانية من وجهة نظر المجتمع الدولي.
هي متناقضة لانه على افتراض ان "المعنيين" بتشكيل الحكومة ينتظرون ما سيصدر عن مجلس الأمن، فذلك يعني انهم يفترضون احتمالين: إما موقف متشدد وإما موقف مرن، وهذا يعني انه في حال كان الموقف الدولي متشدداً كانت الحكومة المقبلة حكومة "حرب" أو "مواجهة"، وفي حال كان الموقف الدولي مرناً عكست تشكيلة الحكومة قدراً من المرونة. والحال هنا ان وجهة الموقف الدولي واضحة في تشدّدها.
لكن ذلك ليس هو "المنطق" وراء ما يحدث في لبنان. ذلك ان "النافذين المعنيين" الذين يبدون متشددين في الظاهر على الأقل (ما لم تكن ثمة مفاوضات دولية ـ اقليمية عبر قنوات معينة تمهد لـ"تنازلات" ما)، لا يعطون اية إشارة ايجابية يمكن لمجلس الأمن أن يبني عليها ليخفف من حدته، بل كل الإشارات تصب في الاتجاه المعاكس.
وهي مؤشرات سلبية، لأن الوضع اللبناني أُدخل منذ انطلاقة الاتصالات لبلورة أسس تشكيل الحكومة الجديدة، في عملية فرز حادة تصعّد الأزمة السياسية، ما يوحي بانه أياً كان موقف مجلس الأمن ستستمر هذه العملية بما يعقّد أكثر فأكثر سبل إنقاذ البلاد من أزمتها المتعددة الوجوه.
وفي ضوء ما تقدم، تُبدي المصادر الديبلوماسية العربية اعتقادها ان ما سيحصل في لبنان في الأيام المقبلة سيظهر ما إذا كان التصعيد القائم حالياً محطة نحو نسبة من "التكويع" عبر المفاوضات الجارية بـ"القنوات الخلفية"، على طريقة سائق السيارة الذي يعطي إشارة على الشمال ويتوجه الى اليمين، أو ما إذا كان التصعيد خياراً "نهائياً".
وتختم مؤكدة ان الوضع اللبناني يخضع في الساعات الراهنة لـ"مراقبة" دولية لصيقة ستقرر نتائجها طبيعة المرحلة المقبلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00