8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حكومة الوحدة ترادف في تقدير "حزب الله" حكومة التنازلات

منذ بضعة أيام، لاحظ المراقبون تصعيداً في نبرة "حزب الله" حيال الداخل اللبناني، وقد تمثل هذا التصعيد في الموقف الذي أطلقه رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد إذ قال "إذا كنا نصر على موقف وطني موحد فهذا الموقف له رجال وطنيون، أما ان نلصق أناساً بالحكومة حتى يصبحوا وطنيين فهذا أمر لا نقبل به".
لم يكن خافياً لدى من قرأ هذا الموقف بدقة ان "حزب الله" يسجل اعتراضه علناً ليس فقط على المساعي التي "كانت" مبذولة لتأليف "حكومة وحدة وطنية"، بل على "الفكرة" من أساسها. لكن قبل التدقيق في ما يعنيه هذا الموقف من وجهة نظر الحزب من ناحية ومن وجهة نظر الاجتماع السياسي في المقابل من ناحية ثانية، من المفيد ترك التوضيح للنائب رعد نفسه اولاً.
"الوحدة الوطنية" نوع من الفولكلور
في هذا المجال، يعتبر رعد ان "حكومة الوحدة الوطنية التي تجمع كل الأطياف هي نوع من الفولكلور اللبناني". ويعرب عن اعتقاده ان المطلوب "برنامج وطني يتصدى لتداعيات القرار 1559 ويلتزم الثوابت الوطنية"، في حين أن "لا مشكلة في التحاور بموضوعية حول برامج النهوض الاقتصادي والإصلاح الإداري".
ويضيف رعد انه "تحت عنوان الرغبة في وحدة فولكلورية ومن أجل تنفيس الأجواء المعارضة التي صاحبت التمديد لرئيس الجمهورية، تحصل محاولة تمثيل من ليس مقتنعاً بمواجهة القرار 1559". وإذ يلفت الى ان "التحفظ هو على أن يكون المظهر الوحدوي فولكلورياً أكثر منه تصدياً وطنياً مباشراً للاستحقاقات التي تهدد لبنان"، يحرص رئيس كتلة نواب "حزب الله" على أن يوضح ان كلامه الذي فسر تصعيداً لا يشمل كل المعارضة "فثمة معارضون وطنيون واقعيون لكن ثمة أيضاً معارضين يتناغمون مع سياسات ما وراء الحدود".
رأي مراقب: لا مصلحة في الاشتباك مع الداخل
بالاستناد الى ما يقدمه القيادي البارز في "حزب الله" من شروح لموقفه الاعتراضي على فكرة "حكومة الوحدة الوطنية"، يرى مراقبون من اتجاهات عدة ان وراء هذا الاعتراض اعتباراً رئيسياً، هو ان الحزب يقدر ان "حكومة الوحدة" هي "حكومة التنازلات" امام متطلبات القرار 1559، في حين ان ما يطرحه هو "التصدي لتداعيات هذا القرار".
وفي موازاة اعتبار الحزب ان "حكومة الوحدة"، ترادف "حكومة التنازلات"، يبدي المراقبون اعتقادهم ان "حزب الله" لا يزال في تعاطيه السياسي "الإجمالي" وفي موضوع الـ1559 بالتحديد، بعيداً عن التفكير بـ"تسويات" تتطلب ليس اعتبار فريق من السياسيين وطنياً وآخر غير وطني، بل تستدعي "الحد من الخسائر" حيث يجب والتمسك بما يلزم حيث يجب، في ظل واقع إقليمي ـ دولي متغيّر نحو... الأسوأ.
هذا ما هو واضح في الظاهر على الأقل بنظر المراقبين الذين يضيف بعضهم ان الاعتراض على قيام "حكومة وحدة وطنية" لانها ترادف في "وعي" الحزب "حكومة التنازلات"، انما هو (الاعتراض) بمثابة دخول في "اشتباك" سياسي مع بعض الداخل اللبناني، وهو أمر يقدر المراقبون ان "حزب الله" في غنى عنه لأن المطلوب هو تشكيل "حماية سياسية تعددية للحزب" كما قال الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط ذات مرة في مجلس خاص. وأكثر من ذلك، يذهب بعض المراقبين الى حد "الظن" بأن الحزب في اعتباره "حكومة الوحدة" حكومة تنازلات، لا يحسب إلا مصدراً واحداً لهذه التنازلات هو الداخل اللبناني، ولا يبدو ـ ظاهرياً على الأقل ـ انه يحتسب لاحتمال ان تقود التطورات والتداعيات الى تنازلات إجبارية في الإطار الإقليمي ـ الدولي.
قراءة الحزب لـ1559 ولـ"التعاطي الذكي" معه
وعلى أية حال، ليس ما يراه المراقبون هو نفسه ما يراه الحزب. وفي هذا السياق، يقدم النائب رعد قراءته للقرار 1559، والتي تقوم أساساً على اعتبار ان ما يتضمنه غير قابل للتفكيك لانه يطرح "ثلاثة مطالب بسلّة واحدة هي الانسحاب السوري ونزع سلاح المقاومة، ونزع سلاح المخيمات". وإذ يكرر ما سبق للحزب أن طرحه لجهة ان "المدخل الى القرار غير قانوني لأن التمديد لرئيس الجمهورية أمر سيادي لا يهدد الأمن والسلم الدوليين"، يؤكد ثانية ان "الواضح من القرار هو الابتزاز والضغط السياسي لإخراج لبنان من الاصطفاف في وجه المشروع الأميركي (والإسرائيلي)"، ويقول انه "يجب التعاطي إذاً مع القرار 1559 باستهدافاته الثلاثة معاً".
