كلما اقتربت مهلة الثلاثين يوماً المحددة في القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن من الانتهاء، وكلما حان موعد التقرير الذي يفترض أن يقدّمه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الى المجلس عن التطورات التي أعقبت صدور القرار وعمّا طبّق منه، كثرت الأسئلة لدى الأوساط السياسية اللبنانية حول المرحلة المقبلة في ظل شعورها العارم بأن لبنان أشبه في هذه المرحلة ببلد "معلّق" على ما ستسفر عنه العلاقة اللبنانية السورية بالولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
فماذا بعد القرار 1559 وبتحديد أكثر ماذا بعد الثالث من تشرين الأول المقبل موعد تقرير أنان؟
وعن هذا السؤال "المقلق" تجيب مصادر ديبلوماسية غربية، وأميركية على وجه الخصوص، بتسجيل النقاط الرئيسية الآتية:
أولاً ـ أن جميع الدول التي كانت وراء صدور القرار 1559 أي تلك التي شكّلت قوة الدفع باتجاه إصداره، هي الآن في المرحلة الفاصلة عن الثالث من تشرين الأول تنتظر ما سيتضمّنه تقرير الأمين العام من أجوبة تشرح ما تمّ تنفيذه وما تمّ الشروع في تنفيذه وما لا يزال خارج الإطار التنفيذي من "المطالب" الموجّهة الى لبنان وسوريا في متن القرار الدولي. ومع ذلك فإن المصادر الديبلوماسية الغربية والأميركية لا تتوقع مفاجآت في تقرير أنان بالاستناد الى ما تملكه من معرفة بالوقائع في لبنان من ناحية وبالردّ اللبناني على القرار الذي جرى تسليمه قبل مدة الى ممثل عن المنظمة الدولية من ناحية ثانية.. وإن كانت لا تستبعد بعضها في حال كانت القنوات بين دمشق وواشنطن قد أنتجت، خصوصاً بعد لقاء وزيري الخارجية الأميركية كولن باول والسوري فاروق الشرع قبل يومين.
القرار 1559 و"المشكلة اللبنانية السورية ـ الدولية"
ثانياً ـ ومع أن الدول "الواقفة" خلف القرار 1559 لا تتوقع تغيراً "دراماتيكياً" في الوقائع اللبنانية خلال هذه الفترة وإن كانت تأمل حصوله، فإنها تؤكد في الوقت نفسه أنها اختارت البقاء بعيداً عن أنان في هذه الفترة وأنها تبتعد عن ممارسة أي تأثير عليه، وذلك لاعتبارات كثيرة أهمها اعتباران: الأول هو أن القرار 1559 ليس قرار دولة بذاتها بل هو قرار دولي، أي أن القرار 1559 عنى أن المشكلة ليست لبنانية سورية ـ أميركية أو لبنانية سورية ـ فرنسية، بل هي مشكلة لبنانية سورية ـ دولية، والاعتبار الثاني هو الحرص على أن يأتي تقرير الأمين العام معبّراً عن صدقيّة المنظمة الدولية التي وضعت يدها على هذا الملف.
ثالثاً ـ وتؤكد المصادر الديبلوماسية الغربية والأميركية أن القرار 1559 عندما تحدّث عن مهلة ثلاثين يوماً يعود مجلس الأمن بعدها الى "تفقّد" ما تمّ تنفيذه، لم يحدّد الثالث من تشرين الأول المقبل موعداً "أخيراً" لتنفيذ البنود المتضمّنة فيه، غير أن الثالث من تشرين الأول هو "موعد حثّ" (في اللغة القانونية)، أي موعد يجب أن يترافق مع تحرّك ملموس من أجل التغيير بدءاً من مكان ما، تغيير تأمله حثيثاً وفي غضون فترة "معقولة".
رابعاً ـ وإذ تعتبر المصادر نفسها أن سوريا إذا استمرت في التصرّف وكأنها غير مقصودة بالحديث عن "انسحاب القوات الأجنبية" في إحدى فقرات القرار الدولي، إنما "تخاطر" بدفع أنان الى تحديدها إسمياً في تقريره، تقول في المقابل أن صدور قرار دولي جديد بناء على تقرير الأمين العام ومباشرة بعده، ليس أمراً حتمياً. وتشرح ذلك بالقول أن إعداد قرار جديد "يصعّد" مضمون القرار 1559 ويتضمن إجراءات يحتاج الى وقت للتشاور بشأنه بين الدول فكيف إذا أتت إشارات جدّية عن الشروع في تنفيذ القرار الحالي؟
خامساً ـ بيد أن المصادر تلفت الى أن الدول التي تقف خلف الـ1559 تملك الكثير من الصيغ والوسائل لإبقاء الموضوع "حيّاً" لأن "الملفّ" فتح ولن يقفل، وبهذا المعنى فإن تقرير أنان سيكون محطة بالغة الأهمية.
