8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الكارلتون ـ 2" برنامجُ حكم وفاقي ولقاءٌ تأسيسي لـ"الجمهورية الثالثة"

مع أن إعلان دمشق عن المباشرة في عملية إعادة انتشار شاملة للقوات السورية "نحو الحدود" مثّل "الحدث" الذي خطف الأضواء وشغل الأوساط السياسية على اختلافها خلال الساعات الماضية، فإن المشهد اللبناني الداخلي في ظل ممارسات الفريق الممدّد له وداعميه، استمر في صدارة الاهتمامات. وفي هذا المجال، تسجل الأوساط مجموعة من الملاحظات على النحو الآتي:
أولاً ـ إن سلوك السلطة الممدّد لها في أيلول 2004 يشبه الى حد بعيد سلوكها في آب 2001، وإن كان ينطبق عليه القول "إن التاريخ يعيد نفسه مرتين لكنه في المرة الثانية مسخرة فكيف إذا تكرر عشرات المرات؟". لكن الأوساط تلاحظ أن "آب 2001" قضى في ذهن مخططيه والفاعلين بضرب المعارضة المسيحية لفك الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط عنها، بينما يقضي "أيلول 2004" الآن بضرب جنبلاط لفك المسيحيين عنه.
"سواطير" 2001,. و"سواطير" 2004
ثانياً ـ وإذا كان القاسم المشترك بين آب 2001 وأيلول 2004 هو منع التواصل أو التحالف بين فريقين أساسيين في الوفاق الوطني والمعادلة اللبنانية، فإن الفريق الممدّد له وداعميه يستخدمون "عدة النصب" نفسها شكلاً ومضموناً. ففي الشكل جرت في آب 2001 حَملَة اعتقالات ومداهمات شملت مئات من مناصري المعارضة المسيحية بتلاوينها كافة، وتم "إنزال" حملة السواطير في الشارع تخويناً لتلك المعارضة وتهديداً لها، وقيل لوليد جنبلاط إن تحالفك مع المسيحيين وقوعٌ في شباكهم لأنك في هذا التحالف أنت الأضعف.. وفي أيلول 2004 تجري مداهمات وتوقيفات تشمل مناصري الزعيم الاشتراكي ويتم "إنزال" حَملَة السواطير "الكلامية" تخويناً له، حيث "يتجرأ" طلال أرسلان بكلام "كبير" و"يتجرأ" سليمان فرنجية بتحذير المسيحيين من العلاقة بجنبلاط، ويقال للمسيحيين إن جنبلاط يستخدمكم انتخابياً ويريدكم ورقة لتعزيز مواقعه وإنكم لا تستفيدون من تحالفكم معه.
الإشاعات.. والتناقضات واللعبة الفاشلة
ثالثاً ـ وفي هذا السياق، تكررت التسريبات في الآونة الأخيرة بعد التمديد، وخصوصاً بعد لقاء الرئيس الممدّد له والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، عن أن الأول عرض للثاني تشكيل حكومة تضم معارضين مستظلين بالبطريرك لا بل أشد المعارضين "بأساً" إذا رغب سيد بكركي، في مقابل التسريب عن نية البحث عن دروز "لا يستفزون وليد جنبلاط" في أحسن الأحوال.
رابعاً ـ غير أن الحكم الممدّد له وداعميه كي يثقوا بأن "الإسفين" بين جنبلاط والمسيحيين قد جرى "غرزه" تماماً، يعمدون الى تسريب معلومات ملفقة عن "خيانة جنبلاطية" للعلاقة بالمسيحيين، تفيد (المعلومات الملفقة) أن جنبلاط يطالب في السر بوزارة أساسية له، أو أن الاتصالات على خط كليمنصو ـ دمشق وعلى خط كليمنصو ـ بعبدا قائمة على قدم وساق، أو أن الإشكالات التي نشأت عن انزعاج دمشق وبعبدا من موقف رئيس "التقدمي" المعارض للتمديد في طريقها الى الاستيعاب.
خامساً ـ وإذا كان يمكن مما تقدم ملاحظة المضمون "المركّب" لخطة أيلول 2004 ما يؤشر الى التمهيد الذي يرى الفريق الممدّد له وداعموه أنه "جدير" بالاعتماد نحو الحكومة المقبلة، فإن جلسة مجلس الوزراء أول من أمس قدمت إشارة إضافية الى الذهنية نفسها. فالجلسة أعطت مزيداً من وسائل الايضاح لحقيقة أن الحكم الممدّد له يستمر على نهجه غير الدستوري بالعلاقة مع "مؤسسة مجلس الوزراء"، تحضيراً لجدول أعمالها ورفضاً لبنود وتأجيلاً لأخرى، ما يعني أن "أيلول 2004" مثله مثل "آب 2001" يترافق مع ذهنية العمل الأمني في السياسة وذهنية عدم احترام الدستور والمؤسسات.
تبدّلت الظروف
وفي ضوء الملاحظات الآنفة التي تقرأ أوجه الشبه بين آب 2001 وأيلول 2004 في ممارسة الفريق نفسه، وهي الممارسة التي قادت البلاد الى أزمات مفتوحة، تسجل الأوساط الوقائع التي تشير برأيها الى الفشل المحتوم لـ"أيلول 2004" المبني على المقدمات السابقة.
