8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البديل لا يزال نفسُه: التوافق اللبناني حاجزاً أمام المعارك الدونكيشوطية

اليوم بالضبط، أصبح لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي، بعد الإصرار على المضي في تعديل الدستور للتمديد للرئيس إميل لحود في موازاة القرار الدولي 1559 الذي دعا الى انتخابات رئاسية على "القواعد الدستورية القائمة" أي من دون تعديل للدستور. وقبل الخوض في ما يمكن أن يؤدي اليه وقوع لبنان في دائرة العزلة والانكشاف الدوليين، ترى الأوساط السياسية العاقلة في لبنان ضرورة تسجيل الملاحظات الآتية:
لحود من عنوان إلى تفصيل
أولاً ـ ثمة تعليمة عليّة جرى تعميمها خلال الأيام الأخيرة مفادها ان "المسألة" وراء تحرك مجلس الأمن الدولي بطلب أميركي ـ فرنسي لا تتعلق بقرار التمديد للرئيس لحود بل تتجاوزه نحو إعادة تحديد المطالب من لبنان وسوريا، وان التمديد للحود لا يعود كونه تفصيلاً بالقياس الى "الهجمة" الخارجية التي تطرح كل شيء دفعة واحدة. ومع ان الأوساط تستغرب "منطق" هذه التعليمة العليّة في ظل الضجيج الذي ملأ الدنيا حول ما يمثّله لحود من ضمانة "وطنية وقومية"، وللاستقرار في لبنان ما أملى اتخاذ قرار التمديد له، فإنها في الوقت نفسه تسجّل الاعتراف "الضمني" الذي تنطوي عليه هذه "التعليمة" بأن التمديد للحود اتخذ ذريعة من المجتمع الدولي بطلب أميركي ـ فرنسي للكشف عمّا وراء الاعتراض الدولي على التمديد. وعليه، تعتبر الأوساط ان التقليل من "عامل التمديد" في المواجهة مع المجتمع الدولي، لم يستطع أن يبرر كيف يمكن للتمديد أن يكون عاملاً في "المعركة" في وقت شكّل الذريعة.
ثانياً ـ وثمة في الأوساط السياسية اللبنانية استغراب أيضاً مبني على منطق "التعليمة" إياها، هو الآتي: إذا كان منطق التعليمة صحيحاً أي إذا كان التمديد للحود مجرد ذريعة جرى استخدامها أميركياً وفرنسيا لـ"النزول" بالمطالب المعروفة، فأي منطق هذا الذي اعتمده أصحاب "قرار التمديد" والذي جعلهم في معركة إن هم ربحوها لا يفعلون سوى تثبيت لحود في موقعه ثلاث سنوات إضافية وإن هم خسروها خسروا كل شيء دفعة واحدة؟
"اللبننة" في كلام السيد
ثالثاً ـ وثمة مفارقة كشف عنها المدير العام للأمن العام اللواء الركن جميل السيد في مداخلته على شاشة برنامج "كلام الناس" أول من أمس، عندما شرح ما آلت اليه "اللبننة" التي دعا اليها الرئيس بشار الأسد ولماذا انتهى الأمر الى قرار التمديد للحود. قال اللواء السيد تقريبياً ان "اللبننة" تحوّلت حتى على ألسنة شخصيات من "أهل الدار" الى هجمات على الرئيس لحود، وان "اللبننة" أسقطت خياراً كان قائماً ولم يعد كذلك، أي خيار لحود، وعندئذٍ ـ يقول السيّد ـ أجرى الرئيس الأسد "مشاوراته" مع القيادات اللبنانية لإعادة "إحياء" هذا الخيار، أي ان "اللبننة" كما يقول اللواء بشكل غير مباشر طُرحت في الأصل كي تنتج التمديد للحود أو التجديد له وعندما لم يحصل ذلك جرى ما جرى، وهذا أيضاً اعتراف ضمني بأن مقولة "اللبننة" طُرحت على شاكلة "مناورة". وإذ تسأل الأوساط عن علاقة هذا الشرح بالاعتبارات التي قدّمت للتمديد على أساس ان لحود يمثل الضمانة المطلوبة في الظروف "الدقيقة" القائمة، تقول ان "اللبننة" مع انها كما يبدو كانت الصيغة التي اعتمدت لـ"امتحان" اللبنانيين، لم تقدم ("اللبننننة") محصلة انقلابية على "الخط الوطني والقومي" ولا على العلاقة بسوريا..