أميركا: الوجود العسكري لا يقارن بالتدخل
وإذا كانت النقاط الخمس السابقة تشكّل القاسم المشترك بين الدول الغربية الدافعة للقرار 1559، فإن المصادر الديبلوماسية الأميركية من جهتها تلفت الى نقاط أخرى إضافية:
1 ـ تؤكد بداية أن واشنطن تتابع عن كثب عملية إعادة الانتشار التي تقوم بها القوات السورية العاملة في لبنان، وسيكون لتقرير أنان حكم عليها. وتضيف أن إعادة الانتشار كيفما نُظر إليها، لا تعني شروعاً سورياً في تنفيذ القرار 1559 إلاّ إذا كانت محطة نحو "الانسحاب".
2 ـ وتؤكد أن المسألة الرئيسية التي يقصدها القرار الدولي من دعوته الى الانسحاب، ليست المسألة العسكرية فقط بل التدخل السوري في الوضع اللبناني لإبقائه تحت نفوذ دمشق، وبهذا المعنى فإن الوجود العسكري لا يقارن بالنفوذ والتدخل كما تقول. وتوضح أن ثمة قوات عسكرية لدول في دول أخرى، مثل أميركا التي لها قوات في ألمانيا، "لكن الولايات المتحدة لا تعيّن المستشار الألماني ولا النواب في البوندستاغ".
لبنان ليس "جزرة"
3 ـ ان أميركا لا توافق على تفسيرات من نوع أن عدم الاستقرار في العراق يقتضي بقاء السوريين في لبنان. وفي هذا المجال كانت الرسالة التي حملها نائب مساعد وزير الداخلية وليم بيرنز الى القيادة السورية خلال زيارته الأخيرة الى دمشق واضحة وتقول أن تعاون سوريا في العراق سيجعلها تستفيد لكن "الاستفادة" لا تعني بقاءها في لبنان.
4 ـ ان واشنطن تعتبر أن ثمة أمرين لا بد من إدراكهما. الأول هو أن الموضوع اللبناني بالنسبة إليها بات محكوماً بـ"قانون" وليس سياسة لهذه الإدارة تتغيّر إذا تغيّرت الإدارة، وهو موضوع في عهدة المجتمع الدولي أيضاً وليس فقط موضوعاً خلافياً بين دمشق وواشنطن. أما الأمر الثاني فهو أن أميركا لا تبني سياستها على "صفقات" فتقوم بـ"إعطاء" شيء في مقابل شيء آخر.
5 ـ أن الولايات المتحدة تشدّد بناء على الخلفيات الآنفة على أن الأمور تغيّرت، و"لسنا في العام 1976 ولا في فترة عامي 1989 ـ 1990 ولم يعد ثمة مجال لمقايضة لبنان مع أحد". وتضيف المصادر أن "لبنان ليس "جزرة" إذا اعتقد البعض أن سياسة أميركا تقوم على العصا والجزرة".
"الميليشيات" في نصّ القرار الدولي
6 ـ وتوضح المصادر الديبلوماسية الأميركية أن مصطلح "الميليشيات" الوارد في القرار 1559 ليس مصطلحاً أميركياً لأنه "نصّ" لمجلس الأمن، فأميركا "ترى في حزب الله بُعداً إرهابياً لا تراه دول أخرى، ولها مشاكل مع حزب الله تتعلّق بأعمال إرهابية". لكنها تضيف "أن كثيراً من اللبنانيين يفضّلون التعاطي مع حزب الله على قاعدة أن له ميليشيا"، والمسألة بالنسبة الى واشنطن أياً تكن المسميات هي أن يتم تفكيك "الميليشيا" أو "الإرهاب".
هكذا إذاً، وعلى مسافة عشرة أيام من تقرير أنان حول القرار 1559، تُعطي إجابات المصادر الديبلوماسية الغربية والأميركية توضيحات لما بعد القرار 1559، لكنها لا تلغي القلق الذي يعتري الأوساط السياسية اللبنانية من "المخاض العسير" الذي يجتازه الوضع اللبناني، لا سيما في ظلّ قصور في الوعي بالمخاطر لدى فئة لبنانية لا ترى في المعطيات القائمة الا مدعاة لـ"الفرز" ولحملات تخوينية خطيرة تستحضر أجواء المتاريس التي عفا عليها الزمن.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.