8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

وأنان يستطيع إعداد التقرير حول الـ1559 من منزله في نيويورك عشرُ "وثائق" على الأقل تثقل الملف في مجلس الأمن

عندما سيجتمع مجلس الأمن الدولي في الثاني من تشرين الأول المقبل لمراجعة ما تم تنفيذه من القرار 1559 والاستماع الى تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، سيجد أمامه "الوثائق" و"المستندات" الآتية:
أولاً ـ "وثيقة" مؤرخة في الثالث من أيلول، أي في اليوم التالي لصدور القرار 1559، تفيد ان مجلس النواب اللبناني رد على القرار الدولي بتحدٍّ، إذ عمد الى تعديل الدستور بما يتيح تمديد ولاية الرئيس إميل لحود ثلاث سنوات إضافية، على الرغم من المناخ السياسي الشعبي المعارض للتمديد، وقد فُرض هذا القرار رغماً عن الإرادة اللبنانية.
ثانياً ـ "مستند" بتاريخ 16 أيلول عن لقاء بين الرئيس الممدد له والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، يُظهر أن الكلام خلال اللقاء كان على موجتين مختلفتين تماماً بين تجاهل لحود للعناوين الأساسية المفترض أن يكون لدى لبنان جواب عنها، وإصرار البطريرك على اثارة العناوين الرئيسية: التمديد خرقاً للدستور أولاً، مسألة الوجود السوري والإدارة السورية في لبنان ثانياً، وأزمة العلاقة بين لبنان والمجتمع الدولي على خلفية القرار 1559 ثالثاً. وبكلام آخر، يقدّم "المستند" المؤرخ في 16 أيلول، الإشارات الكافية الى خلاف عميق بين "نهجين"، أحدهما نهج السلطة الممدد لها المتسم بالمراوغة والتذاكي، ونهج فريق أساسي ضمن المعادلة اللبنانية يقوم على الواقعية التي تحاول إعادة الاعتبار الى الوفاق الوطني والمسار الديموقراطي وشرعية لبنان بين الأمم.
ثالثاً ـ مجموعة من "الوثائق" التي تحمل تواريخ كل الأيام المنصرمة منذ الثاني من أيلول، وتحمل مواقف سورية ولبنانية متناقضة لكنها تؤشر الى شيء واحد هو الاستخفاف بالقرار الدولي، بين كلام سوري عن عدم توقع صدور القرار الى كلام سوري آخر عن ان سوريا غير معنية مباشرة به، الى "النظرية" المتكاملة عن ضعف القرار وعدم تضمنه آليات عملية، وهي نظرية مبنية على ان الـ1559 جاء مخففاً وبأكثرية تسعة أصوات فقط من عضوية مجلس الأمن، الى الكلام المتكرر عن التدخل في الشؤون الداخلية... وصولاً الى فشل هذا "المنطق" في إقناع اجتماع مجلس الجامعة العربية، الأمر الذي يشكل "وثيقة" إضافية.
رابعاً ـ "مستند" آخر يحمل تواريخ كل الأيام السابقة عن تسريبات بشأن الحكومة المقبلة أو قانون الانتخاب العتيد، تؤشر جميعها الى تصرف فريق الحكم الممدد وداعميه وكأنه لم يحصل شيء البتة، والأخطر تصرفه على قاعدة الاستمرار في خرق الدستور، الذي يُخضع تشكيل الحكومات لقواعد دستورية والذي يجعل إنتاج قانون الانتخاب خاضعاً لمسار سياسي ـ دستوري متكامل.
