بعد مرور بضعة أيام على التمديد للرئيس اميل لحود، يبدو واضحاً ان الأسباب التي كان ويُفترض أن تحول دون قرار التمديد، هي نفسها الأسباب تمنع "العهد الممددّ" من "التقليع"، وتجعله في عزلة سياسية محلياً وخارجياً.
فالبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي لم يجد في ظل المعطيات السياسية التي أحاطت بالتمديد ما يدعوه الى خطوة بروتوكولية في الحدود الدنيا تجاه لحود، ولم يجد ما يبرر "التهنئة" فلم يتصل ولم يوفد ممثلاً عنه الى "احتفال" التمديد في بعبدا، كرر في عظته الأسبوعية من الديمان أول من أمس الإعراب عن القلق من وضع لبنان ـ بفعل التمديد ـ في مواجهة مع الشرعية الدولية، ما ينبئ بأن البطريرك لا يعتبر ما جرى حدثاً يمكن لأيام قليلة أن تتكفل بالتخفيف من وطأته فتطوى صفحته لتفتح صفحة جديدة.
"القرنة": سعيد يسأل وحرب "يحسم"
وفرنجية يستخلص
وفي الاجتماع الذي عقده "لقاء قرنة شهوان" في الديمان في حضور البطريرك ورعايته، وبعد الانتهاء من إقرار البيان الذي اعتبر التمديد خطأ يستدعي من "المعنيين" تصحيحه، بادر النائب فارس سعيد المجتمعين بالسؤال: من "واجبنا افتراض ان محاولات ستجري معنا ومع غيرنا، لكن معنا بالدرجة الأولى، بما يساعد "المعنيين" على "تجميل" الواقع الذي انتجه التمديد، كأن يطرح علينا التمثل في الحكومة الجديدة أو كأن يطرح على بعضنا المشاركة في الحكومة المقبلة، فماذا يجب أن يكون موقفنا في هذه الحالة؟. فدار نقاش "سريع" حسمه النائب بطرس حرب مؤيداً من جبران تويني بالتأكيد على أهمية رفض المشاركة في الحكومة على قاعدة رفض تغطية ما جرى والذي لا وصف له سوى أنه أمر واقع فرض على اللبنانيين. وقد ترك موقف النائب حرب ارتياحاً كبيراً لدى أعضاء "اللقاء" وتم تبنيه، وهو الأمر الذي حدا بعضو "اللقاء" سمير فرنجية الى وصف الاجتماع بأنه "أهم اجتماع في تاريخ القرنة".
اذاً، في هذا الاجتماع حيث لم يتدخل البطريرك في صياغة الموقف السياسي لـ"القرنة" مكتفياً بالتشديد أمام الأعضاء على وحدة "اللقاء" وعلى استمرار التواصل المسيحي ـ الاسلامي باعتباره "إنجازاً" بذاته تحقق خلال الأسابيع الماضية، رفضت "القرنة" "تغطية" التمديد ونتائجه. ولا شك في هذا المجال أن "العهدالممدّد" لا يفتقد فقط الى ما تمثله "القرنة" مسيحياً، لكنه يفتقد "بركة" البطريرك، وفوق هذا وذاك يخسر من بين "مسيحي النظام" من عارضوا التمديد ومن أرغموا على تأييده، في ظل صراعات بدأت تطل برأسها على المواقع في الحكم الممدّد. ولعل استقالة الوزير فارس بويز من الحكومة حتى قبل ان تستقيل، تعبير عن التقاط بويز نبض الشارع من ناحية وعن الحشرة التي يضع العهد الممدّد نفسه فيها من زاوية صعوبة "اختراع" تمثيل ماروني جدي من ناحية ثانية.
جنبلاط و"اللقاء الديموقراطي"
على صعيد آخر، يرفض الزعيم اللبناني وليد جنبلاط بدوره تغطية التمديد ومفاعيله، انطلاقاً من موقفه الذي تقدم به معارضة التمديد للحود. فها هو "اللقاء الديموقراطي" بكل تلاوينه الطائفية والسياسية يتوحد ويتماسك حول زعيمه اعتراضاً بقوة على التمديد واستقالة من الحكومة القائمة قبل أيام من استقالتها، وتأكيداً على رفض المشاركة في الحكومة المقبلة ممراً نحو الانتقال الى المعارضة.
