في قراءة لما أسفرت عنه زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز الى دمشق، وأخذاً في الاعتبار كيفية تعاطي العاصمة السورية مع ما حمله المسؤول الأميركي من جهة وكيفية تعاطي الفريق المؤيد بـ"عنف" للرئيس الممدد له من جهة اخرى، يمكن ملاحظة مجموعة الإشارات الآتية:
أولاً ـ نفيُ دمشق ومعها الفريق السياسي اللبناني الذي وظّف طاقاته لتقديم تحليلات مضللة بشأن ما يجري، وجود أية تحذيرات حملها بيرنز في ما يتصل بلبنان، لا بل ذهب هؤلاء جميعاً الى حد "ملاحظة" ان كلام بيرنز عن لبنان في بيان مكتوب انما أتى قبل المحادثات التي أجراها مع الرئيس السوري بشار الأسد.
ثانياً ـ تضخيم دمشق والفريق اللبناني نفسه للجانب العراقي من المحادثات السورية ـ الأميركية والحيّز الواسع الذي استغرقه من هذه المحادثات، وتصوير النتائج في المسألة العراقية على انها تطوّر في العلاقات بين دمشق وواشنطن، وتسليط الضوء على الحوار السوري ـ الأميركي الذي فتح "الاتفاق" في الموضوع العراقي قنواته.
ثالثاً ـ الإيحاء ضمناً بأن ما جرى مع بيرنز هو بمثابة صفقة بين العاصمتين السورية والأميركية تقوم على معادلة لبنان في مقابل العراق، على قاعدة الفرضية التقليدية ان "العطاء" هناك يؤدي الى "الأخذ" هنا.
"تنظير" حول "أزمة" القرار 1559
وفي موازاة هذه الإشارات الثلاث الرئيسية التي بدرت من سوريا والفريق اللبناني "التحليلي"، انبرت أوساط غير بعيدة عن دمشق وبعضها "عقائدي" و"جهادي" وانطلاقاً من التسليم بأن الإشارات السابقة تعكس "واقع الحال" و"الحقيقة"، الى تقديم تفسيرات عدة لهذه الحصيلة "المسلّم بها" من وجهة نظر هذه الأوساط بالتحديد.
وفي هذا المجال، يتمحور "تنظير" هذه الأوساط للمحصلة "المسلّم بها" حول نقاط عدة من بينها "المأزق" الأميركي في العراق الذي يملي على الولايات المتحدة التفاهم مع سوريا، لكن أبرزها ان واشنطن وباريس راعيتي القرار 1559 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي في الثالث من أيلول، لن يكون في وسعهما استصدار قرار جديد في الثالث من تشرين الأول المقبل بعد التقرير الذي يفترض أن يقدمه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الى المجلس بعد انقضاء مهلة الثلاثين يوماً المحددة في القرار السابق. وتذكّر الأوساط نفسها هنا بأن القرار السابق صدر "على الحفّة" أي بتسعة أصوات، الحدّ الأدنى للتصويت على قرار دولي إن لم يكن ثمة "فيتو" من قبل أي من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، مما يعني ان ثمة صعوبة إن لم تكن استحالة في استصدار قرار جديد. وتعرب هذه الأوساط عن اعتقادها ان الجلسة المقبلة لمجلس الأمن ستأخذ علماً بتقرير أنان وقد تتبناه لكن من دون قدرة على الانطلاق منه نحو قرار جديد يتضمن تصعيداً في الإجراءات، في حين ان القرار السابق خضع لتعديلات "جوهرية" من وجهة نظرها كي يمرّ بتسعة أصوات من أصل خمسة عشر صوتاً.
بيد ان ما تتميّز به الأوساط الآنفة عن الإشارات التي سبق تحديدها، هو قناعتها مع ذلك بأن المسألة اللبنانية ـ السورية باتت بالفعل تحت رقابة دولية، وبأنه ليس بسيطاً أن يكون ثمة قرار دولي يمكن جعله مرجعاً للعلاقة الدولية بلبنان وسوريا من جهة كما يمكن تسجيله بوصفه القرار الدولي الذي يمتنع البلدان عن تنفيذه من جهة اخرى.
