عشيّة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان حول القرار الدولي 1559، وفيما يتوقع اللبنانيون بمعظم فئاتهم السياسية أن يأتي التقرير "الوصفي" قاسياً في توصيفه لما لم يتم تطبيقه من القرار منذ صدوره قبل شهروهو عملياً مجمل القرار لا سيما التمديد لرئيس الجمهوريةالأمر الذي يقدم الى مجلس الأمن المادة الكافية لوضع لبنان والعلاقات اللبنانية ـ السورية تحت المراقبة المتشددة، لا يزال الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط مقتنعاً بأن المخرج الوحيد من "كرة ثلج" الضغوط الدولية يتمثل بتسوية لبنانية ـ سورية تقطع الطريق على وصاية مجلس الأمن.
ويؤكد جنبلاط في سياق مواقفه المعروفة ليس فقط ان القرار 1559 هو وليد قرار التمديد وبذريعته، لكنه يحرص على تأكيد انّ لا رهانَ لبنانياً على الضغوط الدولية ضد سوريا، وعلى أن المعارضة الملتقية أطيافُها في "لقاء البريستول" كانت ويجب ان تستمر بدون أي استقواء بالقرارات الدولية، لأن المعارضة ليست في صدد "الانقضاض" على سوريا في لحظة دوليّة معينة وهذا ما يلح بشأنه على كل المعارضين.
التسوية اللبنانية ـ السوريّة:
علاقة ندّيّة
ويعتبر رئيس "التقدمي" انّ صدور تقرير أنان أو أيّ قرار جديد عن مجلس الأمن يخضع تطبيق القرار 1559 لرقابة دولية، لا يعنيان (التقرير أو القرار الجديد) انّ المجال بات مقفلاً أمام التسوية اللبنانية ـ السورية، بل على العكس يعتقد ان ظرف هذه التسوية يبقى قائماً ومستمراً.
وفي مجال هذه التسوية، يتمسّك جنبلاط أكثر من أي وقت مضى وفي ظلّ الظروف الخارجية بما كان شدّد عليه من مواقف. فهو يكرّر المطالبة بتطبيق الطائف الذي ينظم العلاقات اللبنانية ـ السورية، ويعلن ان لا مشكلة من وجهة نظره في وجود عسكري سوري دفاعي متفق عليه، لكنه يرفض في الوقت نفسه التدخلات في الوضع السياسي الداخلي، تلك التدخلات الأمنية والمخابراتية التي تسيء الى العلاقات بمضمونها السياسي المستند الى مصالح مشتركة. ويشدّد على أن ما يقترحه ـ مع المعارضة ـ علاقة بـ"الجملة" مع سوريا لا مبرر معها لعلاقة بـ"المفرق"، علاقة سياسية، من دولة الى دولة، من الندّ الى الندّ، يحتفظ لبنان معها بخصوصياته لا سيما نظامه الديموقراطي البرلماني. ولا يرى انه بـ"حجة" الظروف الدولية الراهنة، يجب التنازل عن مطلب التسوية التي تغدو سلاحاً ضد الضغوط الخارجية.
"حكومة الوفاق" شعار بلا مضمون
وعلى خلفيّة هذا الموقف الذي يتمسّك به، انتقل رئيس "اللقاء الديموقراطي" خلال الأيام الأخيرة الى "الطعن" بصدقية شعار "حكومة الوفاق الوطني". وإذ يرى في هذا الشعار إبهاماً معيناً، يبدو انّه يقارب طرح "حكومة الوفاق الوطني" من زوايا عدة منها انّ هكذا حكومة إن هي إلاّ "تجميعة" أو "خلطة" لا يمكن أن تتوافر لها رؤية أو برنامج، وانها عنوان بلا مضمون في مرحلة خطيرة وحاسمة من تاريخ البلد، أو انها "لمّ شمل" على لا أساس محدّد، أو هي تغطية لخطأ يجري التمادي فيه أو كأن شيئاً لم يكن.
ولأنه لا يؤخذ بشعارات تميّع الفكرة السياسية الأصلية، بدأ جنبلاط الحديث عن "حكومة برنامج وطني". وفي هذا المجال يقول انها من المرات النادرة في تاريخ تشكيل الحكومات في لبنان، التي تبدو معرفة البيان الوزاري للحكومة شرطاً مسبقاً لتحديد الموقف منها مشاركة أو عدمها، بينما الكلام عن "حكومة وفاق" يضيّع "المعنى" السياسي. وفي تقديره ان "البرنامج الوطني" إن لم يكن مجموعة عناوين من ضمنها تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية وإقامة العلاقات المتوازنة، وتعزيز الحريات والنظام الديموقراطي واستقلالية القضاء ومعالجة الأزمة الاقتصادية، فإنه (البرنامج) لا يعود يعني شيئاً.
