8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المعارضة المسيحية لا تشارك في حكومة يخضع تشكيلها لآليّات "المرحلة السابقة" وقواها

في نهاية الاجتماع الأخير لـ"لقاء قرنة شهوان" برعاية البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير بعد التمديد، سأل الأعضاء بعضهم عن كيفية التعامل مع عروض متوقعة للمشاركة في الحكومة المقبلة، وكان الجواب لدى معظمهم أن لا استعداد للمشاركة في حكومة يعتبرون ان وظيفتها الأولى هي تغطية التمديد واستيعاب معارضيه، في وقت يرون في التمديد خرقاً للدستور من ناحية و"تمرداً" على القرار الدولي 1559 من ناحية ثانية. وسُجّل هذا الجواب بمثابة "عهد" يلتزمه الأعضاء أمام الله والبطريرك وأنفسهم.
ولم يبدّد الكلام عن "حكومة وحدة وطنية" أو "حكومة وفاق وطني"، والذي صدر عن مرجعيات رئيسية، الموقف الذي جرى اتخاذه. كذلك لم تغير منه الإغراءات الكثيرة التي حملت الى البطريرك و"اللقاء" وبعضها يطرح تسمية سيد بكركي لجميع الوزراء الموارنة، لا بل ذهب بعض العروض الى حد طلب أسماء بذاتها من المعارضة لتكون في الحكومة.
فما هي الاعتبارات التي تحمل المعارضة على رفض المشاركة في حكومة تطلق عليها تسمية "الوحدة الوطنية"؟.
القرار الدولي ـ ولا شرعية التمديد
أولاً ـ تعتبر المعارضة بداية ان القرار 1559 إذ نقل العلاقة بين المجتمع الدولي من جهة ولبنان وسوريا من جهة أخرى من صعيد الى صعيد آخر، انما نقل الوضع اللبناني أيضاً الى مرحلة جديدة. وترى أن التقرير الذي سيقدمه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الى مجلس الأمن عن سير تنفيذ القرار الدولي، سيكون محطة في الوضع اللبناني الجديد يعلن نهاية مرحلة امتدت من نهاية الحرب الأهلية الى اليوم، وولادة مرحلة جديدة تفترض انتقال لبنان تالياً الى "الجمهورية الثالثة".
وتنطلق المعارضة ـ المسيحية ـ في تقديرها هذا ليس فقط من انها لا تتحمل مسؤولية صدور القرار 1559 الذي أدى التمديد اليه، بل من "حقيقة" ان تقرير أنان الذي سيقدم عرضاً بما جرى منذ صدور القرار، سيسجل بوضوح ان التمديد حصل على نحو مخالف لقرار مجلس الأمن، ما يعني من وجهة نظرها ان "العهد" الممدد له سيكون بعد الثالث من تشرين الأول المقبل فاقداً لـ"الشرعية الدولية".
.. وسوريا
ثانياً ـ وتضيف المعارضة المسيحية ان القرار 1559 أتى في العمق ينزع من يد سوريا "التفويض" عن لبنان أي التكليف الذي كانت تحظى به في "إدارة" الوضع اللبناني. وتقول انها مع عدم معرفتها بما يمكن ان تكون دمشق قد قدمته من "تنازلات" الى الولايات المتحدة وعبرها الى مجلس الأمن، فانها تتوقع أن يتضمن تقرير انان إشارة الى "بدء" تعامل سوريا مع القرار 1559 والذي تقع إعادة الانتشار الأخيرة في إطاره. وتلفت في هذا المجال الى ان سوريا تعتمد في تعاطيها مع القرار 1559 لغتين: الأولى موجهة الى سوريا ولبنان تقوم على "التعمية" على التنازلات المقدمة وصياغة الموقف على نحو ملتبس بين "الصمود" و"الواقعية" والثانية موجهة الى أميركا ـ والغرب الآخر أحياناً ـ وفيها قدر من "الواقعية" و"الاستجابة".
ثالثاً ـ وترى المعارضة أن تقرير الأمين العام للمنظمة الدولية الذي سيسجل ان التمديد حصل خارج "الشرعية الدولية" أي خلافاً لقرار المجتمع الدولي وتوجهاته، وان سوريا بدأت "التعامل" مع القرار 1559، ان هذا التقرير الذي سيحدد الخطوات التي لا تزال مطلوبة ليصبح القرار الدولي نافذاً، يجعل لبنان أمام مرحلة انتقالية بين تنفيذ الطائف بـ"رعاية" سورية وبين تنفيذ الطائف بآليات لبنانية بمتابعة دولية، وان هذه المرحلة الانتقالية تفترض تشكل "الكتلة اللبنانية" الضامنة للطائف والسلم الأهلي والاستقرار والمتمسكة بالنظام الديموقراطي.
حكومة الوحدة الوطنية وسياق طرحها
رابعاً ـ وبناءً على هذه الخلفيات ـ المقدمات جميعاً، تعتبر المعارضة ان طرح "حكومة الوحدة الوطنية" الآن، ينطوي على الثغرات الرئيسية الآتية:
أ ـ أنه طرح لا يأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة كما حددتها في الفقرات السابقة.