خامساً ـ "وثيقة" شديدة الخطورة تتمثل بحملة الانتقام السياسي التي يجرّدها فريق الحكم الممدد له وداعموه ضدّ رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"اللقاء الديموقراطي" النيابي النائب وليد جنبلاط على خلفية معارضته التمديد. ولا يخفى في هذا المجال ان الضغط على جنبلاط يهدف الى مجموعة أمور: "تأديب" جنبلاط ومناطق نفوذه على موقفه المعارض للتمديد وعلى "تجرؤه" على "مخالفة" قرار التمديد أولاً، ومحاولة ضرب الدور الذي يلعبه جنبلاط والذي يمكن أن يلعبه كحلقة وصل بين المعارضين للتمديد صراحة وضمناً ثانياً والسعي الى قطع الطريق على توجه سياسي لدى المعارضين لعدم إعطاء أي شرعية سياسية للأمر الواقع بما في ذلك لحكومة تكون وظيفتها تغطية الأمر الواقع هذا ثالثاً... والمضي في إشهار سيف "الدولة الأمنية" في وجه اللبنانيين قمعاً لهم في موازاة العزلة التي يعيشها الفريق الممدد له وداعموه.
5 مستندات معارِضة
في مقابل هذه "الوثائق" و"المستندات" التي في حوزة مجلس الأمن والتي تعكس تهوّراً سياسياً لا مثيل له، فإن وثائق أخرى إضافية موجودة على طاولة المنظمة الدولية:
1 ـ "وثيقة" يمثلها نداء مجلس المطارنة الموارنة الذي على الرغم من صدوره عشية القرار 1559 يبقى مستنداً ذا قيمة سياسية عالية.
2 ـ "وثيقة" أخرى يمثلها الخطاب السياسي المتجدد للزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، وأهم ما فيه إعلانه "عدم شرعية" التمديد للحود، واتهامه "الحثالة" بحكم البلاد وإصراره على تجريد الكلام عن "الخط الوطني والقومي" من أية صلاحية لا بل ذهابه الى حد اعتبار الحديث عن "الوطنية أكبر مزحة في التاريخ"، على خلفية المرارة التي تشعر بها أجيال من "المناضلين" دفعت ثمناً لذلك من حقوقها الديموقراطية.
3 ـ "وثيقة" إضافية ستجسدها قريباً ورقة العمل المشتركة التي تعدها أطراف المعارضة، أي "التقدمي" و"اللقاء الديموقراطي"، و"قرنة شهوان" و"التجدد الديموقراطي" و"اليسار الديموقراطي" و"المنبر الديموقراطي"، وهي أطراف تمثل ما تمثله من مرجعيات سياسية وروحية وثقافية وفكرية على صعيد المجتمع الأهلي، وتمثل وثيقتها المشتركة لدى صدورها أول نص سياسي جامع، وتطلق أول دينامية لبنانية من نوعها.
4 ـ انعقاد "الكارلتون ـ 2" بما يعنيه ذلك من انطلاق حركة اعتراض "مختلطة" في ظروف مختلفة عن "الكارلتون ـ 1" الذي انعقد بعد "انقلاب" 7 آب 2001.
5 ـ وثيقة" أخيرة، تتعلق بـ"الارتباك" الشديد الذي حكم التعاطي مع الوضع الحكومي، من السعي الى رحيل الحكومة الحالية مباشرة بعد "يوم التمديد" الى تأجيل رحيلها الى ما بعد 20 أيلول ثم تأجيله ثالثة الى ما بعد 2 تشرين الأول المقبل، الأمر الذي يعني شيئين متلازمين: الأول العجز عن فتح باب التغيير الحكومي في ظل المعطيات القائمة حيث يمكن أن تقود المعطيات في حدودها الراهنة الى حكومة منتقصة التمثيل وتقدم للعالم وجهاً "قبيحاً"، والثاني استرهان الوضع الحكومي الى أمد معيّن على "وهم" إمكان تبدل في الظروف الإقليمية والدولية.
الـ1559 "بطاقة حمراء" لها ما بعدها
في ضوء هذه "الوثائق" و"المستندات" جميعاً، من الواضح ان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ليس بحاجة الى ايفاد ممثله تيري رود لارسن الى بيروت ودمشق لإعداد التقرير الذي سيقدم الى مجلس الأمن في 2 تشرين الأول المقبل، فهو من دون تكبد عناء السفر يستطيع وضع التقرير من المنزل، وهو تقرير حرصت مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت طيلة الأيام السابقة على التحذير من استبعاد شدته وقسوته ومن عدم تقدير ما سيليه.