لا مشاركة في "حكومة الوفاق"
وممكنة في "حكومة البرنامج"
وما لا يقوله جنبلاط مباشرة، يمكن فهمه بشكل غير مباشر: لا مشاركة في "حكومة وفاق وطني" تتيه في الشكل وتنأى عن المضمون، لكن المشاركة في "حكومة برنامج وطني" محددة عناوينها على النحو المشار اليه متاحة، خاصة ان "حكومة الوفاق" المائعة من وجهة نظره لن تملك مثل هذا البرنامج الذي لا فكاك من التزامه، بينما "حكومة البرنامج الوطني" تجمع على أساس البرنامج قوى محددة وتفرز اخرى. ويعرب عن اعتقاده ان المعارضة بتياراتها التي التقت في "البريستول" ترفض بالتأكيد الانضمام الى "حكومة وفاق وطني" لا يحكمها سقف برنامجي ويخضع "توازنها" لآليات تنتمي الى مرحلة مشكو منها، فضلاً عن ان رئيسها لن يكون "متمكناً" من تشكيلها بـ"راحته"، بينما ليس للمعارضة موقف رفض مبدئي للمشاركة في "حكومة برنامج وطني" معروف سقفها السياسي وتوازنها.
وبطبيعة الحال، فإن الرابط واضح لدى الزعيم الاشتراكي بين فكرة التسوية اللبنانية ـ السورية البديلة من القرار 1559 وبين "حكومة البرنامج الوطني"، ذلك انّ التسوية المقترحة هي في ذهنه العنوان الرئيسي في برنامج هذه الحكومة.
وعلى أيّ حال، ولأنّه غير "متفائل" بأن تشكّل الظروف دافعاً الى قيام هذا النوع من الحكومات، لأسباب واعتبارات عدة منها غياب بُعد النظر السياسي عند المتسببين بالمأزق الحالي، فإن جنبلاط قد "وطّن" نفسه مسبقاً على المضي في المعارضة، ويبدي ارتياحه الى التنسيق بينه وبين فصائلها والى الجوامع المشتركة العديدة، كما يدلّ على ذلك الأداء السياسي المشترك "حتى الآن".
الاقتصاد والسياسة
كذلك، لا يبدو ردّ فعل رئيس "التقدمي الاشتراكي" حيال مشروع موازنة العام 2005 الذي أعدّه وزير المال فؤاد السنيورة، منفصلاً عن رؤيته لحكومة "البرنامج الوطني".
في ردّ فعله الأولي على مشروع الموازنة، يقول جنبلاط إنها "موازنة بداية التقشف لخفض العجز"، ويطالب بإجراءات جذرية إضافية. وفي هذا السياق يعتبر انّ "الأوان قد حان لتحجيم الأمن"، ويتساءل عن مبرر استمرار جهاز "أمن الدولة" الذي كان نتاجاً لتسوية طائفية عام 1984، ويلفت الى "التوسع الضخم لجهاز الاستقصاء الذي بات أشبه بجهاز مخابرات عامة". وينفي بقوة الحاجة الى هذا الكمّ من الأجهزة الأمنية، ويرى ان هذا "التعدّد الأمني" أو "الأمن المختلف" مكلف "سواء تعلق الأمر بتعويضات نهاية الخدمة أو أسفار الضباط وغيرها من الأمور"، إضافة الى انّ "تعزيز الأمن لا يتطلب هذا التفريع" الذي يؤشر الى قيام نوع من مراكز النفوذ الأمني الخطير في نظام ديموقراطي.
ويدعو جنبلاط أيضاً الى "الحد من مصاريف البنك المركزي والمصافي النفطية في البداوي والزهراني، وفي عمليات الإعمار"، ويصف الانفاق في العديد من هذه المجالات بـ"الخرضة"، مستهولاً "التعيينات والتعويضات التي تترتب عليها لاحقاً". وهو في مطالباته هذه لا يخرج عن توصيفه الإجمالي، وقد كان أوّل من تحدّث عن "مافيات" و"اقتصاد مافيوي".
إذاً، تماماً كما الرابط واضح بين فكرة التسوية اللبنانية ـ السورية وبين حكومة "البرنامج الوطني"، فإن الرابط واضح ايضاً بين المعالجة المالية ـ الاقتصادية الجذرية وبين حكومة "البرنامج الوطني"، أي انّ "الحلقات" متسلسلة في ذهن الزعيم الاشتراكي من السياسة الى الاقتصاد وبالعكس، وهذه أيضاً نقطة تقاطع رئيسية بين أطراف المعارضة.
باختصار، انّ إصرار وليد جنبلاط على انّ "الفرصة لا تزال موجودة للتسوية اللبنانية ـ السورية"، وهي عملياً الحلقة التي تتأثر بها سائر الحلقات السياسية والاقتصادية، هو برسم جميع المعنيين بالقرار 1559 وبتقرير أنان، اعتباراً من يوم غدٍ السبت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.