في الموقف الذي أعلنه الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط أول من أمس باسم "اللقاء الديموقراطي" رفضاً للمشاركة في الحكومة "أي حكومة"، كان ثمة تعبير عن منطق دقيق للغاية، مبني على حيثيات واضحة تماماً.
فـ"الرسالة" التي وجهت لجنبلاط بجريمة محاولة اغتيال رفيقه النائب مروان حمادة لا يمكن المرور بها وكأنها لم تكن، وهي تنطوي على حدين أدنى وأقصى. والحد الأدنى هو ترهيب رئيس "التقدمي الاشتراكي" ومجمل المعارضة بحيث "يكوّع" عن مواقفه ويتخلى عن مطالباته ويمتثل لأمر واقع مفروض. والحد الأقصى هو الإعلان عن ان "التركيبة" المتنفذة تتطلع الى "إلغاء" وليد جنبلاط إن هي استطاعت الى ذلك سبيلاً.
بالنسبة الى جنبلاط إذاً، فإن محاولة اغتيال مروان حمادة لا تقع خارج سياق سياسي محدد، ومن يرتكب هذه الجريمة لا يمكن أن يكون في وارد تسهيل قيام ما سمي "حكومة وحدة وطنية"، ولا يمكن أن يكون في وارد تسهيل عملية انتقال هادئة للبنان من مرحلة الى مرحلة. ومن "التبسيط" في أحسن الأحوال، ومن "السذاجة" في جميع الأحوال الاعتقاد ان جنبلاط سيتعامل مع الجريمة بوصفها "الضارة النافعة"، أي أن يعتبرها كأنها لم تحصل أو أن ترهبه فيعود الى الوراء. والحال ان جنبلاط في إشارته الى ضرورة "التدقيق في أمن الرئاسة" يلامس حد اتهام جهاز أمني بعينه بالجريمة. فهل يمكن والحالة هذه تصور إعلان جنبلاط استعداده للمشاركة في الحكومة؟
جنبلاط طرح "حكومة البرنامج" ولم يكن متفائلاً
قبل يومين فقط من جريمة محاولة اغتيال الوجه الوطني البارز مروان حمادة، كان جنبلاط يقول ان شعار "حكومة الوفاق الوطني"، مبهم ويشكل إلغاء للمعارضة التي انبرت في وجه خطأ التمديد لرئيس الجمهورية، وكان يقترح عنواناً بديلاً هو "حكومة البرنامج الوطني". وإذ حدد مفاصل هذا "البرنامج الوطني" بما هي تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية باتجاه ان تغدو علاقة من الند الى الند بين دولتين ترتبطان بمصالح استراتيجية بعيداً من التدخلات الأمنية، وبما هي تعزيز الحريات واستقلال القضاء والنظام الديموقراطي ومعالجة الأزمة الاقتصادية سياسياً ومالياً، فإن جنبلاط كان يفرز بين حكومة وفاق بمثابة "تجميعة" وبين حكومة البرنامج التي يمكنها ببرنامجها وبتوازنها السياسي أن تقود عملية إنقاذية للبنان من المأزق الذي يتخبط فيه، عبر تسويات لبنانية ـ لبنانية ولبنانية ـ سورية ولبنانية ـ دولية، بديلاً من التدويل الذي أدى خطأ التمديد اليه.
صحّت توقعاته
وتقتضي الصراحة هنا القول ان الزعيم الاشتراكي لم يقل حرفياً انه مستعد للدخول في "حكومة برنامج وطني"، لكنه كان ميالاً الى ذلك بوضوح، ما يعني انه كان مستعداً للمساهمة في حكومة إنقاذية بالفعل، اللهم إذا كانت لدى الجميع قناعة بأن التمديد أدخل البلاد في أزمة كبرى. لكن الأمانة تقتضي القول أيضاً ان جنبلاط لم يكن متفائلاً بهذا الاحتمال ولم تكن لديه أوهام حول هذه الامكانية. وقد صارح بذلك كل من التقاه في هذه الفترة. وللحق يجب أن يقال أيضاً انه دعا الرئيس رفيق الحريري خلال لقاءاتهما المتكررة طيلة هذه الفترة الى الحذر من التفاؤل حتى بحكومة الحد الأدنى من الوفاق بحكومة تحدث اسماء وزرائها صدمة ايجابية.
