ثمة وجهات نظر عدة يدور حولها النقاش في الوسط السياسي اللبناني، في ضوء أمر واقع التمديد الذي فُرض على البلاد، أبرزها اثنتان رئيسيتان.
"الداخل" بين "التفرج" وتقديم "المخرج"
وجهة النظر الأولى، يرى القائلون بها أن ما يحصل حالياً هو عبارة عن "كباش" دولي ـ إقليمي حول لبنان وفيه، وأميركي ـ أوروبي ـ سوري بالتحديد، لا علاقة لـ"الداخل" اللبناني به على الرغم من كون هذا "الداخل" يدفع ثمن هذا "الكباش" في المباشر، مع احتمال أن يشكل "المخرج" في اللحظة المناسبة.
ويدعم أصحاب وجهة النظر هذه رأيهم بملاحظة أن سوريا عندما اتخذت قرار التمديد للرئيس إميل لحود، تجاهلت الى الحد الأقصى "الداخل" اللبناني الذي عبّر في محصّلته الاجمالية عن رفض سياسي ـ شعبي شبه إجماعي للتمديد لاعتبارات لبنانية أولاً، ولحسابات تتصل باللحظة الإقليمية ـ الدولية الراهنة ثانياً... وأن الدول الكبرى عندما اتخذت من قرار سوريا التمديد للحود مسوّغاً لاطلاق القرار الدولي 1559 لم تفعل ذلك ضد لحود شخصياً بقدر ما كان همها "لقط" سوريا في لحظة ارتكاب خطأ حذّرت الدول الكبرى دمشق سلفاً من الوقوع فيه.
ويقول أصحاب وجهة النظر هذه إن ما على "الداخل" اللبناني، بين تجاهل سوريا له واتخاذ المجتمع الدولي عنواناً منه لأهداف أخرى، سوى أن "يتفرج" على هذا "الكباش" وينتظر ما سوف يسفر عنه من نتائج طالما أن هذا "الداخل" لم يكن إلا عنوان "المواجهة" بالنسبة الى سوريا، وعنوان مواجهة سوريا والضغط عليها بالنسبة الى "الشرعية الدولية"، لا سيّما أنه لم يحصل تراجعٌ عن الخطأ من قِبل فاعليه.
أما وجهة النظر الرئيسية الثانية، فتنطلق تقريبياً من المعطيات نفسها في قراءة التعامل السوري والدولي مع الداخل اللبناني، وفي قراءة الخطأ الكبير الذي انطوى عليه قرار سوريا التمديد للحود، لتقول إنه بما أن الخطأ في لبنان شكل العنوان هنا والذريعة هناك، فإن تصحيح الخطأ في لبنان يمكن أن يعطي إشارة معينة الى المجتمع الدولي انطلاقاً من لبنان، أي أن "الداخل اللبناني" لا بد أن يشكل "ممراً" الى المخرج أو الى أحد أبوابه، وأن "الداخل" اللبناني بعد التطوّرات التي شهدها خلال الأسابيع الماضية، ليس هامشياً الى الحد الذي يوحي به التراشق السوري ـ الأميركي "فوق" لبنان، ولو حول قضايا يعني بعضها لبنان.
طبعاً، ليس ثمة فارق "كبير" بين وجهتي النظر الآنفتين، ذلك أن الاثنتين تنطلقان من أن ثمة خطأ ارتكب بالتمديد للرئيس لحود، ومن أن لبنان يجب ألا يدفع "أثمان" هذا الخطأ، ومن أن "الداخل" يمكنه أن يؤدي دوراً حسبما يتم توجيهه "سلباً" (التفرج) أو "إيجاباً" (الفعل). والفعل هنا يجب أن يتوخى أمرين، أولهما الحرص على العلاقة بسوريا، علاقة مصاغة على نحوٍ يأخذ في الاعتبار حقيقة أنها لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه، والثاني الحرص على عدم مواجهة المجتمع الدولي أي على عدم الوقوع خارج "الشرعية الدولية". وفي لبنان قيادات وتيارات وازنة تحمل هذه المعادلة (أي معادلة الحرصين) ولا تفرّط بها.