فأي منطق إذاً هو الذي يدفع الأمور بهذا الاتجاه الذي يعيد أجواء الإحباط ويقدم ذريعة لـ"الخارج" في وقت كانت "اللبننة" تسير باتجاه إنتاج وفاق وطني متعمق أكثر فأكثر وباتجاه تأكيد العلاقة بسوريا.. وباتجاه تحصين البلدين، لبنان وسوريا في وجه "الهجمة" الخارجية الشرسة التي يقولون انها كانت تبحث عن ذرائع؟
المعركة مع مَنْ في الداخل؟
رابعاً ـ على ان الأوساط تلاحظ في ضوء وقائع الأيام الأخيرة بعد "قرار التمديد" ان غلاة المدافعين عنه حوّلوا أي "بَرموا" (باللغة المحكية) الموضوع نحو الداخل، فإذا التمديد للرئيس لحود مطروح في سياق معركة مع الداخل.
وبكلام آخر، إذا كان منطق التعليمة العليّة يعتبر ان التمديد للحود ذريعة اتخذها المجتمع الدولي وان وراء الأكمة ما وراءها من نوايا عدوانية تجاه لبنان وسوريا، وان لحود هو عنوان "المعركة" أو غدا كذلك، فالأسئلة التي تطرح نفسها هي الآتية: أي معركة داخلية يبحثون عنها، ومن هو "العدو الداخلي" الذي يفتشون عنه وهل المعركة مع المطالب الدولية هي معركة داخلية، ما معنى الاحتفالية بالتمديد وضد من، وهل ثمة انتصار متحقق وعلى مَنْ، على مجلس الأمن أو على معارضي التمديد، وما سر المناشير المحرضة على معارضي لحود؟. ولماذا إشاعة مناخ عصبي في الشارع؟ وإذا كان التمديد للحود مجرّد ذريعة فلماذا تحويلها الى سبب مباشر؟...
"الشرعية الدولية": العراق.. والطائف
على أي حال، وفيما تعتبر الأوساط انه يمكن تقديم لائحة مطوّلة بملاحظات إضافية على ما جرى خلال الأيام الماضية، فإنها تنتقل من ذلك الى تعيين أهم ما يجب تسليط الضوء عليه من نتائج وضعِ لبنان نفسه في مواجهة مع المجتمع الدولي، وذلك كالآتي:
1 ـ ان القرار الدولي 1559 يضع لبنان في مواجهة مع المنظمة الدولية التي شكلت له ملاذاً، على ما في النظام الدولي من اختلالات. وبالمناسبة، وعلى الرغم من الخلل الفادح في توازن المنظمة الدولية، فإن لبنان وسوريا لم يترددا في ما يتعلق بالمسألة العراقية، في الدعوة الى دور للأمم المتحدة في العراق بديل من الاحتلال الأميركي، وهما يعرفان ما تعانيه من خلل لصالح أميركا.. وذلك من المطالبة بقرار يصدر عن مجلس الأمن يغطّي التفتيش في العراق عن أسلحة الدمار الشامل، الى رفض الحرب الأميركية على العراق التي واجهت "الفيتو" في مجلس الأمن، الى المطالبة بنقل السيادة الى العراقيين تحت مظلّة الأمم المتحدة... أي ان الحديث عن نفوذ أميركا في مجلس الأمن ليس اكتشافاً جديداً، فضلاً عن انه مع هذا "الاكتشاف" لم يحصل امتناع لبناني وسوري عن التعامل مع هذا الإطار الدولي.
2 ـ والقرار الدولي 1559 بصرف النظر ما إذا كان نتيجة فخّ نُصب للبنان وسوريا أو ما إذا كان اتخذ من قرار التمديد للحود ذريعة أو ما سوى ذلك، يعني ان الدول الكبرى التي كانت في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، الضامن لاتفاق الطائف دولياً انما تعترض على وضع لبنان بعد سنوات من إطلاق الاتفاق. وليس خافياً على أحد في لبنان ان اتفاق الطائف ليس سوى اتفاق عربي ـ دولي ـ لبناني، فإذا أضيف الى رفع الدول الكبرى الضامنة للاتفاق على الصعيد الدولي الغطاء عن تطبيق الطائف، ان ما جرى ويجري في لبنان هو تغييب القوى اللبنانية التي غطت الطائف، الواحدة تلو الأخرى وأبرزها البطريرك نصرالله بطرس صفير.. فإن ذلك يعني إطاحة المقومات الاساسية للطائف محلياً وخارجياً، ما يجعل لبنانيين كثيرين يبدون مخاوفهم من اجتياحه وإطاحة النظام السياسي.