واذا كان موقف "لقاء القرنة" في حضور البطريرك أتى في موازاة دعوة لحود الى فتح صفحة جديدة، ما يعني ان "القرنة" لم ترَ في الدعوة اللحودية أمراً جديراً بالاهتمام، فان جنبلاط كان حيال هذه الدعوة أشد صراحة عندما أكد أنه ليس معنياً بها.
وغني عن القول ان مواقف البطريرك و"القرنة" وجنبلاط من "العهد الممدّد"، وهي المواقف التي تسحب نفسها على الحكومة المقبلة، انما تعني (المواقف) أن أي حكومة جديدة لن تحظى بغطاء بطريركي ولا بغطاء جنبلاطي، وليس هذا فقط بل ستضم مسيحيين موارنة ودروزاً خارجين على الشرعيتين، البطريركية والجنبلاطية. وفي هذه الحال، لن يكون الرئيس رفيق الحريري في وضع مؤات لترؤس حكومة تفتقد الغطاءين، أي حكومة تفتقد البعد الوفاقي، والقدرة بالتالي على التعاطي مع الوضع الدولي الذي باشر فتح ملف لبنان، فكيف اذا كان الرئيس الحريري مدعواً أصلاً الى ترؤس حكومة جرى وضعها على الورق سلفاً؟.
الحريري والحكومة
بالتأكيد، سيأخذ الرئيس الحريري وقته للتفكير بعد تسلمه استقالات الوزراء فارس بويز ومروان حماده وغازي العريضي وعبد الله فرحات. لكن اذا اضيف الى كل ما تقدم واقع ان مواقع الرئيس نبيه بري في الحكومة المقبلة ستشهد "تقليماً" ملحوظاً اذا ما جرى ضم "خصمه المعلن" أي المدير العام لمؤسسة غير مدنية الى الحكومة أو اذا ما جرى ضم "حزب الله" أو مقربين منه اليها تصعيداً في المواجهة مع القرار 1559، يمكن القول أيضاً وبصرف النظر عما سيكون عليه أداء بري في هذه الحالة، ان رئيس المجلس سيكون مثل "بالع الموس".
هكذا اذاً، فان المواقف التي تلت الأمر الواقع التمديدي تؤشر الى ان طرفين رئيسيين في المعادلة اللبنانية هما البطريرك وجنبلاط يرفضان منح "العهد الممدّد" شرعية سياسية، ويرفضان تغطية نتائجه والانخراط في عملية تجميل وترميم لهذا الواقع، الأمر الذي يضع طرفاً رئيسياً ثالثاً هو الحريري في موقع من لا يستطيع تحمل توازنات داخل الحكومة شديدة الاختلال، الا اذا كان ثمة نية لدى "المعنيين" بأن يكون الحريري حراً في تشكيل الحكومة على نحو يمكنه من رد الاعتبار الى "قوى الطائف".. لكن هيهات!.
على ان ما يجمع البطريرك وجنبلاط ليس فقط معارضة التمديد ونتائجه، بل هو أيضاً القناعة بأن كلام لحود بعد "فوزه" بالتمديد وتقبله "التهاني" به، لا يحمل جديداً في مضمونه. ذلك ان ما طرحه البطريرك وجنبلاط في العمق هو تسوية لبنانية ـ سورية تكون بديلاً من التدويل الذي أدى اليه قرار التمديد. والحال ان لحود هو عنوان "التحدي" محلياً وخارجياً، وهو محكوم الى ذلك، وليس رجل حوار ومبادرات وتسويات.