1 ـ إن الظروف التي جعلت "انقلاب" السابع من آب 2001 ينجح لم تعد قائمة محلياً واقليمياً ودولياً. ومن ذلك أن الفريق الذي يقود "أيلول 2004" ممدّدٌ له وغير مكتسب لـ"الشرعية" السياسية وحتى الدستورية من وجهة نظر العديدين من معارضي التمديد، وأن التطورات التي تلت 2001 على الصعيد الدولي والاقليمي (أحداث 11 أيلول تحديداً) والتي فرضت نفسها على "أجندات" الأطراف المحليين فباعدت بينهم أو بالأصح أجبرتهم على نوع من الانكفاء، ليست هي نفسها اليوم، ذلك أن البلد يعيش اليوم تداعيات تلك التطورات التي بدأت في 11 أيلول 2001، ومن هذه التداعيات أن الحرب على العراق تدخل من أبواب البلد، والقوى السياسية الحية الرئيسية واعية بالأخطار وبضرورة حفظ البلاد وإنقاذها.. وكذلك فإن الفرقاء المحليين وقد بلغت الأزمة ذروتها القصوى لم يعودوا في وضع يمكن "ترهيبهم".
2 ـ إن الفرقاء المحليين ليسوا غافلين عمّا "يحاك" في محاولة فاشلة ويائسة للايقاع بينهم. فالمعارضة المسيحية المستظلة ببكركي، لا بل الحائزة على ثقة البطريرك كما دلت على ذلك التجربة خلال الأسابيع الماضية حيث ظهر جلياً أن مواقفها تعكس توجهات البطريرك، إن هذه المعارضة تعلم أن بين الكلام الذين قيل في الخلوة بين الرئيس الممدّد له ورأس الكنيسة المارونية وبين الممارسة الفعلية، فارقاً كبيراً، وبكلام آخر، فإنها تعرف أن عرض توزير عتاة المعارضين (العرض المرفوض من المعارضة أصلاً في الظروف القائمة) ينسفه الفريق الممدّد له في بحثه عن أسماء مارونية "ظاهرها" صديق لبكركي ومضمونها قريب من الممدّد لهم. كذلك فإن جنبلاط يدرك أن الإشاعات التي يجري بثها تهدف الى التفريق بينه وبين البطريرك والمعارضة، وهو ينفيها باستمرار ويُعلي نبرة خطابه كي يفهم الممدّد لهم أن "يخيّطوا بمسلّة أخرى".
3 ـ وأكثر من ذلك، وفي ظل "الخِدمة" الرئيسية التي أداها التمديد وهي تكوّن "المعارضة الديموقراطية" المختلطة، فإن المعارضين لا يواجهون تحديات المرحلة بمواقف "متفرقة" إنما ببرنامج سياسي موحد ينبثق من أوراق عمل جرى إعدادها، وكانت الورقة الأولى لـ"اللقاء الديموقراطي" أمس. وهذا البرنامج السياسي ليس مجرد برنامج عمل للمعارضة بل هو برنامج حكم، ولذلك قال جنبلاط إنه على أساس هذا البرنامج تدخل المعارضة معاً الى الحكومة أو تمتنع عن المشاركة فيها معاً. وبديهي هنا أن جنبلاط لا يقصد التشديد على "وحدة المعارضة" فقط، بل هو يعطي أيضاً إشارة عميقة في الدلالات الى أن لا حكومة يمكنها أن "تقلّع" من غير أن تكون ملتزمة برنامج هذه المعارضة وفيه ما فيه من بنود تتعلق بالحريات والدستور وتصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية والأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية وغيرها. ولا شك أن جنبلاط والمعارضين يعلنون بذلك أنهم ليسوا على استعداد للدخول في حكومة لا يضمنها توازن وفاق وطني ـ سياسي حقيقي وبرنامج عمل محدد.
"لقاء البريستول" أول لبننة جدية للطائف
4 ـ في هذا الإطار تماماً، يأتي لقاء "الكارلتون ـ 2" في "البريستول" اليوم ليقدم "الوجه الآخر" للـ"الكارلتون ـ 1" في آب 2001، ذلك ان "الكارلتون ـ 1" كان احتجاجياً، في حين أن لقاء اليوم وطني بالمعنى اللبناني الشامل، أي أنه لقاء لـ"تيار معارض متعدد"، ويعبّر عن مواقف شرائح لبنانية واسعة، وهو لقاء مسبوق بتطور ملحوظ على صعيد "الاختلاط اللبناني" تجسد في "إعلان بيروت" ثم في "عريضة الدفاع عن الجمهورية وحماية الدستور". ولقاء اليوم في "البريستول" ليس دفاعياً لأنه يتسلح ببرنامج إنقاذي فعلي، يشترط على الحكومة المقبلة التزامه.
5 ـ والأهم أن "لقاء البريستول" اليوم قد يشبه محطات عديدة في التاريخ اللبناني في الأربعينات والخمسينات والستينات والسبعينات، لكنه في الأساس لقاء تأسيسي ولعله انطلاقة "الجمهورية الثالثة" المؤسسة على وعي بأخطاء الجمهوريتين الأولى والثانية، وعلى تمسك بإعادة تشكيل العصبية اللبنانية المختلطة للجمهورية ـ الكيان، وعلى أن المسألة اللبنانية ـ السورية ليست إعادة انتشار بقدر ما هي علاقة بين دولتين تقوم بينهما مصالح استراتيجية لكن ينهض الداخلُ في كل منهما على ذاته، كما تقول الأوساط نفسها التي تختم بالدعوة الى الانتباه جيداً الى حقيقة أن "لقاء البريستول" الذي يمثل أول "لبننة" من نوعها لاتفاق الطائف، هو القادر بالقوى الحاضرة فيه وتلك المتعاطفة معه على إطلاق مسار مشروع الدولة في لبنان حيث المؤسسات مؤسسات حقيقية... وحيث مجلس الوزراء هو سلطة المشاركة والقرار السياسي، وحيث الأمن تحت الأمرة السياسية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00