حكومة تغطية الخطأ
في هذا السياق، يعرب العديد من الأوساط عن الاعتقاد أن التغيير الحكومي بعد العشرين من أيلول الجاري، أمام واحد من احتمالين:
الأول، ينطلق من عدم اعتبار التمديد خطأ أوصل لبنان الى مأزق وأوصل لبنان وسوريا الى المواجهة مع الدول الكبرى وأعطاها مبررات إضافية للضغوط وعندئذٍ، يصبح الاحتمال هنا تشكيل حكومة تحدي باتجاهين: نحو "الداخل" على قاعدة أن من سيشارك فيها هم الذين لا يرون خطأ أو بالأحرى يكابرون في الاعتراف بحصوله، "منظّرين" لذلك بأن المشروع الأميركي ـ الغربي يتجاوز مسألة التمديد للحود، وعلى قاعدة أن المعترضين على التمديد ممن عارضوه صراحة أو ضمناً لا يمكنهم المشاركة في حكومة تؤسس على الخطأ وتغطيه وتواجه "الشرعية الدولية".. أما التحدي نحو الخارج فعلى قاعدة اعتبار بعضهم أن القرار 1559 تدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وأن المطلوب مواجهته. وواقع الأمر أن حكومة تشكل على هذه الأسس والمنطلقات، لن تكون سوى حكومة تصعيد للأزمة داخلياً وإعلان "حرب" خارجياً على القرار 1559 أي على المجتمع الدولي الذي يقف وراءه، والذي تدل كل المعطيات القائمة على أنه مصمم على متابعته وعلى مضاعفة ضغوطه لتنفيذ ما يتضمنه.
حكومة تجاوز الخطأ والتسوية الثلاثية
أما الاحتمال الثاني، وإن كان يبدو ضعيفاً حتى الآن في ظل "العمى السياسي"، فأن تتشكل حكومة وفاق وطني حقيقي، انتقالية، لتصحيح الخطأ وإلغائه. وستكون هكذا حكومة مشكّلة من القوى الرئيسية الحية التي ثبت حسن تقديرها للظروف، ولحقيقة أن التمديد هو الذي أدخل البلاد في مأزق. والمهمة الأولى التي تقع على هذه الحكومة، هي بالضبط إعادة صوغ العلاقات اللبنانية ـ السورية على قاعدة المعادلة السابقة، بما لا يتناقض مع "الشرعية الدولية".
وبكلام آخر، إن حكومة وفاق وطني حقيقي تلتزم في برنامجها تسوية لبنانية ـ لبنانية بين القوى الرئيسية الحية، هي وحدها الحكومة القادرة على صياغة تسوية جديدة للعلاقات اللبنانية ـ السورية، تمهد لتسوية لبنانية ـ سورية ـ دولية، تخرج سوريا من دائرة الضغوط عليها، وتطالب سوريا بـ"تنازلات" الى اللبنانيين بديلاً من "التنازلات" الى "الخارج"، وتكون استجابة للقرار 1559 في أحد بنوده الرئيسية، حكومة تأخذ على عاتقها ـ بالوفاق ـ نقل لبنان سلماً من مرحلة الى أخرى ربما تبدأ فعلياً بعد الانتخابات النيابية في ربيع العام المقبل. وغني عن القول إن هذه الحكومة ينبغي أن تكون البديل من خطأ التمديد والخطوة التي لا بد منها لـ"تصحيح" هذا الخطأ أي إزالته.
وفي ضوء ذلك، يصبح النظر الى الرأيين السابقين مختلفاً، أي أن المكابرة باتجاه تشكيل حكومة تحدي ستدفع الرأي القائل بـ"التفرج" الى أن يأخذ مداه إذ سيعني التحدي لأصحاب هذا الرأي، إمعاناً في تجاهل "الداخل" اللبناني في الوقت الذي يطلب منه تحمّل الكلفة، فيما سيدفع الأخذ بتشكيل حكومة وفاق وطني حقيقي بالمعنى المشروح آنفاً، الرأي القائل بدينامية معينة لـ"الداخل" اللبناني تقود الى "مخرج" من الأزمة.
