8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حكومة الوحدة الوطنية" ضحيّة خطأ متمادِ بدأ بالتمديد؟

عندما عاد نائب رئيس الحكومة عصام فارس من نيويورك، لم يستطع في التقرير الذي قدمه الى رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء عن مهمته المستحيلة في عاصمة المنظمة الدولية، الا أن يكون حقيقياً في الصورة التي نقلها من هناك عن تقرير الأمين العام كوفي أنان حول تطبيق القرار 1559. وهو، على الرغم من كلامه عن "الموضوعية" المنتظرة في تقرير أنان، أقر بأنه سيكون متشدداً لجهة تسمية القوات السورية بوصفها "القوات الأجنبية في لبنان" ولجهة تعيين "حزب الله" بوصفه المقصود بـ"الميليشيات" اللبنانية في أحد بنود القرار الدولي.
أكثر من ذلك، ذهب فارس الى حد الحديث عن الآلية التي سيعتمدها مجلس الأمن بعد اطلاع أعضائه على تقرير الأمين العام، فلفت الى لجنة مراقبة لتطبيق القرار في المجالات كافة.
خطأ وحيد ارتكبه رئيس وفد لبنان الى الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما أكد أن تقرير أنان سيعتبر التمديد لرئيس الجمهورية "وراءنا". وعلى الأرجح هنا أن فارس كان يعرف أن التمديد ليس "وراء" مجلس الأمن، لكن على الأرجح أيضاً أنه "قيل له" أن يقول ما قاله. ومصدر هذا الترجيح أن ثمة من كان يريد استخدام "الحقيقة" التي أتى بها فارس في "حفلة" تعبئة ضد القرار 1559 بهدف إطلاق إشارة "المواجهة" مع المجتمع الدولي الذي كان يستعد لإعلان ان التمديد حصل بضغوط سورية كما جاء في تقرير أنان مساء الجمعة الفائت.
فارس ـ الفرزلي ـ فرنجية
هذه المقدمة عن مهمة فارس في نيويورك تهدف الى القول ان الفشل في إقناع الشرعية الدولية بما جرى ويجري في لبنان، أسقط رهان الفريق الممدد له وداعميه على حصول تطور ـ دولي ـ يؤدي الى طي الصفحة، فكان ثمة قرار بالانتقال من لغة الى لغة ومن خطاب الى خطاب، من "النعومة" حيال الخارج الى "الخشونة"، ومن "المرونة" إزاء الداخل والانفتاح حيال قواه الى التشدد من جديد... الأمر الذي يدل من وجهة نظر الأوساط السياسية المختلفة على قصر نظر في الحسابات مرة أخرى.
ولم يكن ما أتى به فارس المؤشر الوحيد الى قرار العودة الى لغة "المواجهة" وخطابها خارجياً وداخلياً. فقد شهدت الأيام التي سبقت صدور تقرير أنان، استئناف عدد من رموز السياسة في حقبتها الممتدة منذ ما بعد الطائف والى اليوم، لخطاب التلويح باسم "التحليل الاستراتيجي" لأوضاع المنطقة وانعكاساتها على لبنان، بأن البلد يواجه مجدداً خطر "الاحتراق" في حال أخذ القرار 1559 طريقه الى التنفيذ. وهذا ما قاربه بشكل خاص نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي والوزير سليمان فرنجية ولو باختلاف نسبي في الصياغة، وهذا ما قال به عدد من النواب استحضروا "النموذج" العراقي الراهن.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أن سلطات السياسة الأمنية وضعت أمام اللبنانيين "نماذج" من المخاطر التي تهدد الأمن والاستقرار اللبنانيين، من الصراعات المذهبية في إحدى مناطق الجنوب، الى الصراعات المذهبية والعصبية في الكرنتينا وبرج حمود، الى "الشبكات الإرهابية" المرتبطة بـ"القاعدة" وأبو مصعب الزرقاوي.. وهي حالات بقدر ما أخافت اللبنانيين أثارت شكوكهم حيال ما يجري أخذُ لبنان اليه.
التلويح بـ"الاحتراق"
في هذا المناخ السياسي الذي كان يجري بناؤه عشية صدور تقرير أنان وعشية استقالة الحكومة الحالية كما هو متفق عليه بعد الثالث من تشرين الأول، حصلت جريمة محاولة اغتيال النائب مروان حمادة يوم الجمعة الماضي. وبطبيعة الحال فان للنائب حمادة مميزات عدة، بيد أنه في السياسة اللبنانية الداخلية نقطة تقاطع بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" الزعيم وليد جنبلاط ورئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، كما يصفه عديدون في الوسط السياسي اللبناني.
وكان من البديهي أن يعتبر الضحية (مروان حمادة) ان محاولة اغتياله رسالة سياسية، وأن يعتبرها جنبلاط كذلك، وأن يقرأها مجمل الوسط السياسي على أنها كذلك. بكلام آخر، في ظل مناخ "المواجهة" مع الخارج والداخل، وفي ظل التلويح بأخطار عودة لبنان الى "الاحتراق"، تغدو الجريمة مؤشراً سياسياً الى مرحلة لبنانية بالغة الخطورة.