عمرو موسى
3 ـ وفي وقت يبدو واضحاً تماماً ان من مفاعيل القرار 1559 إلحاق عزلة بلبنان وتقويض الضمانة الدولية لاتفاق الطائف وتعريض لبنان وسوريا لمزيد من الضغوط، الأمر الذي لا يحله الوزير "المتخصص" بريتشارد بيرل و"المحافظين الجدد" في أميركا بقوله: هم (أي مجلس الأمن ودوله الكبرى) يهجمون علينا فليسمحوا لنا أن نواجه قراراتهم (!)، في هذا الوقت وبدلاً من الاستفادة من "تناقضات" الوضع الدولي، بينما التنظير "الوطني والقومي" قام خلال السنوات الماضية على حديث الدور الأوروبي في وجه الدور الأميركي منعاً للنظام ذي القطب الواحد، ترى الأوساط لبنان ذاهباً الى مواجهة غير مبنية على قراءة صحيحة لـ"التطورات الدولية" التي كان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى واضحاً جداً في لفت الانتباه اليها خلال وجوده في بيروت قبل أيام، حين شدد على ملاحظة "التطورات في العلاقات الدولية وعلى مستوى النظام الدولي". وليس من عاقل يستطيع من دون مراكمة "مناطحة" هذه "التطورات". ولا يكفي في هذا المجال، وعلى طريقة الوزير نفسه إبراز المعرفة واستعراض "ثقافة المقالات المؤرشفة" لتوصيف النظام الدولي، لانه من الضروري البحث في هذه الحال بكيفية تحديد أوجه "التأقلم" وأوجه "الممانعة" وعدم تركيب موقف ينتمي الى عصر سابق في العلاقات الدولية بينما الوضع ليس كذلك.
بين "المواجهة" و"الاستسلام".. التسوية
ومع ان الأوساط اللبنانية العاقلة ترى ان لائحة الأضرار الناجمة عن وضع لبنان نفسه في مواجهة المجتمع الدولي و"الشرعية الدولية" ولو غير عادلين، يمكن أن تطول هنا أيضاً لتشمل كل المناحي والمجالات، فإنها تسأل: هل يعني هذا التحليل دعوة الى الاستسلام أمام ما يطالب به المجتمع الدولي؟
وتجيب بسرعة أن ليس في هذا التحليل دعوة الى الاستسلام. ذلك ان بعض المطالب الواردة في متن القرار الدولي لا يستطيع مجنون في لبنان أن يتلقفها لانها تتضمن حضاً على صراعات داخلية. بيد ان لبنان في المقابل لا يستطيع أن يفترض ان المجتمع الدولي (المختلة توازناته) لن "يطارد" هذه المطالب غير العادلة وغير النزيهة، ولا يستطيع أن يكتفي بتسجيل ان النظام الدولي "أعور". فماذا يفعل إذاً؟
ان على لبنان ان يدرس معطياته، ثم يدرسها مع سوريا، ليحدد ما يحتمله ولا يحتمله، وما يتمسك به وما يتنازل عنه.
وفي هذه الحالة، لا تكون الضمانة شخصاً، بل هي ورشة وفاق وطني لبناني. وفي هذه الحالة لن يكون ما يتنازل عنه لبنان نظامه الدستوري الديموقراطي بالتأكيد لانه حصانته الكبرى. وفي هذه الحالة، يحسب الموازين العربية والدولية لان المسألة معادلات وليست مواقف تطلق... والأهم ان لبنان الذي لا يستطيع الذهاب في مواجهة المجتمع الدولي الى النهاية.. لان النهاية معروفة هنا وهي "نهاية" فعلاً، يستطيع في المقابل أن "يلبنن" أجوبته عن المطالب المضغوط بها عليه وأن يحفظ نفسه وسوريا من جنون الهجمة الخارجية وشراستها، إذ ما من عاقل "يمسك الثور الهائج من قرونه". و"المواجهة" ليست أساليب قوة تملك الدول الكبرى أقوى منها، بل هي عقل سياسي وحكمة يزنان المعطيات بدقة. وما تخشاه الأوساط ليس نبرة الصوت العالي من قبل الذين اشتغلوا على تحويل التمديد عنواناً من عناوين القوة فيما التمديد عنوان الضعف المميّز، بل ما تخشاه هو انتقال هؤلاء من نبرة "المواجهة" الى محاولة استكشاف إمكانيات "المساومة"، وهذا ليس اكتشافاً إذ غالبًا ما اشتغل "العقل العربي" على المساومة مع الخارج الدولي بدلاً من أن يشتغل على التسوية مع نفسه ومع داخله، على افتراض منه ان المساومة مع الخارج "أضمن" من التسوية مع الداخل.
على أي حال، وبما ان الموضوع برمته بات مفتوحاً، تختم الأوساط بالتشديد على ان القرار 1559 يُفترض ألا يغلق باب الاستدراك اللبناني، علماً ان المقدمات لا تبشر بذلك في وقت ـ ويا للمفاجأة ـ يتحول الأمر الى اختلاق معارك داخلية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00