تحسينات لاستباق مجلس الأمن
إذاً، بين إشارات دمشق والفريق اللبناني "التحليلي" الموحية بـ"صفقة" ما نتجت عن زيارة بيرنز، وبين تقدير الأوساط غير البعيدة عن دمشق بأن ثمة اعتبارات تملي على واشنطن ـ وباريس ـ "فرملة" اندفاعة القرار 1559، فإن ما تطرحه "البيئتان" هو انه يمكن "تزميط" الوضع اللبناني على السكة التي وضع فوقها عبر قرار التمديد للرئيس إميل لحود مع إمكان الاقدام على "تحسينات" معينة. وفي إطار هذه "التحسينات" تتسرب من حين الى آخر معلومات عن خطوات سيتم اللجوء اليها، منها استباق الجلسة المقبلة لمجلس الأمن بقمة لبنانية ـ سورية تتخذ قراراً بإعادة انتشار القوات السورية في لبنان على نطاق أوسع مما جرى في عمليات إعادة الانتشار السابقة، ومنها "الرهان" على أن يأخذ البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير "الوقائع" القائمة في الاعتبار فيبدي انفتاحاً على لحود خلال اللقاء الذي يؤكد فريق لحود انه سيحصل في بكركي في الساعات المقبلة، ومنها تشكيل حكومة جديدة قبل اجتماع مجلس الأمن أو بعده، برئاسة الرئيس رفيق الحريري أو غيره حيث يُحكى عن "تهيئة نفسية" للرئيس سليم الحص ليتولى رئاسة الحكومة في حال اقتضت الضرورات إباحة محظورات الحص، ومنها ان تتخذ الحكومة الجديدة قرارات بإقالة مسؤولين تشكل إقالتهم "صدمة".
قراءة مختلفة لـ"خطأ" جديد
لكن، بعيداً من هذه القراءة وسيناريواتها المختلفة، ثمة لدى أوساط لبنانية جادة قراءة مختلفة تماماً، تقوم على الآتي:
1 ـ ان الايحاء بـ"صفقة" ما بين دمشق وواشنطن نتجت عن زيارة وليم بيرنز، ولو كانت "الصفقة" سلبية بمعنى التعاون في العراق و"تعليق" القرار 1559، هو ايحاء في غير محله إن لم يكن تقديراً خاطئاً من أصله. وتذكّر الأوساط الجادة في هذا المجال بأن تسريبات كثيرة مماثلة حصلت قبل اتخاذ قرار التمديد تحدثت عن اتفاق سوري ـ أميركي على التمديد للحود، وكانت مبنية على نظرية التقدم في البحث السوري ـ الأميركي في الملف العراقي، وهذا ما تبين أن لا أساس له.
2 ـ ان تحليلات الفريق اللبناني "المنظّراتي" لا تنطوي على قراءة جدية للعلاقات الدولية في مرحلتها الراهنة، وذلك على قاعدة ان "منطق الصفقات" سقط مع الإدارة الأميركية الحالية وليس ثمة معادلة قائمة على "اعطيني لأعطيك"، والإمعان في هذه القراءة هو إمعان في سوء التقدير وفي الخطأ. وسوء التقدير هذا ينسحب أيضاً على تصور استحالة صدور قرار جديد عن مجلس الأمن الدولي يتضمن تصعيداً من جانبه. والى ذلك تضاف حقيقة ان ثمة تجاهلاً لواقع ان القرار 1559 ليس قراراً أميركياً بل هو قرار دولي، وانه لا يمكن عدم "التعامل" معه من هذا المنطلق، وان صدور قرار جديد ليس استحالة في ظل النظام الدولي القائم وحساب المصالح ضمنه، بما في ذلك "التبادلية" التي يمكن أن تحصل بين الدول الكبرى على طريقة "مرّقلي تامرّقلك"، كأن تغطي أميركا روسيا في الشيشان وأوسيتيا فتغطي روسيا أميركا في مكان آخر.
3 ـ ان القرار 1559 نقل العلاقة الدولية بالمسألة اللبنانية ـ السورية الى مستوى مختلف، يضع لبنان وسوريا وعلاقاتهما قيد المتابعة الدولية، ويهدد عدم "التعامل" معه بجعل البلدين مكشوفين أمام "الشرعية الدولية"، ويفترض بـ"أصحاب القرار" أن يأخذوا في الاعتبار ان الخطاب المعتمد حيال القرار يقع خارج التاريخ وان المسألة ليست "لغوية" بل سياسية عميقة... إلا إذا كان ثمة نية لكسب مزيد من الوقت (وهذا ما لا يشكل سياسة في الظروف القائمة) أو إذا كان ثمة تمهّل في إعلان "استيعاب" القرار 1559 بهدف إبقاء البعض هنا أو هناك على "تماسك" معين.
