غنيّ عن القول ان خطاب الرئيس بشار الأسد أمام مؤتمر المغتربين السوريين أول من أمس مثّل الحدث الذي يطلق مجموعة من الإشارات السياسية في غير اتجاه دولي ولبناني، والذي سيفرض ايقاعه على العديد من الأوضاع، ولاسيما الوضع اللبناني في الفترة القريبة المباشرة.
قبل خطاب الرئيس السوري، كانت المصادر الديبلوماسية الغربية في بيروت المطلعة على ما يجري في نيويورك، تفيد ان ثمة مفاوضات تدور في أروقة مجلس الأمن من ناحية وخارجها بين عدد من العواصم المعنية بالقرار 1559 وبتقرير الأمين العام كوفي أنان بشأنه من ناحية أخرى، حول كيفية التعاطي مع تقرير أنان، وما إذا كان الأمر يتطلب إصدار بيان رئاسي أو أنه يستدعي إصدار قرار جديد، مع ملاحظة الفارق بين البيان والقرار لجهة صياغة كل منهما وما يقتضيه من إجماع في الحالة الأولى ومن أكثرية محددة في الحالة الثانية. وتوضح المصادر الديبلوماسية الغربية ان المفاوضات كانت في شطرها الرئيسي تجري مع دمشق (وبيروت) حتى إذا ما أبدت العاصمة السورية استعدادها للالتزام بالقرار 1559 وبتنفيذه، وقدمت جداول زمنية "مقبولة" للتنفيذ، تمّ أخذ ذلك في الاعتبار من جانب الدول الراعية للـ1559، فترجح كفّة إصدار بيان رئاسي يراعي في تحديد المهلة المعطاة للأمين العام لتقديم تقرير جديد عن تطبيق القرار الدولي، المهل التي تكون دمشق حددتها في الجداول الزمنية.
بيد ان خطاب الرئيس الأسد أتى بصياغته الاعتراضية الحاسمة على القرار 1559 وعلى الدول الراعية له لاسيما الولايات المتحدة وفرنسا، يفيد ان المفاوضات التي أخرت موقف مجلس الأمن من تقرير أنان ـ إذا صح ان ثمة مفاوضات كانت حاصلة بالفعل ـ قد وصلت الى طريق مسدود، وان أزمة العلاقة بين سوريا ـ ولبنان ـ مع الدول النافذة في المجتمع الدولي الى تصاعد في المدى المنظور على الأقل، وان "التسوية" التي كانت المصادر الديبلوماسية الغربية تشير الى كونها احتمالاً تحت سقف الـ1559، ليست ناضجة.
خطاب الأسد والسقف المرسوم للسياسة اللبنانية
وفي الجانب الآخر من خطاب الأسد، أي جانبه اللبناني الداخلي، حمل الخطاب دفاعاً عن التمديد لرئيس الجمهورية تحت عنوان ان القرار 1559 لا يردّ على التمديد لأنه كان مُعدّاً أصلاً قبل شهور من التعديل الدستوري ولأهداف أخرى هي نفسها الواردة في بنود القرار، كما تضمن الخطاب انتقادات قاسية للزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط وللمعارضة.
بين الشق "العالي" من خطاب الأسد الموجه الى مجلس الأمن والذي يعلن صراحة أن لا تسويات مقبولة تحت سقف القرار 1559، وبين الشق الانتقادي القاسي من الخطاب الموجه الى الداخل اللبناني والذي "يفرزُ" القوى والتيارات السياسية المختلفة، لا شك ان الخطاب يحمل كل سمات المواجهة مع القرار الدولي، والأهم انه يرسم بوضوح سقف السياسة اللبنانية في المرحلة المقبلة، ويعيّن التوجهات الرئيسية التي سيكون على السياسة اللبنانية اعتمادها.
استقالة الحكومة في أي "لحظة"
وفي هذا السياق، تعرب أوساط سياسية لبنانية متعددة عن اعتقادها ان استقالة الحكومة الحالية التي بدا خلال الأيام الماضية انها مرتبطة بما سيصدر عن مجلس الأمن الدولي، بات يمكن تقديمها (الاستقالة) في أي لحظة من دون انتظار مجلس الأمن، وبعد أن أعطى الرئيس الأسد المؤشرات الوافية والكافية بشأن العلاقة السورية ـ اللبنانية ـ الدولية.