البطريرك والمعادلات الدقيقة
في هذا السياق، وفي انتظار معرفة ما إذا كان سيتم الاعتراف بحصول خطأ في قرار التمديد للحود، لا سيّما من قبل من اتخذوه، لا يخفى أن الفرقاء اللبنانيين الذين أدركوا أن ثمة خطأ يرتكب بالتمديد والذين عارضوه كل على طريقته، وبعضهم حتى بـ"تمريره" بعد أن لاحظوا أن أصحاب القرار يريدونه ويضعون من يعترض عليه في خانة الانقلاب على سوريا أو "التواطؤ" مع المجتمع الدولي عليها.. إن هؤلاء الفرقاء أعلنوا من المواقف ما يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
فالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير قال في الوضع الراهن كلاماً غاية في الدقة، عندما أكد في الأيام الماضية، وعلى الرغم من خطورة الوضع وما يصاحب هذا الوضع من ضغوط دولية تسير تصاعداً، أن "المطلوب ليس فك المسار اللبناني عن المسار السوري"، وأن "الخيارات الاستراتيجية يجب أن تحترم خصوصيات لبنان وأهمها استقلاله وسيادته وقراره الحر"، آملاً ألا يضع لبنان نفسه بسبب من مسؤوليه خارج "الشرعية الدولية"، ملاحظاً بالتالي أن العلاقة بسوريا يمكن أن تستقيم لا بل أن تكون أفضل من دون التعاطي في قضايا الوضع اللبناني الداخلي.
جنبلاط و"تحرير" العلاقة بسوريا
ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" الزعيم وليد جنبلاط قال منذ أسابيع عدة قبل الاستحقاق، ومنذ أن أطلق "وثيقة النقاط العشر"، إن العلاقة بسوريا يجب أن تستوي على الفصل بين "الاستراتيجي" والداخلي. وإذ لاحظ أن أداء العلاقة اللبنانية ـ السورية ينطوي على تهميش لـ"الداخل اللبناني"، ذهب الى المطالبة ـ بمرارة ـ بإعطاء لبنان "حكماً ذاتياً"، أي أقل من "الاستقلال"، لأن الواقع الراهن قضى حتى على هامش "الحكم الذاتي". ولم يتردد جنبلاط في الحديث في مجالسه الخاصة بنوع من "النوستالجيا" عن التسوية اللبنانية ـ المصرية زمن الرئيسين الراحلين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر في "خيمة المصنع" عام 1959، حيث "أعطى" لبنان في "الاستراتيجية" و"أخذ" في "الداخلي"، لا بل غدا عبد الناصر بعد ذلك شديد الاحترام لخصوصية لبنان حتى في "الاستراتيجية". ولا يخفي جنبلاط قناعته بأن الفرز بين "الاستراتيجي" والداخلي، يعيد الى العلاقة اللبنانية ـ السورية بعدها السياسي المتحلق حول مصالح سياسية "فعلية" إذ يحررها من المصالح الفئوية والمالية الفردية..
لا البطريرك ولا جنبلاط بحاجة إذاً الى شهادة في وعي أهمية العلاقة بسوريا تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، لكنهما يعتبران ـ بتناغم ملحوظ ـ أن الفرصة مؤاتية الآن لتصحيح هذه العلاقة بديلاً من الضغوط الدولية. لكنهما اتخذا كل من جانبه قراراً واضحاً: لا استعداد لتغطية خطأ خرق الدستور الناجم عن الواقع الراهن من دون أن يجدا نفسيهما مضطرين الى الدفاع عن رؤيتهما الى العلاقة بدمشق، وهي الرؤية التي تشكل في الظرف الحاضر "إنقاذاً" من الضغوط. وعدم الاستعداد لتغطية الخطأ الناجم عن الواقع الراهن، يترجم برفض الفريق السياسي للبطريرك من ناحية و"اللقاء الديموقراطي" الذي تجلت وحدته بالرفض من ناحية ثانية، المشاركة في حكومة مبنية على الخطأ.
والتطور اللافت في هذا المجال، إعلان رئيس "حركة التجدد الديموقراطي" النائب نسيب لحود من المختارة أول من أمس، بعد لقائه جنبلاط، أن ثمة ورقة مشتركة يجري تداولها بين "الحزب التقدمي" و"اللقاء الديموقراطي" و"لقاء قرنة شهوان" و"اليسار الديموقراطي" و"المنبر الديموقراطي"، تحدد مبادئ عمل هذه المعارضات جميعاً في المرحلة الانتقالية المقبلة. وهذا التطور الذي من شأنه أن يُفضي الى دينامية سياسية واسعة، يمكن إذا رغب أصحاب الخطأ في الرجوع عنه أن يشكل ملاذاً آمناً.
إذاً، حيال تصاعد الضغوط، والتزاماً بمبدأ أن تصحيح العلاقة بسوريا لا يتناقض مع "الاستراتيجي" كما ينادي البطريرك وجنبلاط، وعلى قاعدة أن طريق التسويات هو البديل من المواجهات، يصبح الموضوع الحكومي محكاً لـ"النوايا"، وبديلاً لبنانياً تسووياً من المواجهة ومن التنازلات المفروضة في آن.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.