وصحت توقعات جنبلاط، ذلك ان جريمة الاعتداء على مروان حمادة أشرت الى مسار معاكس لـ"حكومة الوحدة الوطنية"، وباستهدافها لشخصية بارزة على تقاطع بين جنبلاط والحريري وجهت رسالة الى الاثنين معاً. وأكثر من ذلك، أتت المعلومات التي جرى ضخها تفيد ان الحكم الممدد له لن يغيّر ما دأب على ممارسته ولن يفسح في المجال أمام حكومة، حتى لو لم تكن استثنائية لكنها مقبولة، وان الحكم الممدد له ينوي مواصلة نهجه الذي أوصل البلاد الى الكارثة، وانه يتصرف كما لو كان غير مسؤول عن مأزق يدرس غيره سبل الخروج منه.
..والمعارضة المسيحية أيضاً
وما يصح على جنبلاط، يصح على المعارضة المسيحية أيضاً. فليلة الجريمة، ومن شاشة "اللبنانية للإرسال" عبر برنامج "كلام الناس"، كان عضو "لقاء قرنة شهوان" سمير فرنجية يبدي استعداد المعارضة للايجابية على قاعدة رفض المشاركة في حكومة استيعاب أي حكومة لتغطية الخطأ وهذه مواصفاتها أن تبقى "الثوابت" في المواقف والأسماء قائمة، والجاهزية للمساهمة في حكومة إنقاذ ببرنامج محدد وبتوازن سياسي محدد. وكان فرنجية يرد على دعوات أطلقها نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي الى الحوار حول كل شيء على الطاولة داخل "حكومة وحدة"، وقد أتت دعواته تحت عنوان "خطر الاحتراق" الذي يهدد لبنان وسط الظروف التي تشهدها المنطقة. على ان ما لفت المشاهدين أكثر من كلام ضيفي البرنامج، ما ورد في اتصالات "بعضهم" من تلويحات بـ"النموذج العراقي" وإشارات الى "المواجهة" مع استعارة لافتة لمفردات الحرب.
إذاً، ان موقف المعارضة، جنبلاط و"قرنة شهوان" المستظلة بالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، ومعهما المعارضة اليسارية (المنبر الديموقراطي وحركة اليسار الديموقراطي)، الرافض للمشاركة في الحكومة مبني على مقدمات يتحمل مسؤوليتها قرار التمديد بداية ثم ممارسة الحكم الممدد له. ويفترض بناء عليه ألا يكون هذا الرفض مفاجئاً. وأمانة للوقائع هنا أيضاً، لا بد من الإشارة الى ان المعارضة ـ بمختلف تياراتها ـ كانت طيلة الفترة السابقة حريصة على تأكيد ان موقفها وبرنامجها يمثلان البديل من القرار 1559 وما يطلقه من دينامية ضغوط يستحسن تلافيها.. وكانت حريصة على القول انها لا تتصرف على أساس ان سوريا ونفوذها هزما وانها ربحت أو في طريقها الى الربح، بل كان همها ولا يزال قطع الطريق على خسائر لا مبرر لها.. مجانية بالفعل.
الشائعات بين 1559 وتقرير أنان
ما بين صدور القرار 1559 في الثالث من أيلول الماضي وصدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الأول من تشرين الأول الحالي مساء يوم الاعتداء على مروان حمادة، أشيع في البلاد ان المرحلة ما بعد التمديد وما بعد صدور الـ1559 تقتضي الانفتاح على الجميع والتعاون بين الجميع. أشيعت معلومات وصل بعضها الى تأكيد ان ثمة استعداداً لقبول تسمية البطريرك لمجمل الوزراء الموارنة مثلاً. اشيع مثلاً ان الحكم الممدد له سوف "يتغير".
كثيرة كانت الشائعات التي لم تصدقها المعارضة بطبيعة الحال، لكنها كانت تُطلق على ما يبدو بهدف إعطاء إشارة معينة الى المجتمع الدولي كي يأتي تقرير أنان مخففاً. وفي موازاة تلك الشائعات "السياسية" التي كانت المعطيات "الميدانية" تعاكسها (ومن ضمنها الحملات على جنبلاط والتوقيفات في الجبل)، كان من الواضح أن ثمة رهاناً خاطئاً على صدور تقرير مخفف، فكان الترويج لمقولة ان أنان يعتبر أن "التمديد أصبح وراءنا".. الى أن زفت ساعة الحقيقة فكان التقرير الذي لا يشك أحد في انه قاس.
واذا كان من غير المجدي تكرار القول ان من لم يستطع توقع صدور القرار 1559 لم يستطع توقع مضمون تقرير الأمين العام، ومرة أخرى ثمة انتظار لما سيصدر عن مجلس الأمن غداً. وفي غضون ذلك، عاد الكلام عن "المواجهة" مع القرار والتقرير، الأمر الذي يستجر تصنيف الفرقاء السياسيين في لبنان بين "قوى مواجهة" و"قوى خارج خط المواجهة".