ب ـ ولأنه كذلك، فان الطرح لا يزال ـ من وجهة نظر المعارضة ـ ينتمي الى مرحلة سابقة، سواء بمحاولة إشراك المعارضة جنباً الى جنب مع قوى استمرت الى اليوم جزءاً من مأزق الوضع اللبناني ومن مأزق العلاقات اللبنانية ـ السورية كما تمت إدارتها، وهي قوى لا تستطيع أن تكون مواكبة لـ"التغيير" و"التصحيح"، أو بمحاولة إشراك سوريا في تأليف الحكومة. والأمران، أي إشراك "قوى الأزمة" من جهة وسوريا من جهة أخرى في تشكيل الحكومة، تراهما المعارضة المسيحية متنافيين ومقتضيات عملية انتقال لبنان من مرحلة الى مرحلة، مواكبةً لـ"الشرعية الدولية" وتطبيقاً لبنانياً ذاتياً للطائف.
ج ـ ويدخل في حساب المعارضة المسيحية أيضاً، أن "الشارع المسيحي" لن يتسامح مع المعارضة إن هي شاركت في حكومة أياً تكن مسمياتها جنباً الى جنب مع رموز مسيحيين ينتمون الى الحقبة السابقة أي من يسمونهم "مسيحيي سوريا والنظام بالرعاية السورية"، وان البيئة المسيحية ليست قابلة بحكومة تُشكّل مراعيةً لغير اعتبارات المرحلة المقبلة.
مع جنبلاط
خامساً ـ وتعتبر المعارضة المسيحية نفسها مرتبطة بعلاقة تحالف مع الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، وقد اتخذا معاً قراراً أعلنه جنبلاط بنفسه، وهو ان معارضي التمديد سيبقون معاً، وفي هذه الحالة يعني الأمر أن الفريقين لن يشاركا معاً في الحكومة، وعليه لا يمكن للمعارضة المسيحية، إضافة الى قناعاتها السابقة الا أن تراعي التحالف مع جنبلاط.
البديل
سادساً ـ بيد أن المعارضة المسيحية التي لا تمانع في أن يوصف موقفها بالمتشدد، تلفت الى أن رفضها المشاركة في "حكومة وحدة وطنية" من ضمن الطرح الراهن لهذا "المسمى"، لا يعني البتة انها ترفض قيام تسوية لبنانية ـ سورية يسهر عليها من الجانب اللبناني فريق سياسي "مؤهل" لقيادة المرحلة الانتقالية. وبهذا المعنى، تؤكد انه لو كان المطروح قيام حكومة استثنائية تتعاطى مع القرار 1559 أي مع المرحلة الجديدة، وتضم القوى "المؤهلة" أي التي لا تستثير رفض الشارع، لكانت وافقت على المشاركة فيها، خاصة ان من طبيعة الحكومة الاستثنائية أن تكون "مضبوبة" الى حد كبير. وعلى أي حال، فان "البديل" في المدى المباشر من وجهة نظرها هو "ورقة العمل" المشتركة التي يجري إعدادها بين أطراف المعارضة كافة، وهي الورقة المتضمنة ما يشبه "برنامج حكم" يتضمن هو نفسه التسوية المقترحة للعلاقات اللبنانية ـ السورية. وتختم المعارضة المسيحية بالتشديد على أن "حكومة وحدة وطنية" كما هي مطروحة حتى الآن من شأنها أن تبقي المرحلة السابقة مختلطة بالمرحلة الجديدة، وأن تطيل أمد المخاض وأن تؤخر الولادة الجديدة، وأن تشد بالوضع اللبناني الى الوراء فيما تعتقد أنه يجب أن ينطلق الى الأمام.
رأي آخر: دعسة ناقصة للمعارضة
هذه العناوين التي طرحتها المعارضة المسيحية، كانت موضع تعليق عدد من الأوساط السياسية "غير التمديدية"، فرأت أن من شأن هذا الموقف المعارض أن يقود الى النتائج الآتية:
1 ـ تعطيل قيام "حكومة وحدة وطنية" بتمثيل معزز للمعارضة بأطيافها البرلمانية ولـ"غير التمديديين".
2 ـ أن تعطيل قيام هذه الحكومة، سيعني واحداً من ثلاثة احتمالات: إما أزمة مفتوحة مع ما يمكن أن يرافقها من توترات على غير صعيد ليس اقلّها الفراغ، وإما قيام حكومة "تمديدية" تمسك على الرغم من كل المعطيات بالوضع وقد توجهه وجهة خطيرة، وإما بقاء الحكومة الحالية وقد شابها الاهتراء الذي ستزيد منه الاستقالة المتوقعة في الثالث من تشرين الأول مما سيعني بقاء الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال في لحظة خطيرة.
3 ـ ان عدم قيام "حكومة وحدة وطنية" سيحول دون انتقال هادئ، وسيحول دون وجود حكومة قادرة على "موازنة" الوضع الذي استجد بعد التمديد، وعلى تعطيل "مشاريع آخر المرحلة" الموجودة لدى "التمديديين".
وتبدي هذه الأوساط "غير التمديدية" قلقها من أن تكون المعارضة مقدِمةً على "دعسة ناقصة" لا تحتملها الظروف لا بل تقدم قراءة غير "دقيقة" لمجمل التطورات، واستنتاجات بعضها متسرع.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00