والأهم من وجهة نظر هذه الأوساط، ان الحكومة الجديدة التي يفترض تشكيلها سوف "تخضع" للسقف الذي حدده الأسد، أي ان المطلوب لها أن تكون والحالة هذه "حكومة مواجهة" أي حكومة "ممانعة" حيال القرار 1559 وما يتضمنه من بنود ـ مطالب.وبكلام آخر، فإن الحكومة الجديدة لا يمكنها إلا أن تكون على تماس مباشر مع خطاب الأسد، مضموناً برنامجياً وتوازناً سياسياً وتشكيلة قوى وأسماء.
قيادي حزبي: الاستنفار
قبل هذا التطور الذي يمثله خطاب الرئيس السوري، لا بل قبل نحو أسبوع منه، كان قيادي بارز في حزب فاعل، وثيق الصلة (القيادي) بالقيادة السورية يؤكد في جلسة خاصة ان دمشق بصرف النظر عن "الأخذ والرد" بينها وبين مجلس الأمن حول القرار 1559، تتعاطى معه في العمق بوصفه "هجمة" دولية في عقر دارها. وعلى هذه الخلفية، نبّه القيادي البارز من ان سوريا التي أظهرت قدراً من "الانفتاح" أو "التسامح" حيال الداخل اللبناني بعد التمديد، وعنوان ذلك كان مباركتها لدخول المعارضة في "حكومة وفاق وطني"، لن تستطيع (سوريا) مواصلة "تدليع" عدد من الفئات اللبنانية التي تبدو العاصمة السورية مقتنعة بأنها "تراهن" على توازن جديد يقود اليه الضغط الدولي بالقرار 1559. وقال القيادي نفسه ان سوريا سوف "تستأنف" سياسة "الاستنفار" بهدف ضمان تماسك الوضع اللبناني سياسياً، وحذّر من ان تشكيل الحكومة الجديدة سيخضع لهذا المعيار وأن لا مجال لبحث الوضع الحكومي من خارج هذا السياق الذي يفترض تفاهماً بين الرئيس المكلف أياً كان ودمشق على تشكيلها. وانتقد القيادي مواقف المعارضين للتمديد، بمختلف تلاوينهم، في ضوء اعتباره ان التمديد "وراءنا" وان سوريا والسياسة اللبنانية في ظل العلاقة بسوريا هما المستهدفان.
وقال القيادي نفسه كلاماً كثيراً آخر مما ليس وقت استحضاره الآن. غير ان الأساسي فيه كان التحذير من الاعتقاد انه يمكن تشكيل حكومة جديدة لا تمرّ الموافقة عليها بدمشق، واعتباره ان تشكيل حكومة جديدة "تدعمها" دمشق أو تقبل بتشكيلها على قاعدة "الثقة" المجردة بهذا أو ذاك من المسؤولين اللبنانيين، هو "مزحة". وهذا الكلام الذي كان قبل خطاب الأسد، سيجد القيادي انه حقيقي وواقعي أكثر بعد الخطاب.
حكومة "الوحدة" والحكومة "المتجانسة" تتراجعان
اذاً، بالتأسيس على خطاب الرئيس الأسد من ناحية وعلى توضيحات القيادي البارز في الحزب الفاعل من ناحية ثانية، من الواضح أن لا حظوظ لحكومة "وحدة وطنية" كان رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يزال حتى الأربعاء الماضي يراها متوافرة. كذلك من الواضح ان حظوظ حكومة متجانسة ومنسجمة غير حزبية تستطيع أن تشكل فريق عمل منتجاً، تتراجع كثيراً هي أيضاً.
"المواجهة"
لا شك ان حظوظ "حكومة وحدة وطنية" كانت انطفأت قبل هذه التطورات جميعاً، لاسيما في ظل اعتبار انها المرادف لحكومة التنازلات الوطنية. أما الحكومة المتجانسة والمنسجمة والتي يمكنها قيادة المرحلة الانتقالية حتى الانتخابات النيابية بأقل قدر من التجاذبات الداخلية، فيبدو الآن انها تخلي مكانها ـ إلزامياً ـ لحكومة "مواجهة" لصيقة بالسقف السياسي المحدد.
وفي ضوء هذا التقدير للمنحى الذي ستسلكه التطورات اللبنانية، لاسيما على الصعيد الحكومي، تشدد الأوساط السياسية المتعددة على ان قيام "حكومة مواجهة" قد يكون "قدراً" في ظل الصراع الإقليمي ـ الدولي الراهن، لكن تحوّل "المواجهة" نحو الداخل سيكون خطيراً للغاية تحت أي عنوان كان، مع العلم ان عرى العلاقات بين الطوائف اللبنانية ستأخذ منحى أكثر تماسكاً وكذلك بين التيارات الأكثر تمثيلاً لبيئاتها، كما تؤكد الأوساط نفسها ختاماً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.