وهنا، تلفت أوساط سياسية موثوقة في تحليلها الى جملة أمور. فبين صدور القرار 1559 والذي تلاه التمديد بعد أقل من 24 ساعة وبين وقوع جريمة محاولة اغتيال الوجه الوطني البارز مروان حمادة، حصلت مجموعة من الخطوات السياسية الرئيسية، تقع جميعاً ضمن خانة محاولة محو آثار التمديد من ناحية ومحاولة التعاطي العقلاني مع القرار الدولي من ناحية ثانية، أي ضمن خانة السعي الى تسويات لبنانية ـ لبنانية ولبنانية ـ سورية، ولبنانية ـ سورية ـ دولية.
الأحداث ـ التطورات على خط الحريري ـ البطريرك ـ جنبلاط
1 ـ "لقاء البريستول" الذي نظمته تيارات المعارضة كافة تضامناً مع رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط، ومطالَبةً بحفظ الحريات والنظام الديموقراطي. وهذا اللقاء الذي تم يعكس مستوى التنسيق بين جنبلاط والمعارضتين المسيحية واليسارية.
2 ـ عدم نجاح مساعي تكريس التهدئة، وهي المساعي التي تكثفت عشية مقابلة جنبلاط على محطة "اللبنانية للإرسال" قبل أكثر من عشرة أيام، واضطلع بدور رئيسي فيها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، وكان مطروحاً أن تؤدي الى زيارة يقوم بها جنبلاط الى دمشق بـ"وساطة" نصر الله للقاء الرئيس السوري بشار الأسد، حيث كان جنبلاط واضحاً في حديثه التلفزيوني لجهة الحرص على دعوة سوريا الى تسوية مع لبنان تنزع من القرار 1559 عدداً وفيراً من الحيثيات.
3 ـ اللقاءات المتكررة بين الرئيس الحريري وجنبلاط والتي تؤكد تصميم كل منهما على التعاون مع الآخر.
4 ـ اللقاء الذي جمع الرئيس الحريري والبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، وتناول وفق ما رشح آنذاك، الوضع الحكومي تحت عنوان السعي الى قيام "حكومة وحدة" أو "حكومة وفاق".
5 ـ الاجتماع المتفق على عقده بين الرئيس الحريري و"لقاء قرنة شهوان" المعارض، ويفترض أن يناقش المسألة الحكومية أيضاً وتحت العنوان نفسه.
6 ـ الزيارة التي قام بها الرئيس الحريري مؤخراً الى باريس حيث التقى الرئيس الفرنسي جاك شيراك". وحسب ما أعلنه "الاليزيه" بعد اللقاء، فان شيراك أكد حرص فرنسا على المضي في تنفيذ القرار 1559 في مقابل إبدائه الاستعداد للتعاون مع الحكومة اللبنانية.
7 ـ إعلان وزير المال فؤاد السنيورة مشروع موازنة العام 2005 المتضمن رؤية تقشفية ـ اصلاحية لخفض العجز والدين العام، وهو المشروع الذي أعلن أكثر من فريق سياسي محلي ترحيبه به، والذي يستجيب لمطالبات المجتمع الدولي ولالتزامات لبنان حياله.. الأمر الذي يعطي إشارة الى نية المعالجة الجادة لهذا الجانب من الأزمة التي يتخبط بها لبنان.
"حكومة المواجهة" لإسقاط "حكومة الوفاق"
وهنا، ترى الأوساط الموثوقة في تحليلها ان جريمة محاولة اغتيال مروان حمادة تقع في خضم هذه الأحداث ـ التطورات لتؤشر الى اتجاه معاكس لها. وهي (الجريمة) إذا أضيفت الى المناخ الذي كان الفريق الممدّد له يسعى الى إعادة انتاجه بهدف التعبئة باسم "المواجهة"، فان ذلك يعني حتمية استنتاج أحد احتمالين يتجه الفريق نفسه نحوهما: إما "حكومة أمنية" وإما "حكومة مواجهة" (بوظائف أمنية أيضاً)، أي حكومة "انقلاب" على "الأجواء" التي أكدتها الأحداث ـ التطورات المشار اليها. وتؤكد أن "حكومة المواجهة" سواء كانت أمنية أو بوظائف أمنية، هي لمحاولة إسقاط مشروع تشكيل "حكومة وفاق" ذات طبيعة "إنقاذية" داخلياً وخارجياً، وهو الأمر الذي كان ولا يزال يتوقف على وجود "رغبة" بتصحيح خطأ التمديد بواسطة من حذروا منه ومن ينضم اليهم، ببرنامج سياسي ـ وطني ـ اقتصادي "يتعامل" مع القرار 1559 ولا "يستسلم" له في آن.
وتختم بالاشارة الى ان جريمة محاولة اغتيال مروان حمادة، والتي فشلت بحمد الله، والتي تبدو في بعض أبعادها مبنية على "نظرية المؤامرة" إياها، التي تفرز اللبنانيين الفرز الذي تحت وطأته وقع خطأ التمديد، انما هي (الجريمة) مؤشر الى عدم "التسليم" من قبل الجميع بأهمية التغيير الذي يشكل وحده مفتاح الخروج من المأزق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00