المواجهة ـ المغامرة والمواجهة الحقيقية
واذا كان بات معروفاً أن "حديث المواجهة" يعني لبنانياً ما يعنيه من فرز سياسي ومن قمع وترهيب وصولاً الى "الرسالة" بواسطة الاعتداء على مروان حمادة، فان اصحاب "نهج المواجهة" لا يشرحون أمام اللبنانيين ماذا تعني تلك "المواجهة" مع القرارات الدولية. هل الحديث عن التمسك بـ"الثوابت" هو "هذه المواجهة"؟ هل ديبلوماسية "اللغة الخشبية"؟ هل تقديم التنازلات في أمكنة مختلفة عدا لبنان؟ هي ماذا؟ وهل يصح الحديث عن "مواجهة" أصلاً؟ وهل يستطيع عاقل أن يذهب الى "مواجهة" هي بمثابة مغامرة بالبلد، مع المجتمع الدولي؟
ان "المواجهة" الحقيقية، تبدأ من عدم طمر الرؤوس في الرمال، أي من الاعتراف بأن ثمة أشياء كثيرة يمكن القيام بها تلافياً لمزيد من الضغوط الدولية القاسية وعلى العكس من أصحاب "كلام المواجهة" الذين بالمناسبة هم من قادوا الأمور نحو أن يصدر مجلس الأمن قراره، فان ما يطرحه جنبلاط هو "المواجهة" الحقيقية للتدويل الذي سيتواصل ما لم يتم نزع أسبابه. وما يطرحه جنبلاط هو تسوية مع سوريا، وتسوية بين اللبنانيين. فهو دعا الى تحصين المقاومة "في مزارع شبعا" والى عدم نزع سلاحها والى اندراج "حزب الله" في مظلة سياسية لبنانية، وأمل من المعارضة المسيحية واليسارية الا "تتعلق" بالقرار 1559. والمعارضة المسيحية قالت مراراً على لسان أكثر من قيادي فيها انها ترفض "بيع" الحزب وتتكفل بحمايته.. أي ان "حزب الله" ومقاومته ليسا بالنسبة الى اللبنانيين موضوع مساومة مع الخارج. وذات مرة، قال نائب بارز من المعارضة المسيحية هذا الكلام من إحدى الشاشات وتلقى اتصال شكر ومباركة من أحد مسؤولي "حزب الله"... وقد حصل ذلك بعد صدور القرار 1559.
إذاً، أن القرار 1559 وتقرير أنان لا يبرران "مواجهة" من النوع الذي تكون محاولة اغتيال مروان حمادة إحدى محطاته، ولا أي قرار جديد يصدره مجلس الأمن غداً يسوغ ذلك.. والسياسة الحقيقية هي "التعامل" مع القرارات الدولية و"لبننتها".
الاغتيال السياسي
على أي حال، ليس بتقديم وثائق إضافية الى مجلس الأمن عن التمرد على الشرعية الدولية، يكون التصرف، وليس بمحاولة اغتيال مروان حمادة يمكن توقع "مرونة" لمجلس الأمن. وهنا وللتنبيه فقط، تؤكد مصادر ديبلوماسية غربية أن جريمة محاولة اغتيال حمادة ستكون على طاولة مجلس الأمن غداً الخميس، وان هذه الجريمة ستدرج تحت بند "الإرهاب".
وسألت المصادر الديبلوماسية الغربية بقوة خلال الأيام الأخيرة، سياسيين معارضين: هل تتوقعون مزيداً من عمليات الاغتيال السياسي؟ وماذا سيحصل اذا تكررت؟
أجاب السياسيون المعارضون أن تكرار عمليات الاغتيال "احتمال" يبقى قائماً لكن المعارضة في ممارستها السياسية وأياً يكن الترهيب تنطلق من اعتبار وحيد هو أن بقاء الوضع على ما هو عليه لم يعد محتملاً، وبالتالي فهي تفترض أن الاغتيال السياسي ولىّ زمانه منذ الطائف.
ردّت المصادر الديبلوماسية نفسها ان المجتمع الدولي يرفض الاغتيال السياسي وسينذر من اللجوء اليه، وان اللجوء اليه سيثقل الملف دولياً. فيا ايها "المواجهون" هل من بينكم من يسمع ان أقصر الطرق الى السقوط هو "مواجهة" المجتمع السياسي؟.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.