في مجلس خاص قبل أيام قليلة، ذكرت المصادر الديبلوماسية الغربية التي أبدت استغرابها الشديد لكيفية التعاطي السوري ـ اللبناني مع زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز الى دمشق، ان القرار 1559 هو بمثابة "بطاقة حمراء" رُفعت "على الملعب" في وجه دمشق و"بعض" بيروت غايتها القول ان الوضع في لبنان لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه الآن. وأضافت المصادر نفسها ان القرار الذي تنخرط فيه أوروبا بقوة، إذ يتضمن مطالب يعلن انه سيراجعها بعد شهر من صدوره، ليس مع ذلك قراراً يحدد موعداً "أخيراً" لتنفيذ المطالب الواردة فيه، لكن صانعي هذا القرار كانوا يأملون أن يحصل في ضوئه "تحرك" يعلن المطالبون به أي دمشق وبيروت انهم "فهموا" الرسالة وبدأوا في اطلاق المسار الذي يقود اليه، بيد ان العكس حصل.
وتوضح انه لو أطلقت دمشق خصوصاً وبيروت أيضاً إشارات إيجابية تفيد بـ"فهم" الرسالة، لاستطاع صانعو القرار الدولي اعتباره "محطة" وليس "موعداً". و"الفهم" الذي تقصده المصادر الديبلوماسية الغربية هنا، هو استيعاب حقيقة ان القرار 1559 يسحب من سوريا "التفويض" الذي كان أعطي لها حول لبنان، وانه (أي القرار 1559) يتطلع الى افتتاح مرحلة جديدة من "حسن الجوار" بين أوروبا وكل من لبنان وسوريا، لا يمكن أن يتم افتتاحها في ظل الواقع القائم، وهي مرحلة ينبغي التوصل خلالها الى تركيز "قيم" مشتركة. أما وأن الدلائل تسير في اتجاه معاكس، فإن المصادر نفسها ترى ان الأداء السوري ـ اللبناني سيجعل من القرار 1559 ليس "محطة" في "صراع تفاوضي" انما محطة في ضغوط ستتصاعد.
برّي ومهمتان مستحيلتان
ومن الدلائل التي تستند اليها المصادر وتؤيدها أوساط لبنانية في ملاحظتها، ان رئيس مجلس النواب نبيه بري كلف بمهمتين مستحيلتين، الأولى هي "قيادة" عملية تشكيل حكومة يعلن بري انها يجب أن تكون حكومة وحدة وطنية، والثانية هي "المرافعة" ضد القرار 1559. وفي هذا المجال تعتبر المصادر والأوساط معاً ان كل "الوثائق" و"المستندات" المشار اليها آنفاً تقطع الطريق أمام قيام حكومة وحدة وطنية تتولى نقل لبنان من مرحلة سياسية الى مرحلة سياسية اخرى، وان هذه "الوثائق" وآخرها الحملة على الشوف ضد جنبلاط لا تفيد بوجود نية لقيام هكذا حكومة، فضلاً عن ان "القرار" لم يتخذ بعد بالتعامل مع المستجدات بحكمة وعقلانية. ذلك انه من الواضح أن لا وجود لنية التوصل الى تسوية لبنانية ـ لبنانية وتسوية لبنانية ـ سورية وأخرى لبنانية ـ سورية ـ دولية كان من المنطقي افتراض ان حكومة وحدة وطنية تضم المؤهلين لقيادة المرحلة يمكنها أن تنكب على إعدادها (التسويات الثلاث)، فيما طرح الوحدة الوطنية لا يزال منحكماً الى "الأداء" نفسه.
وتختم المصادر والأوساط بالتشديد على ان فريق الحكم الممدد له وداعميه لا يزالون يرتكبون مزيداً من الأخطاء في التقدير، ما يعني ان قرار التمديد لم يكن معزولاً عن سلسلة من الأخطاء في التقدير، لا بل هو محطة في الإمعان بالخطأ الذي لا بديل منه فعلاً إلا التسويات الثلاث المنوّه بها سابقاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00