"حزب الله": خطأ الحديث عن الأكثرية العددية
ولا تكتمل الصورة الا بالتوقف قليلاً عندما أعلنه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله غداة التمديد للحود في المجلس النيابي. فاذا كان الانطباع الذي ساد الوسط السياسي قبل كلام نصر الله، هو ان "حزب الله" ليس في وضع مريح، على اعتبار ان التمديد استدرج موقفاً دولياً أميركياً ـ أوروبياً من المقاومة أو أنه سرّع بصدور هذا الموقف الدولي مما يُفترض معه ألاّ يكون الحزب سعيداً، فان ما قاله نصر الله عن تغليب منطق الأكثرية العددية في القضايا المصيرية وعبر استفتاءات، وضع الحزب وجهاً لوجه أمام الداخل اللبناني بكل أطيافه اذ بدا منطقه انقلابياً على الصيغة اللبنانية التي حمته وأبدت رغبتها في حمايته، بالتنوع الذي تختص به هذه الصيغة. فاذا بالسيد نصر الله يذكّر اللبنانيين بـ"مسيرة عاشوراء" قبل ثلاثة أعوام والتي جاءت ترد بـ"العدد" آنذاك على مطالبات بإعادة النظر في أداء العلاقات اللبنانية ـ السورية، مع العلم ان الحزب قال في ذلك الوقت عن "مسيرة عاشوراء" انها "ممر اضطراري" وتعهد ضمناً بعدم تكرار اللجوء اليها. كما أن نصر الله يذكّر بـ"مسيرة الأكفان" مع العلم انّ الحزب "اجتهد" يومها للقول ان هذه المسيرة للتضامن مع "المقدّس" في النجف وليست لأغراض داخلية، ومع العلم أيضاً أن "حزب الله" دفع ثمن المسيرة مضاعفاً في الضاحية وبعدها "رسائل" على حسابه ومن وراء ظهره كتبها فريق الحكم الى واشنطن وغيرها. وعليه، يكون المشهد الذي بدا عليه "حزب الله" مع كلام نصر الله، مشهد مواجهة لم يكن مضطراً اليها مع الداخل اللبناني حتى لو كان محقاً في اعتبار ان بعض "المطالب الدولية" يعنيه، مما كان يقتضي منه عدم التلويح بـ"القوة العدديّة" التي لا تعني شيئاً في لبنان، بل التلويح بأنه في صميم معادلة لبنانية راغبة في احتضانه.
القرار الدولي 1559
على أي حال، فان ما تقدم يفيد أن "العهد الممدّد" لن يتمكن من "التقليع" وسط هذه المعطيات اللبنانية، والأغرب أنه حتى بكلامه عن "الانفتاح" لا يقدم ما من شأنه فتح المجاري المسدودة بينه وبين معظم اللبنانيين. والأشد خطورة ان "العهد الممدد" و"المعنيين" به يمضون وقتهم في شرح "الانتصار" الذي تحقق بالقرار 1559، انتصار سببه برأيهم ان أميركا وفرنسا لم تنجحا في تضمين القرار الدولي تسمية لسوريا بالإسم وتلويحاً باجراءات، ولم تنجحا سوى في الحصول على تأييد تسعة أصوات للقرار. هذا، بينما تفيد كل المؤشرات ان القرار 1559 هو "بداية فتح للملف" وان الموقف الدولي سيتدرج صعوداً، وان الـ 30 يوماً في القرار هي "مهلة" سيكون لها ما بعدها على ما تؤكد مصادر ديبلوماسية شديدة الاطلاع. والأشد خطورة اذاً ان "العهد الممدّد" يتصرّف وكأن لا موقف دولياً يجب أخذه في الاعتبار، وينساق الى شعار "المواجهة" بدلاً من التفتيش عن استدراك "الخطأ" بما يمكّن لبنان من اجتياز واحدة من أخطر المراحل التي يمر بها.
ومهما يكن من أمر، فان المجتمعين السياسي (ما تبقى من تعبيراته الديموقراطية) والمدني يحملان اليوم أمانة لبنان، ويقدمان للمجتمع الدولي "المستند" الاسلامي ـ المسيحي الذي يفيد بتفاهم اسلامي ـ مسيحي حول الأساسيات، ويتجلى هذا "المستند" أكثر ما يتجلى بعريضة "الدفاع عن الجمهورية وحماية الدستور" التي تتسع التواقيع عليها عاكسة عمق التفاهم في مقابل تبرير التمديد بخطر الحرب الأهلية، وهي العريضة التي تمثل محطة من حملة وطنية إسلامية ـ مسيحية ستليها عما قريب محطات إضافية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.