جنبلاط والمعارضة.. وورقة عمل مشتركة
وبالتأسيس على ما تقدم، تتوقف الأوساط الجادة عند ما تم الإعلان عنه مؤخراً عن ورقة مشتركة يجري الإعداد لها بين "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"اللقاء الديموقراطي" و"لقاء قرنة شهوان" و"حركة التجدد الديموقراطي" و"المنبر الديموقراطي" و"اليسار الديموقراطي". وفي هذا المجال، تسجل الملاحظات الآتية:
أ ـ ان ورقة العمل المشتركة عندما تنتهي صياغتها، ستكون ورقة "لبنانية" بمعنى انها ورقة لـ"تحالف سياسي" مختلط. وإذا كان "إعلان بيروت" مثل وثيقة "مبادئ عامة" لتيار لبناني مختلط في المجتمع الأهلي، فإن الورقة العتيدة ستحمل برنامجاً سياسياً.
ب ـ وإذا كان يصح افتراض وجود عدد من النقاط الخلافية بين أطراف ورقة العمل هذه تأسيساً على الخطب السياسية للفرقاء الذين يتدارسونها، فإن الأطراف حريصون على تغليب نقاط الاتفاق وهي أكثر من نقاط الاختلاف. ولكم كان الزعيم الوطني وليد جنبلاط حريصاً لدى سؤاله من "المستقبل" بعد اجتماع "اللقاء الديموقراطي" أول من أمس عن مضمون الاجتماع، على القول ان "اللقاء بحث في صياغة ورقته وهو إذ ينطلق من وثيقة النقاط العشر التي أعدها الحزب لن يكون ملزماً بأخذ كل نقاطها، ذلك ان ثمة اختلافات بشأن بعضها ونحن لقاء تعددي".. الأمر الذي يعني ان جنبلاط حريص على "التحالف" في إطار "التنوع"، فكيف إذا تمت ملاحظة "التناغم" بين مواقفه ومواقف البطريرك صفير من القضايا الرئيسية بحيث لا يوجد الآن اثر لخلافات سابقة برزت بينهما بين عامي 2000 و2001؟
"شبكة الأمان".. و"اللبننة" مجدداً
ج ـ ان أطراف ورقة العمل المشتركة يشكلون ما يمكن تسميته "شبكة أمان" لبنانية. ذلك ان ما ستتضمنه "يتعامل" مع القرار 1559 من ناحية لكنه يقدم في المقابل "الحل" المبني على تسوية لبنانية ـ لبنانية (من ضمن الطائف) وتسوية لبنانية ـ سورية.. من ناحية ثانية. وبكلام آخر، لا يتجاهل أطراف ورقة العمل المشتركة القرار الدولي لكنهم "يلبننون" الحل الذي يحملونه.
د ـ ان أطراف "الورقة" ينطلقون من اعتبار ان البديل من "الصفقة" السورية ـ الأميركية ومن المواجهة مع الشرعية الدولية في آن معاً، هو برنامج يقوم على معادلة واضحة بين تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية من جهة واستعادة الحياة السياسية اللبنانية الى سياق ديموقراطي طبيعي من جهة أخرى.. والمدخل الى ذلك اعتراف أصحاب قرار التمديد بـ"الخطأ" وعدم تكرار الخطأ في قراءة معطوبة للتطوّرات الجارية، ولا يرون انه يجوز تخييرهم بين أن يكونوا مع الخطأ ليثبتوا انهم ليسوا أميركيين، خاصة في وقت يتباهى البعض بإمكان التفاهم مع أميركا (!).
هـ ـ ويرفض أطراف "الورقة" تحت أي حجة كانت تغطية الخطأ أو التأقلم معه، ويعتبرون ان الجميع على المحك كلما اقترب موعد اجتماع مجلس الأمن الدولي، ويرون أن لا مخرج من "اللبننة" التي جرى اغتيالها في "الإياب" الى الاستحقاق الرئاسي إلا "اللبننة" في "الذهاب" الى الحل من "المأزق" الذي يؤكد جنبلاط وفرقاء ورقة العمل المشتركة ان بدايته إعادة النظر في قرار التمديد. ولذلك فإن "الورقة" بهذا المعنى تقدم فرصة لا تقدمها "التحليلات المتفذلكة" للفريق اللبناني الذي يصفّق للخطأ إذ يراه "انتصاراً".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.