ولا يتوانى رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" عن التأكيد مجدداً ان "نزع سلاح المقاومة يعني إنكار حق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وإلغاء كل مصداقية الإجماع اللبناني حول تبني حق المقاومة في مزارع شبعا ونقاط اخرى"، ملاحظاً في هذا المجال ان "عدم أخذ إرادة الشعب اللبناني في الاعتبار هنا هو إلغاء لسيادة لبنان". كذلك يجدد التأكيد على ان "المباشرة في نزع سلاح المخيمات في ظل استمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين وعدم تسوية القضية الفلسطينية، هي أيضاً إلغاء لحق الفلسطينيين بالعودة الى أرضهم خلافاً لبنود ميثاق الأمم المتحدة". ويضيف "إذا نظرنا الى هذين البندين بمعزل عن الوجود السوري، فإنهما بندان يلغيان حق شعبين في تقرير مصيرهما".
لذلك وجب من وجهة نظر "حزب الله" التصدي للقرار 1559. كيف؟ يجيب رعد ان ذلك يكون "عبر الالتفاف على سلبيات القرار والتعاطي الذكي للحفاظ على ثوابتنا". ويشدد على "عدم استسهال التفريط بالثوابت"، معلناً بنوع من التحذير ان "الاستجابة المستسهلة الى متطلبات الـ1559 تنهي البلد".
"حزب الله" وجنبلاط ومسعى نصرالله
وهنا يفتح كلام القيادي البارز في "حزب الله" عن "التعاطي الذكي" مع القرار الدولي، "الشهية" لمناقشته، وسؤاله ما إذا كان يعتبر ان ما طرحه رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط منذ "وثيقة النقاط العشر"، مروراً بـ"وثيقة اللقاء الديموقراطي" وصولاً الى سائر المواقف التي أعلنها، تعاطياً ذكياً إذ يطرح في العمق بديلاً لبنانياً من التدويل، مع تذكير رعد بأن جنبلاط دعا الى استمرار المقاومة في مزارع شبعا وأكد غير مرة في مجالسه الخاصة، لاسيما وخصوصاً خلال الأيام الماضية انه "لا يمكننا أن نصفي الذراع العسكرية لحزب الله، فهي ورقة توازن وسلاح دفاعي لا يمكن إلغاؤه في مقابل لا شيء".
هنا، وقبل أن يتبين المضمون المراد للعلاقة بجنبلاط، يوضح رعد "أنا لا اعتقد ان جنبلاط يريد إلغاء مضمون الاتفاقات التي تنظم الوجود السوري بل هو يطلب تغيير الأداء في تنفيذ الاتفاقات". لكنه يشير الى أن "الأنسب الحديث في هذه الحالة عن توضيح العلاقة اللبنانية ـ السورية وليس الحديث عن تصحيحها". ويقول ان "ثمة فارقاً بين التصحيح والتوضيح، فالتصحيح قد يعني إعادة النظر في ما هو متفق عليه بينما التوضيح بهدف عدم حصول خطأ في أداء ما تم الاتفاق عليه".
ومع ذلك، لا يرى رعد ان ما يطرحه جنبلاط "يستدعي توتراً في العلاقة بينه وبين دمشق بل يتطلب أبواباً مفتوحة للتواصل". ويؤكد ان "حصول تباين معه في موقف من استحقاق أو مسألة داخلية لا يصح معه التسرع في تصنيفه خارج الصف وهو يحمل خطاً فيه الكثير من القواسم المشتركة والرؤى الاستراتيجية". ويشدد على أن "لا جنبلاط يخرج من هذا الخط وليس سهلاً دفعه الى الخروج منه"، وعلى ان "المطلوب صيغة لمعالجة التباين بمنطق حواري يلحظ الرؤية من الزاويتين الوطنية والقومية في آن".
ويؤكد النائب رعد ان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله "ليس داخلاً في وساطة على خط جنبلاط ـ دمشق، لكنه يسعى الى توفير مناخات فتح الأبواب وهو ليس وحده من يسعى في هذا الاتجاه".
"التصدي" وليس التسوية
إذاً، في الجواب عن السؤال عما إذا كان طرح جنبلاط السياسي يمثل "التعاطي الذكي" المناسب للمرحلة، لا تخطئ أذن السامع في ان الحرص الأكيد الذي يبديه "حزب الله" على العلاقة بجنبلاط، يندرج في سياق التطلع الى "كسبه" بجانب "مشروع التصدي للقرار 1559 وتداعياته"، وليس ـ على ما يبدو في الظاهر ـ في الإطار الذي يقدّم جنبلاط نفسه من ضمنه: البرنامج الوطني المعرّف على انه التسوية اللبنانية ـ اللبنانية والتسوية اللبنانية ـ السورية البديلتان من التدويل والمتعاطيتان بـ"ذكاء" مع القرار 1559. وهذا ما يدعو المراقبين الى اعتبار ان "حزب الله" لا يزال خارج نطاق التفكير بـ"دعم" تسويات معينة، وما يشفع له بذلك بطبيعة الحال هو ان "رأسه في الدق"، مع العلم ان المراقبين يرون ان أوان الحوار الصادق والصريح معه قد حان، وان له مصلحة بعدم "الاشتباك" مع أحد في الداخل، خاصة ان الاجتماع السياسي المعارض يتقاطع على حدّ أدنى هو عدم الاستعداد لـ"بيعه" في أي حال من الأحوال، وذلك مهما تباينت المواقف بين "التصدي" للقرار الدولي وبين "التعامل" معه وبينهما "التعاطي الذكي" أيضاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00